قبل سنوات ، حصلت القاصة الكندية أليس مونرو على جائزة نوبل في الآداب ، وجاء في تعليق اللجنة المانحة للجائزة “أن مونرو مُنحت نوبل لكونها أفضل من كتب القصة القصيرة في العصر الحديث” . قد يعتقد البعض أن الحكم في أفضلية كاتب عن بقية الكتاب ممن هم في نفس مجاله يعتبر مبالغا فيه ، فلا يعقل أن اللجنة قرأت كل الأعمال القصصية المكتوبة بمختلف اللغات في العصر الحديث ، باختلاف جنسية كتابها . إضافة إلى تلك المترجمة عن لغاتها الأصلية ، مما يتطلب جيشا من المحكمين والباحثين في متابعة المنجز العالمي للقصة القصيرة . كما أن القصة مصطلح يضم تحته ثلاث أنواع ( القصة الطويلة ، القصيرة القصيرة والقصة القصيرة جدا ) حيث تختلف المعايير من نوع لآخر ، كما هو تميّز براعة الكاتب في التكثيف للغة واتساع المعنى خلاف الرواية التي تحتمل الفصول الممتدة لمئات الصفحات وربما الآلاف .
فمثلا القصة القصيرة جدا للغواتيمالي اوجوستو مونتيروسو ” … وعندما استيقظ، كان الديناصور ما يزال هناك ” ، لا يمكن أن تقرأ لمرة واحدة ، وربما تتفرع منها تأويلات أو نصوص مرادفة كثيرة ، وهي من جملة آثار أدبية قليلة وصفها غابرييل غارسيا ماركيز بــ ” الجِدةُ المتلبّسة لبوس الفكاهة والهزل” . فشهادة من روائي كبير له منجزه الأدبي العريض والمنتشر عالميا في شأن أعمال مونتيروسو لهي دليل على عمق التجربة لديه و حضوره المختلف عن بقية أقرانه في ذات العصر . ويحسب لمشروع كلمة ترجمة أعمال مونتيروسو ، حيث تُعتبر هذه القصص ، بحسب تصريح مشروع كلمة ، من أوائل الكتابات الكلاسيكية في القصة القصيرة الحديثة.
ويصف القاصّ المكسيكي خوان رولفو قصص مونتيسرو:”القصّة القصيرة.. ضرباتُ فأسٍ هنا وهناك، وعملياتُ مراجعةٍ، وحذفٍ، وإضافةٍ، وطرح وجمعٍ، والقصّة لها فرصة واحدة في الزّمان والمكان، و يتقرّر حظّها في الحين مباشرة بعد مرحلتين إثنتين: كتابتها، ثمّ قراءتها. فأيّ طلبٍ، أو تعديلٍ، أو إضافةٍ، أو وصيّةٍ لاحقةٍ، أو تفسيرٍ أوشرحٍ أو تنميقٍ أسلوبيّ لها لا جدوى منه، بل إنّ ذلك كله قد يفسدها”.
في إحدى الحوارات معه ، قدّم مونتيروسو نفسه بأنه لم يتم دراسته الإبتدائية ، برغم أنه يتمنى في وعي ما ، أن ينهيها ، خاصة وأنه يجد في بعض نصوص كتب الدراسة نصوصا كتبها هو ، فيعلّق : ” إنه شعور غريب لا أقوى على وصفه : أن تضع يدكَ، بطريق الصدفة، على شيء سبق أن كتبته بنفسك، فتعيد قراءة نفسك فيه وفي النهاية يُطلب منك أن تحدد ماضيك البعيد ..” .
قد تكون مونرو أفضل من كتب القصة في العصر الحديث بحسب وجهة نظر المؤسسة المانحة لنوبل ، كما غيرها من الفائزين بجوائز مؤسسات أخرى ، ولكنها ليست الأفضل بالضرورة من وجهة نظر المتلقي الذي يعيد قراءة النص بأكثر من معنى وروح ، وإلا لانعدم الإبداع القصصي ، واحتُكر بوجهة نظر المؤسسة ومثقفيها والقوائم !
فهد توفيق الهندال












