التصنيفات
مدونتي

خادمات المقام.. المكان المحايد

هل الكتابة النسوية هي سرد عن ما يحدث بين النساء من جهة وما بينهن ومجتمعهن من جهة أخرى؟

هل الكتابة عن المرأة تتطلب أن تكون ضحية فقط، لكون الجلاد الأبدي هو الآخر الرجل؟

وأخيرا.. هل الكتابة عن مكان ما يعتبر جزءا من تاريخ مكان أكبر، تفترض الموضوعية والواقعية أكثر مما قد يكون متخيّلا افتراضيا؟

في روايتها الجديدة (خادمات المقام) اتخذت الروائية والقاصة منى الشمري جزيرة فيلكا مكانا في عالمها السردي، تسرد من خلالها حكايتها الجديدة وأبطالها وفكرتها التي تحاول ايصالها للمتلقي. يبدأ السرد بالتقاط جثة امرأة حامل غريقة وغريبة، لفظها البحر في غموض وحيرة حطت على رؤس شخوص الرواية، فكان المقام مسقط ولادة وليدها وسط حارساته/ خادماته، والسؤال الذي دار في ذهني، كيف تشبث الجنين بالحياة وقد فارقت أمه الحياة من مدة غير قصيرة، مع ما تم وصفه في أول الرواية لجثة الأم: “شعرها الأسود الفاحم بدا كثيفا وطويلا وقد نشبت به بعض طحالب اليابسة، والتهمت الأسماك شيئا من أطراف أصابع يديها وقدميها، ولم ينج من قضماتها إلا لحمها تحت ثوبها المخطط الذي ستر كل جسدها عدا وحمة داكنة تأخذ شكل التينة كبيرة تحت أذنها اليسرى، وشامة بارزة فوق الحاجب الأيمن، وأخرى تحت الشفة السفلى التي تقوست يابسة على نصف ابتسامة”! ويدور الجميع حول مصدر هذه الجثة إيران أم البصرة، والمسافة بينهما والجزيرة ليست بالقصيرة، وغالبا ما تأخذ أيام بحسب التيار. إذن نحن أمام اشكالية في رسم الأحداث منذ البداية والتي ستكون تمهيدا لبقية أحداثها وشخصياتها النسائية التي خصصت الكاتبة فصولها الست الأولى للحديث عنها، وهو سرد تقليدي في عموم الروايات العربية، مما أنهى مبكرا فرصة التقاطعات بين الشخصيات بغير رابطة المكان(المقام). كان من الممكن أن تحافظ الرواية على لقطة البداية المدهشة إذا ما كانت التفاصيل محكمة جدا مع غموض الحدث الأول، العثور على جثة الغريقة المجهولة، واستمرار ذلك الغموض بالولادة العجائبية للوليد داخل مكان عادة ما يكون مسرح السير العجائبية (المقام) لتأخذ الحكاية شكلا آخر يتجسد بشخص الوليد لاحقا، ولكن بقيت الكتابة ذات السرد التقليدي بالنسوة اللاتي يعشن القلق وعدم الاستقرار بسبب تاريخهن الاجتماعي وهو ما قرأناه ولانزال في بعض السرد الأنثوي العربي!

أين الفكرة الجديدة من كون المقام مكان الحدث الروائي، سوى استمرار القصص المرتبطة بالخرافة والغموض؟ وإن حاولت الكاتبة ربط نشأة المقام بماريا الحبشية لكونها جاءت من بيئة تكثر فيها المعتقدات الخرافية والوثنية، ولكن يدخل ذلك ضمن وجهة نظر الكاتبة.

ومع ذلك، أين تحوّل الشخصيات ونموها على مدار الرواية، وهو ما كان مختصرا وعابرا بسبب قصر الرواية ذاتها؟

وإلى أي مدى استفادت الكاتبة من المكان (جزيرة فيلكا) المتعدد مذهبيا وعرقيا في محاولة رسم المجتمع ككل وليس فقط الاكتفاء بحضوره محايدا؟

عندما نتناول عملا روائيا عادة ما نبحث في فنية المكونات التقنية للعمل، وكيفية توظيف الزمن والمكان، ورسم الشخصيات وتحولاتها، والأهم الرسالة التي يتضمنها خطاب العمل السردي، وكيف يمكن أن يتصل بسياقه الاجتماعي والثقافي والتاريخي، لاسيما وأن الخط الفاصل بين الواقع والمتخيّل هو فاصل وهمي، قد يثبت احترافية الكتابة أو حاجتها لاحترافية أكثر. وهذا ما كنت أتمناه أثناء قراءتي لرواية خادمات المقام، وننتظر العمل القادم لمنى الشمري, فمهما كان الكاتب يتمتع بسلطته أثناء كتابة النص، فإنه بات مهدور السلطة حال نشره ليشارك الكاتب أيضا ملاّك آخرون، وهم المتلقون له.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

سابقٌ لعصره!

بينما كنا نجتمع لتخليد ذكرى شخصية كويتية رفيعة للفكر والعطاء كالأستاذ عبدالعزيز حسين في ندوة نظمها الملتقى الكويتي ممثلا بمؤسسه ومديره الأديب طالب الرفاعي مع جهود الدكتور عبدالله الجسمي، فإننا بالواقع كنا نستذكر ماضي الكويت التنويري الذي تأسس وقام على يد كوكبة من الشخصيات التنويرية والفكرية والأدبية، كان لها قياد المجتمع وتوعيته وتوجيهه فكرا وإبداعًا.

ونحن بذلك، كأننا نقف على أطلال ذاك الفكر المستنير والعمل المؤسس لنهضة الثقافة والإبداع في الكويت، مستشعرين أهمية تلك المرحلة في زمن بتنا أكثر حاجة لاستلهام الجهود والأفكار المؤسسة لمواجهة ما نعانيه اليوم من تراجع كبير على المستوى المؤسسي والفردي، بتطوير مستوى الوعي المجتمعي من ثقافة الاستهلاك إلى فعل الانتاج المؤسس على الحرية المسؤولة والعمل المؤسسي المفترض.

من التعليقات التي علقت في ذهني، ما ذكره أستاذ الفلسفة في جامعة الكويت الدكتور عبدالله الجسمي في معرض حديثه عن الأستاذ عبدالعزيز حسين حول تفكيره العقلاني في تناوله لقضايا الوطن، وأن هذا التفكير كان سائدا المجتمع الكويتي في مرحلة سبقت الاستقلال. ولعل الدكتور الجسمي قصد تفكير العقل النقدي العملي، حيث أن أفراد المجتمع كانوا منشغلين بالعمل أكثر، بعيدا عن أي تجاذبات سطحية حول أحداث أو قضايا قد لا تشكل أهمية عامة كما هو الوقت الراهن.

كذلك تكررت جملة (سابق لعصره) التي شغلت أيضا تفكير وتساؤل الحضور، فهل يكون الإنسان سابقا لعصره إن كان عصره بالأصل متأخرا ثقافيا وعلميا عن بقية المجتمعات؟

واليوم، هل يكون الإنسان متأخرا عن عصره لكونه بات منشغلا بقضايا عفى عنها الزمن وتجاوزتها الأمم المتقدمة؟

عندما أحاول قياس تقدم المجتمع على مستوى التعليم، لكونه المحك الفعلي والعملي لتقدم الأمم، وأجد أننا نعيش ذات التفكير المنهجي المعتمد على التلقين والحفظ وانحسار حرية البحث العلمي وتسطيح مسألة التحصيل العلمي على أن نتيجته الحتمية هي التوظيف فقط، أدرك بؤس الواقع التعليمي والمهني في وقتنا الحالي، وهو عكس ما حلم به أولئك المؤسسون بمجتمع أكثر انتاجية وعملية وواقعية.

المفارقة في ندوة الأستاذ عبدالعزيز حسين، أنه سبقتها بأيام وفاة الأستاذ عبدالله النيباري الذي لحق برفيق دربه الدكتور أحمد الخطيب رحمهم الله جميعا ومن سبقهم من رجال الكويت المفكرين ، لأدرك فعلا بأن الزمن سريع جدا وسابق لعصرنا .

فهد توفيق الهندال

اللوحة للفنانة سهيلة النجدي

التصنيفات
مدونتي

ضاع الديك

لم يكن عنوان مسرحية فقط قدّمت في سبعينيات القرن العشرين ، بل صرخة مدوية حيال ما يشهده المجتمع الكويتي من تبدّل للقيم والعادات بشكل سريع وخطير غير مسبوق تحت شعار المدنيّة. فالمجتمع البشري معرّض لتغييرات جذرية في مختلف نواحي الحياة نتيجة تغيّر الحالة الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية، مما سينعكس على الحالة الاجتماعية.

فالمجتمعات هي نتاج السياق التاريخي الذي تمر به، فيتشكل بناء ذلك إنسانها الجديد مؤسسا لعادات وقيم جديدة، قد تكون بعضها مستلهمة لموروثه الاجتماعي السابق، وأخرى مستهلكة من ثقافات أخرى مستوردة.

واليوم نشهد تغييرا كبيرا وسريعا في تبدّل القيم والسلوكيات الفردية والمجتمعية معا، نتيجة طفرات الثورة التكنولوجية واتساع رقعة وسائل التواصل / التباعد الاجتماعي مما ساهم في خلق ظواهر سلبية كثيرة، لم يستطع المجتمع حتى هذه اللحظة السيطرة على آثارها المزلزلة لاستقرار المجتمع، أبرزها ظاهرة العنف بشتى صوره اللفظية والجسدية والفكرية، إلى جانب التسطيح الذي تشهده الساحة على مستوى الفكر والثقافة وتحليل أي قضية محلية، والذي يعود لتهميش النخب الجادة لنفسها والسماح لدخول نخب جديدة تحت مسمى “المؤثرين” ومساهمتهم في تعزيز الجرعة الاستهلاكية والسطحية دون الانتاجية والابداعية ، بعد وجود أرض خصبة تساعد على اتساع التفاهة كما يذكر آلان دونو في كتابه (نظام التفاهة).

على مستوى الأدب والفن، تراجعت المشاريع العميقة أمام غيرها السطحية التي نجحت بفعل التأثير التسويقي، فصرنا أمام ظاهرة فاشينيستات الأدب والفن للترويج الشخصي أو المؤسسي دون أي تعزيز للانتاجية الجادة المؤثرة في اكتساب أفراد المجتمع لمهارات قيمية إنسانية متطورة.

إذا كانت صرختنا اليوم هي “ضاع الديك”، فهناك صرخة أخرى “الفيل كبر يا ناس” وتلك قصة أخرى.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

دراما سما عالية

تابعت مسلسل سما عالية من تأليف صالح النبهان و شيخة بن عامر وإخراج محمد دحام الشمري وتمثيل مجموعة من الفنانين الذين اعتدنا حضورهم في أعمال الشمري. قصة المسلسل واجهت تحديا كبيرا لتجسيدها على خشبة الدراما يتمثل ذلك في فترة الزمنية المحكية وتمتد من نهاية الستينيات إلى الألفية الثالثة، وهي فترة زمنية طويلة لا يمكن اختصارها في ٣٠ حلقة وكل حلقة عمرها لا يتجاوز ٣٥ دقيقة إذا ألغينا تتر المقدمة والختام، فهل يمكن أن يواكب عمل درامي هذا الخط الزمني ومراحله المختلفة من التاريخ الاجتماعى في الكويت شهدت فيها تطورات وأحداث وتحولات كثيرة مع تعدد أجيال العمل؟
قد يكون الجواب أن العمل ليس توثيقيا، ولكن عندما أعود للذاكرة مع عمل درامي آخر لنفس المخرج الشمري وهو ساهر الليل نجد أن كل جزء من أجزاءه الثلاثة مثّل مرحلة لوحدها في التاريخ الاجتماعي للكويت، وربما كان بالامكان الاستفادة من التجربة السابقة في توجيه الكتابة الدرامية خاصة وأن القائمين عليها كاتبان، وهنا أتساءل أيضا كيف تم تقسيم كتابة العمل بينهما، خاصة وأننا لاحظنا تفاوتا بين مستوى الحوارات ورسم المشاهد، فهناك حوارات عميقة تحلل الواقع وتفكك خيوطه، وحوارات أخرى لا تختلف عن حوارات بعض المسلسلات الدرامية المستهلكة في رمضان !
بالنسبة للشخصية الرئيسية للعمل (الدكتور راشد المريّش) اتسمت بالاستقلالية والأفكار المتحررة والمنتقدة للمجتمع، وشجّع زوجته (شيخة) على اكمال دراستها وخلع العباءة و قيادة السيارة، ولكنه التزم بموقف الحياد مع أخته (سميرة) في مسألة العباءة التي خلعتها متأخرا جدا حتى عن الفترة الزمنية الفعلية التي شهدها المجتمع الكويتي وقتها، ولم تتمكن من الزواج من (محفوظ) المحامي اليمني بسبب ماضيه المتواضع بينهم، وهنا أتساءل هل خشي راشد مواجهة مع أهله بسبب سميرة وقد دفع شيخة لمواجهة كبرى مع أهلها تسبب بمقاطعتها والتبرؤ منها؟
كذلك اغتيال راشد أدى إلى ارتباك خط الزمن، وذلك في القفز السريع على ٣ عقود في الحلقات الست المتبقية خلاف الخط الزمني المتمهل لل ٢٤ حلقة السابقة، وأيضا لم تكن فكرة تغييب راشد بالاغتيال مقنعة لكون الكويت لم تشهد مثل هذه الأحداث مع شخصيات فكرية أو سياسية معروفة خلال تلك المرحلة، وإن كان القصد هو اغتيال الأفكار التنويرية، ولكن كان بالامكان أن تكون فكرة التغييب أكثر اقناعا وفي حلقة متأخرة، وهذا ما لمسناه بعد خروج شخصية راشد من الحدث الدرامي، فدخل العمل في متاهة مصير بقية الشخصيات!
جاء عنوان العمل (سما عاليه) نسبة لشخصيتيه المتأخرتين في الظهور، عالية بنت راشد و ابنتها سما، ولم يكن مقنعا أن العمل يدور حول فكرة نسبة البنت لأمها بدلا من أبيها، وهي فكرة بعيدة عن الواقع كما هي السماء العالية، وأعتقد أن هذا مغزى العنوان إن كان فعلا في فكر فريق العمل.
العمل بشكل عام متميز بما قدّمه من حوارات وأفكار ومعالجة فنية للقضايا التي طرحها، وهو ما جعله مختلفا وفريدا في رؤيته وخطابه عن بقية الأعمال الدرامية المستهلكة، وإن تغلبت في بعض مشاهده لغة المسرح. وما ذكرته من ملاحظات لا تقلل من جهود القائمين عليه من كتّاب وفنانين ومخرجين وفريق فني وموسيقى مذهلة لابراهيم شامل.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

Stop dreaming … start living

قد يرى البعض الفن السابع مرآة عاكسة للواقع ، شأنه في ذلك شأن الأدب وبقية الفنون ، إلا أن الحبكة التي يدير حولها السينمائي عدسته ، وينسج حولها خيوط السيناريو ، ستضيف حتما للنص الأصلي ، سواء كان رواية أو قصة أو واقعة أو فكرة ما في حياة المجتمع الإنساني . كما أن البراعة في الدهشة المنتظرة في المشهد الأخير، وإن اختلفت عن النص الأصلي ، ستضيف مخيلة أخرى للنص الأول . فللسينمائي قدرته المذهلة على رسم الكلمات صورا و مشاعر متنوعة .

في فيلمه THE SECRET LIFE OF WALTER MITTY يقدم الممثل والمخرج الهوليوودي بن ستيلر أحد انتاجاته النوعية والمختلفة عن بقية الأعمال السابقة كسلسلة شخصية جريج فوكر أو فيلم Night at the Museum وغيرها من الأفلام التي يجمع فيها الفكرة المختلفة لحياة ما مع كوميديا الموقف . ليأتي فيلمه المذكورأعلاه الذي يدور حول وولتر ميتي وهي شخصية مستوحاة من قصة كتبت في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين عن شخصية مضطربة تعيش حياة مختلفة أو سرية مليئة بالخيال وأحلام اليقظة . تم اختيار مجلة لايف LIFE أشهر مجلة عالمية متخصصة بالصور الملتقطة للحياة من بقاع العالم المتنوعة مكانا للحدث ، حيث الإنسان المختلف هنا أو هناك ، بكل تاريخه وارثه الإنساني . ولعل الحدث الرئيسي هو قرار الملاك تعيين إدارة من الشباب المتحفز لاثبات نظريته التطويرية لعمل المجلة ، ليقوموا بفصل جميع موظفي الإدارة السابقة بحجة مواكبة التغيير والتطور ، متناسين دورهم على مدى عقود في تأسيس واستمرار المجلة ، وميتي أحدهم الذي يعمل رئيسل لقسم تحميض الأفلام ، وأكثر فرد قادر على التعامل مع لقطات أفلام المصورين المحترفين ، خاصة شين أوكونيل الذي أدى دوره باقتدار والحائز على الأوسكار أكثر من مرة شين بين بالرغم أن ظهوره بالفيلم لم يتجاوز 10 دقائق ، إلا أن شخصية أوكونيل كانت تحمل لغز الصورة رقم 25 التي بنيت عليها حبكة الفيلم وحتى نهايته المدهشة معنى وقيمة وموقفا .

فبقدر ما الفيلم يتمتع بالكوميديا ، بقدر ما يحمله من رسائل مباشرة لا تحتمل أن تكون ضمنية لكونها لكل المستويات والثقافات ، لتكون متاحة في ذهنية الجميع دون تمييز أو نخبوية ما . فالإنسان عندما تضيع حياته كلها في قضاء احتياجاتها والانطواء عليها ضمن قوالب العمل وروتينه وعلاقات اجتماعية تقليدية ، يفقد جانبا مهما منها ، وأعني روح المغامرة . فمنذ المشهد الأول للفيلم بدأت المغامرة مع ميتي حيث المحاولات الفاشلة له بعد تردد طويل في ارسال غمزة صداقة / اعجاب إلى إحدى زميلاته بالعمل عبر موقع اجتماعي لسبب واحد أن طلب تسجيله لم يقبل في الموقع لكونه ترك الخانة الخاصة بالسفر والمغامرة خالية!

من أجمل الحوارات العميقة بالفيلم، ما قاله ميتي للمدير التنفيذي الشاب الذي جاء بصورة شخص يتمتع بأنانية وبرود ولامبالاة، عندما أحضر له ميتي الصورة المفقودة قائلا له:

“يجب أن تعرف أن هؤلاء الناس يعملون بجد لبناء هذه المجلة.لقد آمنوا بالشعار. وحصلت عليه.

أنت حصلت على مكانك من خلال أوامر رؤساءك، وعليك أن تفعل، عليك أن تفعل. لكن ليس لديك ما لديهم”.

مرورا باختفاء صورة رقم 25 لكونها صورة الغلاف الأخير للعدد الورقي للمجلة قبل تحولها إلى مجلة الكترونية ، وتحمله للمسؤولية في البحث عنها ، لدرجة السفر وراء أوكونيل في جرينلاند وآيسلند وغيرها من المناطق عبر مواقف كثيرة ، حتى التقائه شخصيا به أثناء انتظار أوكونيل لتصوير نمر ثلجي نادر جدا ، ومع ذلك لم يلتقط له الصورة برغم تمكنه من ذلك ، بما يقدم رسالة أن الحياة دون مغامرة والتمتع بها لا تعني شيئا !

هل فكرنا يوما أن نعيش متعة كبيرة في أن تنقطع أخبارنا عن العالم ، ولا نخبر أحدا عن مكان تواجدنا ، ولا نتحدث كثيرا عن ذلك . أعتقد ممكن لرغبتنا ، لا في العزلة ، وإنما في الحياة ، بشكل مختلف جدا ومتعة أكبر.

فكم حياة سرية نملك القدرة في أن نملكها ، وكم مغامرة نعيشها ، وقبل ذلك .. كم مرة فهمنا معنى الحياة ؟

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

كولوسيوم 2000

كان الكولوسيوم المدرج الروماني الشهير أشهر حلبة قتال بين المصارعين حتى الموت، فقد جاء في فترة الألعاب الرومانية التي أحياها القياصرة لصرف نظر الأمة عن الاهتمام بغيرشؤون حياتها ومتعتها، فيعيشون مهرجانا ماتعا من القتال في الكولوسيوم، حيث متى ما تمكن أحد المصارعين من الثاني حتى ينتظر اشارة قيصر إما 👍 وتعني الابقاء عليه حيا أو 👎 وتعني الحكم عليه بالإعدام، وهكذا الجمهور الروماني إذا ترك القيصر الحكم بين أيديهم لتقرير مصير الخاسر.
وبعد قرون عديدة، أستبدل الكولوسيوم بأشكال مختلفة من التغافل والالهاء الجماهيري، فبات العالم على موعد مع كولوسيوم جديد في وسائل التواصل الإجتماعي وسط صراعات الأفكار والأهواء البشرية في مختلف القضايا، في حشد كبير لهاشتاقات التناحر وتوظيف وسائل الاعجاب والتعليقات واعادة النشر وايموجي 👍 أو 👎 في مختلف المنصات الاجتماعية نحو تعبئة الرأي العام، مع استخدام وسائل استفتاءات أو استطلاعات الرأي وتسجيل أكبر عدد ممكن من المؤيدين.
هكذا انتقل الصراع من السلطة والنخبة إلى الشارع و الجماهير، فبدلا من السيف والرمح والبلطة والبنادق والدبابات والصواريخ العابرة للقارات والاغتيالات إلى وسائل حديثة لا تسبب عنفا دمويا بقدر ما قد تسببه من عنف فكري ونفسي كبير قد يؤدي لقتل الشخص المستهدف معنويا نتيجة التنمر الالكتروني الحاشد والتحريض على إعدامه حيا.
في إحدى حلقات المسلسل البريطاني The black mirror والمعنونة باسم Hated in the Nation تقول إحدى شخصيات العمل:” بفضل الثورة التكنولوجية ،لدينا القدرة على الغضب والاتهام “. ووسط حالة التنمر التي تعرض لها أحد ضحايا التنمر الالكتروني ، تتوقف عند جملة أحدهم :”عندما ترى شيئًا كهذا ، فإنه يغيرك. إما أن تكون مهزومًا أو أن تؤمن أكثر بما كنت تعتقده”.
قد تتحول قبة برلمان إلى كولوسيوم، وتتحول المنصات إلى وسائل تقاتل اجتماعي بدلا من التواصل، حيث يمكن أن تطغى أصوات معينة تحت حجة الأغلبية على حساب الأقلية لدرجة قد تُسلب حقوق الفرد ويُصادر صوته وسط توهم الجماهير بأنها تسير نحو الحقيقة، والحقيقة أنهم قد يسيرون نحو الوهم الإجتماعي. فالجماهير كما يرى غوستاف لوبون في كتابه (سيكولوجيا الجماهير) :”لم تكن في حياتها أبدا ظمأى للحقيقة. وأمام الحقائق التي تزعجهم فإنهم يحولون أنظارهم باتجاه آخر، ويفضلون تأليه الخطأ، إذا ما جذبهم الخطأ. فمن يعرف إيهامهم يصبح سيدا لهم، ومن يحاول قشع الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم”.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

خسوف مجتمعي!

آخر الأفلام التلفزيونية العربية المنتجة من Netflix الذي تتجه نحو تقويض الصورة التقليدية للدراما الفنية سواء السينمائية أو التلفزيونية والخروج نحو الواقع وما يمثله من قضايا اجتماعية ساخنة غالبا ما تتجاوزها الدراما العربية إما انشغالا بالشكل أكثر من المحتوى بحثا عن مشاهدات أعلى، وبالتالي رعايات ودعايات أكثر، أو تختبئ تحت مفاهيم أو قصص مستهلكة هربا من مقص الرقابة والمساءلة.
(أصحاب ولا أعز) لا يمثل سوى غيض من فيض مما يعيشه المجتمع العربي اليوم الذي مازالت شريحة كبيرة منه تنكر وجود قضايا وظواهر قد تكون سببا في اهتزاز صورة الحياة المحافظة في عالم مفتوح جدا باتت الرقابة الأبوية فيه مجرد شعار لا يعدو كونه محاولة تعزيز إعادة الثقة بما تبقى من ملامح المجتمع الشرقي القديم.
ما هو الشئ الجديد الذي طرحه الفيلم ولم يكن معروفا من قبل؟
ما هي القيم التي خُدشت هذه المرة وكأنها لم تُخدش سابقا؟
ما هو الخطر الذي مثّله الفيلم ونحن نعيش فوضى أخلاقية منذ عصور الانحطاط لم ولن تعالجها الدراما في هذا الوقت؟
باختصار.. ما الحجر الذي أثار به فيلم أصحاب ولا أعز دون غيره في بئر المجتمع؟
ألا توجد بيننا شخصيات مثل “مريم” التي تعيش ذنب تحمّل زوجها “شريف” ذنبها، فتعيش معه في تذمر مستمر من كل شيء وأنانية مفرطة؟
أو شخصية “مي” الاستشارية النفسية التي أدخلت الجميع في لعبة الثقة، ولم تنتبه أنها سقطت معهم في ذات الفخ أو الاختبار ؟
أو شخصية “زياد” المنافح والمدافع عن القيم والأخلاق وهو يدوسها سرا ويوميا، وهو اللعوب الذي يطارد شبقه أينما كان ومع من صار ؟
على الجانب الآخر، ألا نجد بيننا شخصية “وليد” المتساهل في دوره كأب وزوج ويفضل أن يضع لكل من زوجته مي و ابنته صوفي خيارهما في قرارهما دون اجبارهما؟
أو شخصية “جنى” التي تحتفظ بعلاقتها الودودة مع خطيبها السابق برغم خروجه من حياتها ودخولها حياة زوجية جديدة مع زياد، وتستمر بينهما الصداقة بعيدا عن أية كراهية متوقعة بعد نهاية أية علاقة؟
أو شخصية “شريف” الذي يؤدي دور المضحّي ثانية مع صديقه “رابح” الذي يعيش حياة سرية خاصة به لم يفرضها على أحد.

فقط، نستبدل الأسماء والأدوار، ونتيقن بعدها أننا نعيش عالما مثاليا معلن وآخر خفي مناقض!
يمر المجتمع بظاهرة كونية أشبه بالخسوف القمري، تحتاج لأكثر من تليسكوب أو منظار مجهري لكي نصل إلى جوانبه المعتمة التي لم تعد تُخفى على أحد. فإما نقف على الأسباب بكل جرأة لنعالجها، أو نصمت ونتفرج ونعيش الحياة بسعادة مفرطة في عوالمنا الخفية!

أخيرا.. صحيح أن الفيلم مقتبس عن فيلم أجنبي، وبالمناسبة ليس العمل الوحيد الذي قام بذلك، هناك أعمال كثيرة اقتبست عن أعمال أجنبية فنية أو أدبية دون إشارة لا من قريب ولا من بعيد عن هذا النقل أو الاقتباس!

ومنصة Netflix تجارية بحتة ليس دورها تربية المجتمع، ويتسابق كثيرون لتقديم أعمالهم عليها لما لها من انتشار قوي وحضور انتاجي ضخم، حتما لها سياسة وتوجه قد لا تختلف عن توجهات بقية المنصات، كما هو حال الإعلام العربي الغارق بشعارات وقيم أكل الدهر عليها وشرب!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

عولمة الدراما وتغييب المتلقي

لاشك أن الكثير من الأعمال الفنية الخالدة التي تلقاها الإنسان على مر عصور الابتكارات والمخترعات التي واكبت تقدمه ، بدءا من السينما والإذاعة والتلفزيون ، جاءت مكملة للفنون التي تأسست عليها الحضارة الإنسانية كالشعر والمسرح والرواية التي كان لاختراع المطبعة دور مهم في انتشارها ، عندما شكلت القصة أو الحكاية محور الحدث اليومي والاهتمام لدى المتلقي ، خاصة المعنية بجزء من حياته و ثقافته . فلولا ارتباط العمل الفني بخيط من نسيج المجتمع الحاضن له ، لما كان له الأثر والدور في استمراره لاحقا .

كانت السينما في بداياتها بحاجة ماسة لأرضية من الدراما المبنية على أسس قصصية ، تسرد بموجبها الحدث وتطور مجراه مما يثير فضول المتلقي ومتابعته ، لهذا نهلت السينما من الأعمال القصصية و الروائية والموروث الشعبي مادة خصبة للإنتاج السينمائي ، ومن ثم الإذاعي والتلفزيوني . ولعل لتصبح الشاشة الصغيرة بعدها النافذة اليومية والمهمة التي تطل هذه الأعمال برأسها على المتلقي في كل ساعات حياته وعلى مختلف فئاته العمرية .

لهذا اتخذت الدراما التلفزيونية مسارها المستقل في استقطاب المشاهدين ، مما جعلها منافسا رئيسيا لبقية الفنون عبر حرب الفضائيات ، ويشتد الاستحواذ من قبلها على المتلقي أكثر في ظل الإعلام الاجتماعي بعدما قطعت ثورة الاتصالات و المعلوماتية الكثير من مراحل التطوروالتقدم التقني ، لتكون قنوات اليوتيوب اليوم متاحة أكثر على الأجهزة اللوحية الذكية ، فيمكنك أن تشاهد أي عمل فني أو قناة عبر تطبيقاتها وروابطها المنتشرة في البرامج المرافقة لها .

من هنا ، فعندما يدخل أي عمل فني لدائرة الإنتاج الدرامي ، فهو محفوف بهذه العاصفة التي تشده بين أصابع المتابعين له . سابقا كان الرهان على الأعمال الدرامية التي يسبق فكرها القصصي و طرحها الفني في المعالجة الإنسانية توقعات المتلقي بكثير من التخييل والدهشة المنطلقين من الواقع المعاش. واليوم بات الرهان على أسماء المشاركين في العمل، فبات نجم الدراما النجم ليس محصورا بالفنان، بل شمل من دخلوا الفن من بوابة السوشيال الميديا ، وليس ضروريا أن يكون ملما بأي مفهوم ، ولو قدر ضئيل عن الفن!.

اليوم لا نتحدث عن شاشة قناة فضائية ، وإنما عن منظومة إعلامية متكاملة مواكبة لها في الدعم والإنتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي المروجة لها ، بشكل مسبق أو آني أو لاحق . اليوم بات الشكل متحكما أكثر من المضمون، وتغييب متعمد للمتلقي عن السياق الذي ينتمي إليه.

عندما كنا ناتبع الأعمال الدرامية الخالدة في رمضان في حقبة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين ، فإننا كنا أمام فكر قصصي في قوالب درامية تلفزيونية تعتمد الحوارات التي تفتح أبواب الفضول للمتابعة عبر سيناريو يحترم ذكاء المتلقي ، كان ذلك قبل دخول المنتج المقاول على الخط ، وعبثه بخيوط وخارطة الدراما والإنتاج الفني عموما ، وهو مايستلزم إعادة الثقة الواعية في اختيار الأعمال الروائية والقصصية لتحويلها دراميا تلفزيونيا أو إذاعيا والتي يمكن أن تؤسس لوعي أجيال قادمة ، قادرة على مواكبة العولمة المزدحمة بشتى صراعاتها ، بعدما أضحى العالم بنية واحدة ، وفي كف واحدة .

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

جنون الإبداع

سُئل مرة الكاتب الفرنسي أندريه موروا: هل جميع الروائيين مجانين أو عُصابيون؟

فأجاب موروا : «لا، الأصح أن نقول انهم كانوا سيصيرون جميعهم عُصابيين لولا أنهم أصبحوا روائيين. فالعُصاب يا سيدي، هو الذي يصنع الفنان، والفن هو الذي يشفيه». بموازاة ذلك، يقول الفيلسوف نيتشه: «دائما ما يوجد في الحب بعض الجنون، لكن دائما ما يوجد في الجنون منطق أيضا».

عند محاولة الوقوف أمام هذين القولين، نجد أن خيطا رفيعا يمتد بينهما، يتلون بحسب الظرف الكائن لكلا المبدع والمحب. فكلاهما، أو هو معا، يتشكل عبر فن ما، يكتسب وجوده في الحالة التي يمر بها الإنسان، بعدما أشبع بطاقة كونية هائلة، سرها ذرة صغيرة تفجرت في داخله مسببة هذا الانفجار الهائل من العاطفة والأحاسيس. فهل سبق ذلك دربة ما، أم أن الفطرة سلقت صاحبها منذ نعومة أظفاره؟

عرّف أحد الكتاب الانكليز الإبداع بأنه نتيجة التعب والجهد بنسبة 99 في المئة ونتيجة الإلهام بنسبة 1٪؜ في المئة فقط. فكل فنان في مجاله، غالبا ما يقف محتارا أمام بياض/ فراغ لوحة أو صفحة العمل المراد انتاجه وابداعه، ولا يمكن انجاز ما يريد إلا بعد وقت وجهد كبيرين.

يقول فلوبير في إحدى رسائله إلى عشيقته لويز كوليه: «لقد داخ رأسي وجف حلقي من كثرة ما بحثت عن جملة واحدة. لقد قلبتها على عشرات الوجوه ونجرتها وحفرتها، ثم ندبت وشتمت حتى توصلت أخيراً اليها… إنها رائعة، أعترف بذلك. ولكنها لم تولد دون مخاض وعذاب».

طرحنا في مناسبة سابقة، ما قاله الشاعر رامبو بأن الحب، كما نعلم، يجب أن يُبتكر من جديد. فكيف يُبتكر؟

بالفن نبتكر ذلك، حيث يحتوي لك الدفء، ويحمل لك الشمعة التي توقظ قناديل الطريق من تثاؤب الانتظار، ليستعبد الضياء قسوة الظلمة الموحشة في مكمن المشاعر ويحيلها جمرة شوق وشغف وشبق لا يستكين، والموجة التي تجرح كبرياء صخور النفـس العنيدة بجنـون. فوحده الجنون ما يكسر القيود، ويلغي حدود المعقول والمنطق، ولو كان ثمة منطق للجنون، كما ذكر نيتشه سابقا، فهو في الجنون ذاته كملاذ أخير للعبور للحياة أو منها.

فربما يكون الإبداع ضربا من الجنون، وقد يكون عُصابا يجد الشخص المريض به علاجه بالكتابة أو الفن حتى يستفرغ ما بداخله من أخطاء الماضي أو يهرب منها متخفيا بهالة الإعجاب من الآخرين حتى يجد ذاته ثانية، ويودعها الثقة من جديد.

وأختم بما قاله قاسم حداد:

سينال منك الجنون/ ما دام الأسلاف يرصدونك/ ويجمعون لك القرائن/ ليروك في الأخطاء./ جنونٌ تظن أنه نصـك الحصين/ فيما ترى نصلاً في الحنجرة/ والكتاب بيتك الأخير./ جنونٌ لك/ تناله و ينال منك.

أسلافٌ من الصـلد وفساد الروح/ لا تأمن ولا تأخذك غفلة عما يصفون./ جُنّ عليهم/ فليس فيهم من يرأف بك، ولا يسمعون لك/ ولا يريدون الحجة، وعلى مضضٍ يـقصلون.

أسلاف لك وأنت وحدك/ ينتخبونك مثل خصوم الله/ عدواً تتكفل به النقائض.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

ثأرُ المعنى

غالبا ما يحُاك المعنى من خيوط الحياة اليومية ، حيث تسحب التفاصيل لونها من الحدث ومن يشعلوه ، بدءا من اليقظة من الغفلة ، طقوس الاغتسال ، الخروج للعالم بوجه جديد ، المرور بأماكن عدة ، مقابلة ناس معينين صدفة أو بموعد سابق ، في زحام لا ينتهي من الالتزامات والمشاغل . وحده الفن الذي ينظر للعالم بعين أخرى مختلفة ، عين وكأنها مركبة على زئبق ، حائرة قلقة ، كما وصفها المتنبي .

والفن كون واسع يحتمل الكثير من الابداعات المشكلّة له ، ومنها فن الأدب المرتكز على اللغة كنسيج خيالي للكلمات ، فينقل لنا الناقد والروائي البحريني أمين صالح في كتابه ( السوريالية في عيون المرايا ) عن الروائي والشاعر الفرنسي أندريه بورتون بأن الشاعريخترق اللغة ويتغلغل فيها ، ومن خلالها يؤسس علاقة حميمة وعميقة مع العالم المادي . ولهذا أبدى السورياليون نفورا صريحا من الآلية المنطقية للجملة . لأن خلق غلة جديدة يعني خلق علاقات جديدة بين الكلمات ، خاصةعندما تقطع علاقتها مع السياق التقليدي لها أو العالم الذي نشأت فيه وتقطع الروابط التي تشدها الى مواقعها الأولى ، ولا تعود تحمل الا القدرالقليل من الأواصر اليومية ، عندئذ تكتسب معنى جديدا غير متوقع لا تعمل بموجبه الكلمات للمعنى الاعتيادي لها ولا السياق اليومي ، أي بمعنى تكسرولادة الاشراق مبكرا !

في حين يرى الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا ، رأيا آخر في كتابه ( حديث اللاطمأنينة ) عن تشكلّ المعنى : ” سوف نترك الغروب للغروب، معتنين بالفن وحده ، مستوعبينه شفوياً، ناقلينه هكذا بواسطة موسيقى تفهم بالقلب. لننصنع نحتاً للأجساد التي ستحتفظ، مرئية وممسوسة، برونقها متحركاً وبدورها ناعمة، سننشئ بيوتاً، فقط لنقيم فيها، وهو ما من أجله وجدت البيوت في النهاية، أما الشعر فسيبقى ليقرب الأطفال من النثر المستقبلي،لأن الشعر، بالفعل، طفولي وأولي وتحضيري.”

ما نحاول الوصول إليه ، قد لا يتشكل المعنى من المعاناة قبل الكتابة فقط ، وإنما من المعاناة ما بعدها أيضا ، لكونها صراع يعيشه الكاتب بشكل مستمر ، وقلق الوجود . فاللغة تحتمل الصنعة الفنية لا الصعلكة اللغوية ، في تنافرها المستمر مع الهيمنة السائدة للتفاصيل المملة ، وثورة المعنى على تكرره المُجرد من التجريب ، وتكرار اللفظ اعتباطيا . فيقول السوريالي البلجيكي بول نوجيه: “ليس كافيا خلق الشيء، ليس كافياً للشيء أن يكون أو يوجد، يجب أن نظهر قدرة الشيء، عبر وسيلة أو أداة بارعة ما، على إيقاظ رغبة المتفرج، أو حاجته، لتنويره”. وهو من أشار إلى محدودية وقصور اللغة بأن هناك كتّابا يستخدمون الكلمات بطريقة خاصة جدا. هم في الواقع يحسبون أنفسهم سادةً، أحراراًفي ممارسة هيمنة كاملة على اللغة. يحسبون أن في مقدورهم الاحتفاظ ببعض خاصيات الكلمات، مهملين الأخرى، لم يخامرهم أي شعور بأن ثورة اللغة عليهم ممكنة . ولهذا فإنه ستحقق ثأر المعنى وتكشف ضعف الفكرة أمام هزالة اللفظ ، ولو طال المدى !

ونقف كما البرتغالي ألفارو دي كامبوس في هذا المشهد :

“أن تشعر بكل الأشياء بكل الطرق،

أن تعيش كل الأشياء من كل الجهات،

أن تكون الشيء نفسه بكل الطرق الممكنة في الوقت نفسه،

أن تدرك في نفسك كل الإنسانية في كل لحظاتها،

في لحظة مبعثرة، مبالغة، كاملة، منفصلة واحدة”.

فهد توفيق الهندال