التصنيفات
مدونتي

ثأرُ المعنى

غالبا ما يحُاك المعنى من خيوط الحياة اليومية ، حيث تسحب التفاصيل لونها من الحدث ومن يشعلوه ، بدءا من اليقظة من الغفلة ، طقوس الاغتسال ، الخروج للعالم بوجه جديد ، المرور بأماكن عدة ، مقابلة ناس معينين صدفة أو بموعد سابق ، في زحام لا ينتهي من الالتزامات والمشاغل . وحده الفن الذي ينظر للعالم بعين أخرى مختلفة ، عين وكأنها مركبة على زئبق ، حائرة قلقة ، كما وصفها المتنبي .

والفن كون واسع يحتمل الكثير من الابداعات المشكلّة له ، ومنها فن الأدب المرتكز على اللغة كنسيج خيالي للكلمات ، فينقل لنا الناقد والروائي البحريني أمين صالح في كتابه ( السوريالية في عيون المرايا ) عن الروائي والشاعر الفرنسي أندريه بورتون بأن الشاعريخترق اللغة ويتغلغل فيها ، ومن خلالها يؤسس علاقة حميمة وعميقة مع العالم المادي . ولهذا أبدى السورياليون نفورا صريحا من الآلية المنطقية للجملة . لأن خلق غلة جديدة يعني خلق علاقات جديدة بين الكلمات ، خاصةعندما تقطع علاقتها مع السياق التقليدي لها أو العالم الذي نشأت فيه وتقطع الروابط التي تشدها الى مواقعها الأولى ، ولا تعود تحمل الا القدرالقليل من الأواصر اليومية ، عندئذ تكتسب معنى جديدا غير متوقع لا تعمل بموجبه الكلمات للمعنى الاعتيادي لها ولا السياق اليومي ، أي بمعنى تكسرولادة الاشراق مبكرا !

في حين يرى الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا ، رأيا آخر في كتابه ( حديث اللاطمأنينة ) عن تشكلّ المعنى : ” سوف نترك الغروب للغروب، معتنين بالفن وحده ، مستوعبينه شفوياً، ناقلينه هكذا بواسطة موسيقى تفهم بالقلب. لننصنع نحتاً للأجساد التي ستحتفظ، مرئية وممسوسة، برونقها متحركاً وبدورها ناعمة، سننشئ بيوتاً، فقط لنقيم فيها، وهو ما من أجله وجدت البيوت في النهاية، أما الشعر فسيبقى ليقرب الأطفال من النثر المستقبلي،لأن الشعر، بالفعل، طفولي وأولي وتحضيري.”

ما نحاول الوصول إليه ، قد لا يتشكل المعنى من المعاناة قبل الكتابة فقط ، وإنما من المعاناة ما بعدها أيضا ، لكونها صراع يعيشه الكاتب بشكل مستمر ، وقلق الوجود . فاللغة تحتمل الصنعة الفنية لا الصعلكة اللغوية ، في تنافرها المستمر مع الهيمنة السائدة للتفاصيل المملة ، وثورة المعنى على تكرره المُجرد من التجريب ، وتكرار اللفظ اعتباطيا . فيقول السوريالي البلجيكي بول نوجيه: “ليس كافيا خلق الشيء، ليس كافياً للشيء أن يكون أو يوجد، يجب أن نظهر قدرة الشيء، عبر وسيلة أو أداة بارعة ما، على إيقاظ رغبة المتفرج، أو حاجته، لتنويره”. وهو من أشار إلى محدودية وقصور اللغة بأن هناك كتّابا يستخدمون الكلمات بطريقة خاصة جدا. هم في الواقع يحسبون أنفسهم سادةً، أحراراًفي ممارسة هيمنة كاملة على اللغة. يحسبون أن في مقدورهم الاحتفاظ ببعض خاصيات الكلمات، مهملين الأخرى، لم يخامرهم أي شعور بأن ثورة اللغة عليهم ممكنة . ولهذا فإنه ستحقق ثأر المعنى وتكشف ضعف الفكرة أمام هزالة اللفظ ، ولو طال المدى !

ونقف كما البرتغالي ألفارو دي كامبوس في هذا المشهد :

“أن تشعر بكل الأشياء بكل الطرق،

أن تعيش كل الأشياء من كل الجهات،

أن تكون الشيء نفسه بكل الطرق الممكنة في الوقت نفسه،

أن تدرك في نفسك كل الإنسانية في كل لحظاتها،

في لحظة مبعثرة، مبالغة، كاملة، منفصلة واحدة”.

فهد توفيق الهندال

أضف تعليق