هل الكتابة النسوية هي سرد عن ما يحدث بين النساء من جهة وما بينهن ومجتمعهن من جهة أخرى؟
هل الكتابة عن المرأة تتطلب أن تكون ضحية فقط، لكون الجلاد الأبدي هو الآخر الرجل؟
وأخيرا.. هل الكتابة عن مكان ما يعتبر جزءا من تاريخ مكان أكبر، تفترض الموضوعية والواقعية أكثر مما قد يكون متخيّلا افتراضيا؟
في روايتها الجديدة (خادمات المقام) اتخذت الروائية والقاصة منى الشمري جزيرة فيلكا مكانا في عالمها السردي، تسرد من خلالها حكايتها الجديدة وأبطالها وفكرتها التي تحاول ايصالها للمتلقي. يبدأ السرد بالتقاط جثة امرأة حامل غريقة وغريبة، لفظها البحر في غموض وحيرة حطت على رؤس شخوص الرواية، فكان المقام مسقط ولادة وليدها وسط حارساته/ خادماته، والسؤال الذي دار في ذهني، كيف تشبث الجنين بالحياة وقد فارقت أمه الحياة من مدة غير قصيرة، مع ما تم وصفه في أول الرواية لجثة الأم: “شعرها الأسود الفاحم بدا كثيفا وطويلا وقد نشبت به بعض طحالب اليابسة، والتهمت الأسماك شيئا من أطراف أصابع يديها وقدميها، ولم ينج من قضماتها إلا لحمها تحت ثوبها المخطط الذي ستر كل جسدها عدا وحمة داكنة تأخذ شكل التينة كبيرة تحت أذنها اليسرى، وشامة بارزة فوق الحاجب الأيمن، وأخرى تحت الشفة السفلى التي تقوست يابسة على نصف ابتسامة”! ويدور الجميع حول مصدر هذه الجثة إيران أم البصرة، والمسافة بينهما والجزيرة ليست بالقصيرة، وغالبا ما تأخذ أيام بحسب التيار. إذن نحن أمام اشكالية في رسم الأحداث منذ البداية والتي ستكون تمهيدا لبقية أحداثها وشخصياتها النسائية التي خصصت الكاتبة فصولها الست الأولى للحديث عنها، وهو سرد تقليدي في عموم الروايات العربية، مما أنهى مبكرا فرصة التقاطعات بين الشخصيات بغير رابطة المكان(المقام). كان من الممكن أن تحافظ الرواية على لقطة البداية المدهشة إذا ما كانت التفاصيل محكمة جدا مع غموض الحدث الأول، العثور على جثة الغريقة المجهولة، واستمرار ذلك الغموض بالولادة العجائبية للوليد داخل مكان عادة ما يكون مسرح السير العجائبية (المقام) لتأخذ الحكاية شكلا آخر يتجسد بشخص الوليد لاحقا، ولكن بقيت الكتابة ذات السرد التقليدي بالنسوة اللاتي يعشن القلق وعدم الاستقرار بسبب تاريخهن الاجتماعي وهو ما قرأناه ولانزال في بعض السرد الأنثوي العربي!
أين الفكرة الجديدة من كون المقام مكان الحدث الروائي، سوى استمرار القصص المرتبطة بالخرافة والغموض؟ وإن حاولت الكاتبة ربط نشأة المقام بماريا الحبشية لكونها جاءت من بيئة تكثر فيها المعتقدات الخرافية والوثنية، ولكن يدخل ذلك ضمن وجهة نظر الكاتبة.
ومع ذلك، أين تحوّل الشخصيات ونموها على مدار الرواية، وهو ما كان مختصرا وعابرا بسبب قصر الرواية ذاتها؟
وإلى أي مدى استفادت الكاتبة من المكان (جزيرة فيلكا) المتعدد مذهبيا وعرقيا في محاولة رسم المجتمع ككل وليس فقط الاكتفاء بحضوره محايدا؟
عندما نتناول عملا روائيا عادة ما نبحث في فنية المكونات التقنية للعمل، وكيفية توظيف الزمن والمكان، ورسم الشخصيات وتحولاتها، والأهم الرسالة التي يتضمنها خطاب العمل السردي، وكيف يمكن أن يتصل بسياقه الاجتماعي والثقافي والتاريخي، لاسيما وأن الخط الفاصل بين الواقع والمتخيّل هو فاصل وهمي، قد يثبت احترافية الكتابة أو حاجتها لاحترافية أكثر. وهذا ما كنت أتمناه أثناء قراءتي لرواية خادمات المقام، وننتظر العمل القادم لمنى الشمري, فمهما كان الكاتب يتمتع بسلطته أثناء كتابة النص، فإنه بات مهدور السلطة حال نشره ليشارك الكاتب أيضا ملاّك آخرون، وهم المتلقون له.
فهد توفيق الهندال












