التصنيفات
مدونتي

جنون الإبداع

سُئل مرة الكاتب الفرنسي أندريه موروا: هل جميع الروائيين مجانين أو عُصابيون؟

فأجاب موروا : «لا، الأصح أن نقول انهم كانوا سيصيرون جميعهم عُصابيين لولا أنهم أصبحوا روائيين. فالعُصاب يا سيدي، هو الذي يصنع الفنان، والفن هو الذي يشفيه». بموازاة ذلك، يقول الفيلسوف نيتشه: «دائما ما يوجد في الحب بعض الجنون، لكن دائما ما يوجد في الجنون منطق أيضا».

عند محاولة الوقوف أمام هذين القولين، نجد أن خيطا رفيعا يمتد بينهما، يتلون بحسب الظرف الكائن لكلا المبدع والمحب. فكلاهما، أو هو معا، يتشكل عبر فن ما، يكتسب وجوده في الحالة التي يمر بها الإنسان، بعدما أشبع بطاقة كونية هائلة، سرها ذرة صغيرة تفجرت في داخله مسببة هذا الانفجار الهائل من العاطفة والأحاسيس. فهل سبق ذلك دربة ما، أم أن الفطرة سلقت صاحبها منذ نعومة أظفاره؟

عرّف أحد الكتاب الانكليز الإبداع بأنه نتيجة التعب والجهد بنسبة 99 في المئة ونتيجة الإلهام بنسبة 1٪؜ في المئة فقط. فكل فنان في مجاله، غالبا ما يقف محتارا أمام بياض/ فراغ لوحة أو صفحة العمل المراد انتاجه وابداعه، ولا يمكن انجاز ما يريد إلا بعد وقت وجهد كبيرين.

يقول فلوبير في إحدى رسائله إلى عشيقته لويز كوليه: «لقد داخ رأسي وجف حلقي من كثرة ما بحثت عن جملة واحدة. لقد قلبتها على عشرات الوجوه ونجرتها وحفرتها، ثم ندبت وشتمت حتى توصلت أخيراً اليها… إنها رائعة، أعترف بذلك. ولكنها لم تولد دون مخاض وعذاب».

طرحنا في مناسبة سابقة، ما قاله الشاعر رامبو بأن الحب، كما نعلم، يجب أن يُبتكر من جديد. فكيف يُبتكر؟

بالفن نبتكر ذلك، حيث يحتوي لك الدفء، ويحمل لك الشمعة التي توقظ قناديل الطريق من تثاؤب الانتظار، ليستعبد الضياء قسوة الظلمة الموحشة في مكمن المشاعر ويحيلها جمرة شوق وشغف وشبق لا يستكين، والموجة التي تجرح كبرياء صخور النفـس العنيدة بجنـون. فوحده الجنون ما يكسر القيود، ويلغي حدود المعقول والمنطق، ولو كان ثمة منطق للجنون، كما ذكر نيتشه سابقا، فهو في الجنون ذاته كملاذ أخير للعبور للحياة أو منها.

فربما يكون الإبداع ضربا من الجنون، وقد يكون عُصابا يجد الشخص المريض به علاجه بالكتابة أو الفن حتى يستفرغ ما بداخله من أخطاء الماضي أو يهرب منها متخفيا بهالة الإعجاب من الآخرين حتى يجد ذاته ثانية، ويودعها الثقة من جديد.

وأختم بما قاله قاسم حداد:

سينال منك الجنون/ ما دام الأسلاف يرصدونك/ ويجمعون لك القرائن/ ليروك في الأخطاء./ جنونٌ تظن أنه نصـك الحصين/ فيما ترى نصلاً في الحنجرة/ والكتاب بيتك الأخير./ جنونٌ لك/ تناله و ينال منك.

أسلافٌ من الصـلد وفساد الروح/ لا تأمن ولا تأخذك غفلة عما يصفون./ جُنّ عليهم/ فليس فيهم من يرأف بك، ولا يسمعون لك/ ولا يريدون الحجة، وعلى مضضٍ يـقصلون.

أسلاف لك وأنت وحدك/ ينتخبونك مثل خصوم الله/ عدواً تتكفل به النقائض.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

ثأرُ المعنى

غالبا ما يحُاك المعنى من خيوط الحياة اليومية ، حيث تسحب التفاصيل لونها من الحدث ومن يشعلوه ، بدءا من اليقظة من الغفلة ، طقوس الاغتسال ، الخروج للعالم بوجه جديد ، المرور بأماكن عدة ، مقابلة ناس معينين صدفة أو بموعد سابق ، في زحام لا ينتهي من الالتزامات والمشاغل . وحده الفن الذي ينظر للعالم بعين أخرى مختلفة ، عين وكأنها مركبة على زئبق ، حائرة قلقة ، كما وصفها المتنبي .

والفن كون واسع يحتمل الكثير من الابداعات المشكلّة له ، ومنها فن الأدب المرتكز على اللغة كنسيج خيالي للكلمات ، فينقل لنا الناقد والروائي البحريني أمين صالح في كتابه ( السوريالية في عيون المرايا ) عن الروائي والشاعر الفرنسي أندريه بورتون بأن الشاعريخترق اللغة ويتغلغل فيها ، ومن خلالها يؤسس علاقة حميمة وعميقة مع العالم المادي . ولهذا أبدى السورياليون نفورا صريحا من الآلية المنطقية للجملة . لأن خلق غلة جديدة يعني خلق علاقات جديدة بين الكلمات ، خاصةعندما تقطع علاقتها مع السياق التقليدي لها أو العالم الذي نشأت فيه وتقطع الروابط التي تشدها الى مواقعها الأولى ، ولا تعود تحمل الا القدرالقليل من الأواصر اليومية ، عندئذ تكتسب معنى جديدا غير متوقع لا تعمل بموجبه الكلمات للمعنى الاعتيادي لها ولا السياق اليومي ، أي بمعنى تكسرولادة الاشراق مبكرا !

في حين يرى الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا ، رأيا آخر في كتابه ( حديث اللاطمأنينة ) عن تشكلّ المعنى : ” سوف نترك الغروب للغروب، معتنين بالفن وحده ، مستوعبينه شفوياً، ناقلينه هكذا بواسطة موسيقى تفهم بالقلب. لننصنع نحتاً للأجساد التي ستحتفظ، مرئية وممسوسة، برونقها متحركاً وبدورها ناعمة، سننشئ بيوتاً، فقط لنقيم فيها، وهو ما من أجله وجدت البيوت في النهاية، أما الشعر فسيبقى ليقرب الأطفال من النثر المستقبلي،لأن الشعر، بالفعل، طفولي وأولي وتحضيري.”

ما نحاول الوصول إليه ، قد لا يتشكل المعنى من المعاناة قبل الكتابة فقط ، وإنما من المعاناة ما بعدها أيضا ، لكونها صراع يعيشه الكاتب بشكل مستمر ، وقلق الوجود . فاللغة تحتمل الصنعة الفنية لا الصعلكة اللغوية ، في تنافرها المستمر مع الهيمنة السائدة للتفاصيل المملة ، وثورة المعنى على تكرره المُجرد من التجريب ، وتكرار اللفظ اعتباطيا . فيقول السوريالي البلجيكي بول نوجيه: “ليس كافيا خلق الشيء، ليس كافياً للشيء أن يكون أو يوجد، يجب أن نظهر قدرة الشيء، عبر وسيلة أو أداة بارعة ما، على إيقاظ رغبة المتفرج، أو حاجته، لتنويره”. وهو من أشار إلى محدودية وقصور اللغة بأن هناك كتّابا يستخدمون الكلمات بطريقة خاصة جدا. هم في الواقع يحسبون أنفسهم سادةً، أحراراًفي ممارسة هيمنة كاملة على اللغة. يحسبون أن في مقدورهم الاحتفاظ ببعض خاصيات الكلمات، مهملين الأخرى، لم يخامرهم أي شعور بأن ثورة اللغة عليهم ممكنة . ولهذا فإنه ستحقق ثأر المعنى وتكشف ضعف الفكرة أمام هزالة اللفظ ، ولو طال المدى !

ونقف كما البرتغالي ألفارو دي كامبوس في هذا المشهد :

“أن تشعر بكل الأشياء بكل الطرق،

أن تعيش كل الأشياء من كل الجهات،

أن تكون الشيء نفسه بكل الطرق الممكنة في الوقت نفسه،

أن تدرك في نفسك كل الإنسانية في كل لحظاتها،

في لحظة مبعثرة، مبالغة، كاملة، منفصلة واحدة”.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الريش المفترس

عندما كنا صغارا ، كانت متعتنا في مرحلة التعليم العام عندما نعلم أنه لدينا اليوم رحلة ، وكانت غالبا ما تكون للمتحف العلمي أو معرض الكتاب من باب الاستفادة من النشاط العلمي والتربوي . من ضمن الزيارات أيضا ، كانت حديقة الحيوان ، من باب الترفيه والترويح والمعرفة بدل يوم دراسي مقره الفصل . ولعلنا في تلك السن كنا نتمتع برؤية الأسد في قفصه ، مع بقية الضواري ، كما هي حالة الغزلان والطيور والكائنات الأليفة ، ولا تخلو الرحلة من وجود متطفلين و مزعجين يضايقون الحيوانات عبر سلوكيات مرفوضة في حق الحيوان .

استذكر هنا مقال للروائي العالمي خوسيه ساراماجو أنه يمكن الاستفادة من البرامج الوثائقية الكثيرة حول حياة الحيوانات متوفرة على قنوات فضائية عديدة ، دون الزيارات التي أصبحت نوعا من الماضي ومضيعة للوقت لعدم وجود أي أثر تعليمي أو تربوي بالقدر نفسه اليوم . ليربط ذلك أيضا بمعاناتها – الحيوانات – في خيم السيرك وما تتعرض له من ترويض / تعذيب لتكون أليفة / مطيعة لوحشية وسخرية الإنسان !

بعيدا عن قضبان حدائق الحيوان ، هناك نوع آخر من قضبان الترفيه ، حيث الموضة وكل ما يتعلق بالمظاهر بما نشاهده يوميا من آخر صرخاتها و موديلاتها التي أضحت متعلقة بثقافة المجتمع وهويته ، فبات يحكم على تحضره وتقدمه بحسب مدى اقباله وتأثره بما يتم ابتكاره من جديد الموضة ، وقد ساهمت كثيرا وسائل التواصل الاجتماعي في استعباد المشاعر والعواطف للمشاهير أو المؤثرين الذين انقلبوا إلى أدوات للترويج الاستهلاكي ووسائل تحركها الشركات بكل مستوى حضورها وقوتها على الساحة الشرائية ، فبات العقل مغيبا وراء هؤلاء ، لدرجة التقليد الأعمى ، لمجرد المتعة فقط . والقضبان هنا مشتركة متبادلة بين الفاشينيستا والمتابع ،الأول فرض على نفسه هذا القيد والدخول السافر في حياته الخاصة بحجة أننا في زمن العولمة والسوشيال ميديا و” البزنس ” ، والثاني قيّد نفسه إراديا وراء حياة الأول ليكون قدوته الأولى في نهج حياته وسلوكياته!.

استذكر هنا فيلم ( عالم ترومان ) لجيم كاري الذي كان مقدمة لما سمّي بتلفزيون الواقع ، حيث تتم مصادرة حياة الإنسان ليكون مادة للـ show بحسب قياس المنتج والممول . كذلك فيلم(  EDTV ) لماثيو ماكونهي وتعاقد رجل مع إحدى الفضايات ليكون مادة عرض على مدى اربع وعشرين ساعة بمرافقة الكاميرا المتجولة / المتدخلة بكل خصوصياته ، حيث ضاق ذرعا من هذا القيد والبقاء خلف قضبان الترفيه والتاجر ! 

ما نحاول هنا هو الربط بين هذه القضبان ، أن الإنسان والحيوان ، باتا معا خلف القضبان باختلاف أنواعها ، تدفع جميعها ثمن الفضول والوحشية اليوم في انتهاك حقوق  الحياة . 

في موضوع آخر ، نعود عبره إلى ساراماجو ، يذكر في مقال مقارب عن أن الريش الصيني المستخدم في حشو الوسائد الفاخرة ، يتم نتفه من الطيور وهي حية ، قبل أن ينظف ويطهر ويصدّر إلى المجتمعات الغربية المتحضرة ، التي تعرف ما هو الأفضل لشعوبها وما هي آخر الموضة . ليكتفي ساراماجو بتعليقه أخيرا ( هذا الريش يتكلم عن نفسه ) !!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

فريد رمضان.. خلود الصورة

بعد عدة أعمال روائية وقصصية ونصوص مشتركة ، قدّم فريد رمضان عدة تجارب في كتابة السيناريو السينمائي ، موازيا في ذلك هاجسه السردي ،لاسيما الروائي، ونفسه اللغوي مع عينه الراصدة / المتحركة مع الزمن في مختلف تقلبات المكان . على اعتبار أن الصورة هي علامة سيميائية ، تعتمد على الرمزية المعينة المختصرة والحية في حركتها .

يأتي فيلم البشارة the good omen لفريد إضافة لعملين سابقين( حكاية بحرينية / سكون ) في محاولة استنطاق واقع ما، ربما صمت اليوم .

يبدأ العمل في تركيزه على شخصين في الستينات من عمرهما في رحلة صيد السمك أسفل جسر يربط بين جزيرتين ، يدخلان في صمت ، ينصت فيه كل منهما لمونولوج داخلي يحاكي همه اليوم ، يشتركان في رؤية المكان الذي انقض عليه الزمان الحالي في زحف العمران باسم المدنية على ملامح المكان وغيّره ، كما هو حال ملامح وعوالم من فيه . ليشتركا في صمتهما / انصاتهما لمونولوج داخلي لكل منهما .

‏ الأول حسين ، يتحدث مع نفسه عن أولاده الذين تركوه وحيدا في بيته القديم ، والثاني جاسم يحادث زوجته الراحلة ، والرابط المشترك بينهما المكان / الزمان . 

اعتمدت الصورة السينمائية على عدة نقاط نجدها جديرة في الملاحظة والرصد من باب الانطباع وليس التخصص النقدي السينمائي على الآتي :1- الزمان / المكان : حيث ركزت على مفارقة الملامح بين الحي الشعبي والمباني العمرانية الجديدة المتمثلة في حضور ناطحات السحاب مقابل المقهى الشعبي الوحيد الساكن على الضفة القديمة من البحر بما يعادل الانكسار / التوحد الروحي الداخلي لشخصيتي العمل ( جاسم و حسين ) . 

وهو ما حرص عليه رمضان في دقة رسم الصورة بوصف المشاهد في السيناريو من خلال تقسيمه المشهد ما بين المكان / الزمان ، وتحديد موقع التصوير داخلي / خارجي . 2- الواقع : اعتمد على الشكل الاجتماعي في علاقة الماضي مع الحاضر والعكس ، مما يرسم أبعادا أخرى تتشكل في الجوانب الاقتصادية / التاريخية / السياسية / النفسية / الثقافية ، كما يظهر في المقابلة بين ملابس الأب والأبن ، ومدى تقبل الجيل القديم للعصرية وتطورها ، وعدم استساغة طعمها المختلف عن القديم كما هو في طعم الشاي / القهوة / ملة التمر والبخور . 

إضافة لذلك ، العلاقة المبتورة بين الأحفاد والأجداد ، كما هو المشهد الجامع بين جاسم (الجد) و حفيده الذي أدار له ظهره ، ولاهي عنه بحديث عبر الماسنجر بواسطة جهاز اللابتوب ، بينما الجد يسرد قصة اعتقاله من قبل الانجليز في فترة ما من تاريخ البلد .3- الحوار : اعتمد رمضان على الحوارات القصيرة ، لنوعية الفيلم من فئة الأفلام القصيرة . وبرغم اعتماده اللهجة البحرينية ، إلا أنه قابل لأن يشمل كل مجتمع إنساني يعاني مثل هذا الشرخ بين جيلين أو عدة أجيال نتيجة مرور الزمن وتغير المكان ، دون أن تعيق اللهجة أو اللغة حدود العمل . 4- الشخصيات الدرامية : اعتمد رمضان على شخصية جاسم ( الفنان عبدالله ملك ) في إدارة السرد حولها ، إضافة لشخصية حسين ( الفنان أحمد عيسى ) كدور مساند وكلاهما يمثلان وجهة نظر الماضي ، في حين جاء الإبن محمد ( الفنان جمال الغيلان ) مقابلا لهم في التناقض حيث التطور والتقدم والواقع المعاش الآن . أما شخصية الأم الراحلـة ( الفنانة مريم زيمان ) فكان لها دور أساسي في استنطاق البيت القديم مكانيا/ تاريخيا/ اجتماعيا . واعتمد رمضان على مخيلة جاسم في استحضارها والحوار معها . واللافت أنه بعد وفاته ، ليترك مهمة حضورها في مخيلة صديقه حسين الذي أدار حوار معها في نهاية الفيلم وسؤاله لها عن سبب تأخرها عن زوجها الوحيد المغترب في حياته بعدها . 5- وجهة نظر الفيلم : جاءت منحازة للجيل القديم في بصيرته وكفاحه لبناء المدينة التي جحدت بحداثتها كل علاقة معه ، والكفاح هنا لم يقتصر على لقمة العيش عبر مهن البحر القديمة ، وإنما مقاومة المستعمر للحفاظ على استقلال الأرض ، وهو ما عبر عنه جاسم في رمزية البشارة (ثوب النشل ) عندما رفعته زوجته الراحلة وقتما خرج من سجن المستعمر ، ليرفعه بدوره عندما شعر بوقت رحيله إليها .

بدأ الكاتب العمل وأنهاه بموال شعبي للشاعر البحريني حسين بو رقبة وأداء منفرد للفنان البحريني الراحل علي بحر يقول فيه  :

نيران قدر الدهر توقد في قلبي بحر

وعليّ سِلَّتْ سيوف الماضيات وبحر

الناس في ظلهم وربعي بشمس وبحر

من حيث أهل الوفا ما عاد فيهم وصل

وانقص حبل الرجا منهم فلا له وصل

لو كان بالسِّيفْ قطعت الاعادي وصل

لا شك في جزيرة حايطٍ عليّ بحــر

 

والموال من الفنون الشعبية التي اندثرت تقريبا من المنطقة ، بسبب طغيان الثقافة الجديدة ، وما كان من رمضان أن يبدأ الفيلم وينهيه به إلا دلالة على تلاشي تلك الروح القائمة سابقا بين الإنسان والبحر ، حيث تحالف القدر والبشر وأيضا البحر في علاقته الماضية مع الإنسان في ذلك المكان.

وبهذا تحقق الصورة خلود السرد والقص عند فريد .

فأتمنى أن تكون هذه القراءة بمنزلة مشاركة بسيطة لتخليد ذكراك يا فريد في عام رحيلك الأول.

فهد توفيق الهندال

المقال منشور مطولا في مجلة العربي عدد نوفمبر 2014 ضمن سلسلة أعلام الثقافة العربية

التصنيفات
مدونتي

الحياة في إطار!

في كتاب خاص عن عصر الموضة ، ذكر الناقد الفرنسي رولان بارت أن من أهم خصائص الموضة الحديثة تتمثل في فوتوغرافيتها ، مصورا أن العالم عادة ما يتم تمثيله في صورة موضة ، في شكل ديكور خاص بعمق أو بمشهد ، وباختصار ديكور مسرحي ، رابطا بين الصورة والموضة على أساس أن الصور الفوتوغرافية تشكل لغة خاصة لها معجمها وتراكيبها ، وخدعها الممنوعة أو المستحبة ، وهنا ينتهي اقتباسنا لرأي بارت .

تكمن فلسفة الصورة في واقعيتها المجردة ، مسافتها الفاصلـة ، ألوان ظروفـها الطبيعية ، تفاصيلها الغامضة ، وإلا لم آلاف اللوحات التصويرية خالدة ليومنا هذا ؟

الجواب بسبب ظروف رسمها وشخصيتها اللغز في عين الكثير من النقاد والمهتمين في تاريخ الصورة والفن التشكيلي .

ففن التصوير لا يعني لقطة عابرة أو احتفالية جامدة ، بقدر ما هو احتفالية مناظر ومشاهدة مختلفة لواقع يومي معاش ، جاءت في وقت مغاير وسياق جديد في عين ملتقطها ، لتخرج من واقعيتها المباشرة إلى أخرى متخيلة . وهو ما أشار إليه الناقد أمين صالح في كتابه ( السوريالية في عيون المرايا ) بأنها – الصورة – إعادة تركيب للعالم من أجزائه الموجودة لكن وفق آلية جديدة، حرة، لا تعرف رقيبا أو حسيبا، تتداعى بطواعية مطلقة، فاسحة المجال لمختلف ضروب الغرابة.. فهي لا يمكن أن تكون – أي الصورة – ملزَمة أو مضطرة لأن تُظهر نفسها . 

ليردف قائلا : ” الصورة هنا تخرج عن القيود المنطقية والعقلية نحو اللامنطق. إن العلاقة تتخذ أبعادا أخرى، بعيدا عن الرابط الذي يشد السبب إلى النتيجة، والشبيه إلى شبيهه، وكل ما هو معروف عن منطق الجذب والتنافر بين الأشياء والصور والأفكار. إنه اللامنطق. نقل ما هو عادي إلى حدود الغرابة والدهشة ” .

الصورة اليوم .. أينما تجولت في أي مجتمع عصري ، ستجد غالبية أفراده يستغلون لحظات وجودهم في أية مناسبة أو مكان في التقاط صور منوعة غير ممنوعة ، تختلف فيها زوايا رؤيتهم للموضوع ، مع تغيير محدود لواقعية اللقطة بما يضيفونه من فلترة مختلفة وألوان فاقعة أو باهتة تبرز كيف يحبون أن يراها الآخرون ، بمجرد اختيار أمر share ، لتخرج من حيزها الشخصي إلى العامي!

هكذا هي الحياة اليوم ، جميلة بعين من يريد أن يراها ، مزخرفة بكل مظاهر السعادة المفترضة أو العلاقة المتخيلة الرائعة بين أفراد العائلة الواحدة في مناسباتها الخاصة ، وكأن لسان الحال يقول : نحن عائلة سعيدة جدا . مع بعض المونتاج أو الكولاج ! 

أمر جميل أن نشارك الآخرين فرحنا ، دهشتنا ، اكتشافاتنا ، مواهبنا ، نشاطنا ، لكن ليس بالمبالغة المتجاوزة للمعقول في نشر أدق التفاصيل الشخصية التي تصل سذاجتها إلى حد استعراض الابتسامات الجامدة للإقناع بكفاءة السلعة كما في صور إعلانات منتصف القرن العشرين ، وهو لا يختلف في رمزيته عن الوجوه الجامدة لعارضات الموضة ، مما قد يساهم في ارسال رسالة خاطئة إلى جيل لاحق بأن المجتمع السابق عاش حياته سعيدا ، فقط داخل مربع الانستغرام

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

سنة الحياة

صارت عندي هواية جديدة في زمن كورونا، أبحث وأعبث وأتجول في الهواتف القديمة، وصناديق البريد المهملة، والحوارات المنسية في الماسنجرات والقروبات التي عملت لها left أو كان نصيبي منها removed. تصيبني الدهشة والضحكة معا، على آراء ومواقف وتحليلات، استذكر مختلف عبارات الشكر والود والظن لأقول:”سبحان مغيّر الأحوال من حال إلى حال” .
هواية أنصحكم بها لنعرف كم هو عبثيُ هذا العالم من حولنا، وكم تغيّرنا.
دون أن أنسى الصور، التي ليس لها مكان إلا في saved folder
والرسائل التي لم تغادر بعد draft folder، ربما كانت من ممكن أن تحدث فرقا أو لا.

فجميل أن نستعيد الماضي للحظة، لكي نقف على حافة اليوم، نستطلع الغد بما يمكن أن يشكله من تحدٍ جديد أو تغيير لما هو أفضل.

القول الذي يردده الكثير “الله لا يغيّر علينا” يحتمل الثبات على أمس مضى كان جميلا لم يستمر، أو حاضر حلوه متساوي مع مره، دون زيادة أو نقصان. لكنه في حقيقة الأمر خوف وقلق من غد غامض مجهول، لم تتضح ملامحه أو معالمه. لذلك، كان هذا القول ” الله لا يغيّر علينا” سببا لكثير من الجمود والرضوخ لذاكرة واحدة محددة، لا تحتفظ إلا الجميل المؤنس.

أخيرا.. أختم بما قاله الشاعرأبو القاسم الشابي

ومَن لم يعانقْهُ شَوْقُ الحياةِ

تَبَخَّرَ في جَوِّها واندَثَرْ

فويلٌ لمَنْ لم تَشُقْهُ الحياةُ

من صَفْعَةِ العَدَمِ المنتصرْ

كذلك قالتْ ليَ الكائناتُ

وحدَّثَني روحُها المُستَتِرْ

ودَمْدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجاجِ

وفوقَ الجبالِ وتحتَ الشَّجرْ

إِذا مَا طَمحْتُ إلى غايةٍ

رَكِبتُ المنى ونَسيتُ الحَذرْ

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

رغيف الروح

بمجرد أن تفكر أنك تحتاج إلى قدر من الراحة، لتصفي ذهنك من التزام ما، وتبديل نمط ثيابك اليومية، وتتمرد على عاداتك التي بدأت تضيق عليك آفاق تنفسك، وتخلع كل قبعات النهار المثقلة بالروتين والأرق، فتأتيك الفكرة المجردة عن كل ملابسات الواقع المعاش، حتى يبدأ خيال سويفت يداعب ذهنك، فتتمنى أن تعيش إحدى رحلاته الغوليفرية نحو عوالم مختلفة، لا تجد فيها مجتمعات أقزام أو عمالقة، وإنما تجد نفسك أيها الإنسان بعيدا/ متجردا من كل أقنعة الأيام السابقة، ولو كانت جزيرة في أقصى حدود العالم، تعيش يوميات كروزوية، قد يكون محدثك الوحيد فيها مستر ويلسون!

فالسفر انتقال من جزيرة أناك إلى جزيرة ضائعة أخرى، عابرا أعتى بحار المجهول فيك، تبحث هناك عن كنوزك التي ماتزال مخبأة، فشلت كل محاولات القراصنة للوصول إليها قبلك، بعدما عبثت بها رياح العمر، وحادت عنها أشرعة الأماني، وفشلت رمال الصحراء أن تدفنها حية، مادام نفسٌ فيك يبحث.

السفر عقيدة الأنبياء وملاذ الصالحين، فالعالم خيوط متفرقة، ملونة، لا تسمح لأحد أن يشدها حولك غير روحك، عبر مغزل التجربة، فتعاند حدتها، وتحذر نعومتها، لتتمعن في دقة التكوين المراد، حتى تنسج منها كنزة شتائية تصمد بوجه لسعات برودة المشاعر، صقيع الوحشة وجليد الأنانية.

في حياة الأديب العالمي البرتغالي خوسيه سارماغو تأملات كثيرة عن أسفاره التي امتدت إلى أكثر من أربعين بلدا حول العالم، واقتبس من بعضها عددا من الأعمال، تجد خبرة ذلك تتشكل في قوله:«إن الصور القديمة تخدعنا كثيرا فهي توهمنا بأننا أحياء فيها، وهذا غير صحيح لأن الشخص الذي ننظر إليه فيها لم يعد موجوداً ولو كان بمقدوره أن يرانا فلن يتعرف على نفسه فينا وسيقول: من هذا الذي ينظر إليّ بوجه محزون».

فكم من الصور يمكن أن تُمسح من ذاكرتنا بفضل السفر، وأن نحفظ بدلا منها صورا جديدة تحفل بالطبيعة، بسحرها الأخضر، صفائها الأزرق، لتشكل منابع روحك من جديد. فتهيئ الأرض من تحتك لنغم مختلف، وتعد الأطيار بعزف جميل، لتحكي معك الأشجار حكايات وتغني أحلى المواويل.

العمر، تذكرة سفر واحدة، بلا عودة، فانتهزها، لتطلق عنان روحك، ليعد للحياة أكثر من معنى.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الثقافة: ترف أم بقاء؟

كان هذا عنوان أولى محاضرات مركز جابر الأحمد الثقافي في يوم ٢٩ نوفمبر ٢٠١٦، قدمها كل من الإعلامي القدير محمد السنعوسي والدكتور سعد بن طفلة العجمي، وكلاهما تقلّد منصب وزير الإعلام في فترتين مختلفتين. أذكر أن الحوار دار بين أسئلة شارك بها الحضور حول ماهية المثقف ودوره، وماهي الثقافة ومن هم النخبة، وغيرها من المفاهيم والأسئلة التي لم تصل المحاضرة ولا مداخلاتها إلى تحديد واضح عنها، مما يعني استمرار الجدل حولها إلى مناسبة أخرى لا تختلف عن مناسبة افتتاح قاعة المحاضرات في مركز جابر الثقافي!

استذكر تلك المحاضرة الأولى ونحن أمام تغيّر قادم محتمل في هوية وهيكل المركز بعد تردد أخبار بنقل تبعيته لوزارة الإعلام. اللافت أنه مر على محاضرات المركز أكثر من وزير سابق للإعلام وقيادات إعلامية سابقة وحاضرة في البلاد، وحمل كل منها هموم وتطلعات في تنمية الثقافة، لذلك كيف سيتم تشكيل مركز جابر الثقافي الآن، وما مدى نسبة التطور والتنمية التي سيمضي بها المركز بعيدا عن بيروقراطية المؤسسات الحكومية .

والسؤال الأهم، إلى أي درجة سيحافظ المركز على ارتفاع السقف في حرية تقديم نوع العمل الفني والنشاط الثقافي؟

لاشك أن المركز يتمتع بشكل حضاري عمراني مبهر على ساحل الخليج العربي، ويضم قاعات ضخمة وممرات منيرة بأفضل أنواع الإضاءة والتجهيزات البصرية. والآن وبعد التغيير المحتمل لهوية المركز، هل سيمضي في طريق البقاء في ظل الرقابة التي ستكون مشددة أكثر تلافيا لأي سؤال أو استجواب برلماني متشدد. أم يكون المكان مقرونا بالترف وسلسلة المطاعم التي حافظت على اسم “الأوبرا” مترددا هنا عبرWord-of-mouth marketing ، دون أن تكون الأوبرا حاضرة بمفهومها الفني والثقافي!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

قناع المؤلف

 

انتشرت في القرن الماضي فكرة موت المؤلف ، التي روّج لها الناقد الفرنسي رولان بارت في معرض نظرية مفادها إن” مولد القارئ يجب أن يعتمد على موت المؤلف، باعتبار أن قارئ رواية ما لا يستدعي مؤلفها على أساس أنه هو سيد الأثر،وإنما يستحضره كشخص من شخصيات الرواية، إذ لا تعود حياة الكاتب مصدر حكايته وأصلها، وإنما حكاية تنافس أثره وعمله “. تلقت هذه النظرية الكثير من الجدل حولها، وتعالت أصوات مؤيدة وأخرى منددة، ولكننا في هذا المقال سنتوقف عند نقطة المؤلف هو سيد الأثر، مهما تبدلت أقنعته في النص، واختفت هويته الحقيقية وراء كاتب مجهول، مادامت شخصيته حاضرة وأفكاره محلقة خارجة أية وصاية.

في الفيلم المذهلTrumbo المنتج عام 2015 وقد رشّح لعدة جوائز سينمائية أبرزها الأوسكار، يحكي سيرة ذاتية لكاتب الأفلام السينمائية الأمريكي دالتون ترامبو خلال فترة ما يسمى بالقائمة السوداء التي قادتها لجنة مكارثي بالكونغرس الأمريكي فترة أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، وهو ما أدى إلى اتهام الآلاف من الأمريكيين بانتماءات شيوعية ، ما تسبب بإدانة الكثير منهم ليقضوا في السجن الفيدرالي عدة سنوات، وسط مقاطعة عموم المجتمع الأمريكي لهم. كان من ضمن من تمت مقاطعته دون سجنه ترامبو الذي رفض الكثير من المنتجين الأمريكيين العمل معه بعد تحذير اتحاد المنتجين السينمائيين من ذلك، الأمر الذي دفع ترامبو إلى حد الافلاس والانهيار النفسي لعائلته، حتى خطرت بباله فكرة كتابة أفلام سينمائية تحت أسماء وهمية، فأخرج وهو في عزلته الكثير من الأعمال الناجحة التي هزت قاعات السينما العالمية تصفيقا واعجابا، برغم محاولة الحرس القديم كشف حيلة ترامبو، وتحذير كل المتعاونين معه دون جدوى، لتحصد أعماله العديد من الجوائز الفنية، على رأسها الأوسكار.

أجمل ما قدمه الفيلم ، لم يكن فقط في تفاصيل السيرة الذاتية ، أوالمواقف التي تجلى بها ترامبو عبر الأداء المذهل للممثل البريطاني بريان كرانستون، وإنما أيضا الفكرة القائلة بأن الأفكار تحلق دون أجنحة، وتصل إلى متلقيها، فتثير متعتهم بصرف النظر عن اسم المؤلف، معلوما أو مجهولا، إضافة إلى الرفض المطلق لأي وصاية تتمثل بأي سلطة في المجتمع تحت دعوى الحفاظ على الثوابت، كما جاء في إجابة ترامبو على أسئلة محققي لجنة الكونغرس : ” بعض الأسئلة التي يمكن إجابتها بنعم أو لا فقط ، تكون من قبل عبد أو معتوه ” . ولهذه العبارة ، عمق كبير في معناها الذي يرفض الاجابات الجاهزة لأسئلة القمع والاختيارات الأحادية المزاج !

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

علي السبتي.. الشعر والرحيل

غادرنا قبل أيام أبو فراس علي السبتي، شاعرنا الكبير الذي مهما تحدثنا عنه، فلن نوفيه حقه مطلقا، كرائد للشعر الحديث في الكويت، أو أديب له حضوره المتميز والمتفرد في قلوب الأدباء و الكتاب الشباب، أو إنسان يترك أثرا عميقا في نفوسنا عندما نستحضره دائما.

الشاعر علي السبتي قامة شعرية أصدر عبر مشواره الأدبي أربع دواوين شعرية تنوعت القصيدة فيها ما بين العمودي والتفعيلة ، ليس على مستوى القصائد ، بل والقصيدة الواحدة التي جمعت هذه الثنائية العروضية . 

في ديوانه الأخير ” رأيت الذي رأى ” ، يقدم لنا السبتي رؤية شاعر مرت عليه تجارب الحياة ومراحلها المتحولة، نحو تبدل أنماطها والقيم السائدة فيها ، بالرغم من أن لكل عصر ظروفه وتحدياته.

ففي وسط اغراء الحياة، وتزينها بأخلاق هشيم، حيث بات الدلال المسرف يشينها لا يجملها، وهو ليس دلالة على تحول تنازلي بالقيم فحسب، بل للربط بين الإغواء القديم واليوم الذي لا تختلف حقيقته، وإن تبدلت صوره، وكثرت روابطه ، سرا وجهرا.

” تحاول إغوائي وغيري خدينها 

                   ولي مني حافظ ومنها قرينها ” 

فهل كانت تدري – هذه الحياة – أي حزن تثير ، و أي درب آخر قد تنير ؟ 

” لو كنت تدرين أي درب سالكة 

                    لكنت كالنجم يهدي السائر السّبلا 

ولست أعتب .. نفسي لا تطاوعني 

                   لكن حزنا بقلبي فاض مشتعلا 

وما تكشّف لي ما عاد محتملا 

                  فصرت أشكو إليك .. منك ما حملا ” 

وفي حين يكون الهوى مغلوبا لا غلابا إذا ما ارتبط بغير نفس الحر ، ولو ازدانت حوله الحياة كما قال الشاعر :

” ونفس الحر إن وجدت هواها 

                 بغير وعائها لا تستقيم ” 

فإن الشاعر يتبع هواه في نهاية الأمر  :

” وفي ملتي أن الهوى يتبع الهوى

                         وإن هوى نفسي لقلبي تابع “

إذن نحن نقف أمام جدل الهوى مع الشاعر . 

ووسط الحطام التي خلفته مادية الواقع ، والقهر المتسلل إلى عزة النفس وأعماق الروح ، ينسحب الواحد منا إلى عالمه الداخلي الرحب ، مما يجعل الآخرين يظنون بك يأسا من حياة أو هربا من حقيقة أو غربة بمعية عشير ، تاركا حفلات الخداع ومزادات الادعياء ، منفردا في صوته المحلق بعيدا / غريبا عن هكذا حياة :

” يسألونك 

كيف تعيش وأنت وحيد

قل لهم : من يرى خلف هذا السديم

زمانا جديدا 

كيف يحيا وحيد ؟ “

إنه زمان عجيب ، منتظر ، مليء بكل التناقضات ، والمعادلات المقلوبة ، التي يبحث فيها الواحد منا عن موقع فيها ، يحقق وجوده ، دون العدم :

” هل أنا رقم بين الناس 

أم أن الناس هم الأرقام

وأنا صفر في غير مكاني ! 

أو أن زمانا يأتي غير زماني “

ليعود الشاعر ويقر بما رآه في زمانه وما لم يره الآخرون اليوم :

” وإني قد رايت وما رأيتم 

                  زمانا تزدهي فيه النجوم

يعيش العارفون به سراة 

                 ويبقى الأرذلون كما أُسيم ” 

إلى جانب ذلك ، فإن الديوان ” رايت الذي رأى ” حافل بقصائد ذات حضور وجداني ، قومي ، و إنساني ، ويتمثل الجانب القومي في قصيدة ” رسالة من جندي كويتي إلى زوجته ” ، والوجداني في قصيديتين مهداتين إلى صديقة الشاعر الراحل خالد سعود الزيد الذي جمعته به سنوات طويلة ومعارف شتى ، فيجده – الزيد – فريدا / وحيدا في الحياة التي كان بها :

” لا شاطئ يأويك ولا ميناء

ميناؤك بين ضلوعك 

فاخل تأمن 

مرساتك تاريخك

يزهو بك في كل زمان ” 

ونختم بقصيدته ” البرتقالة المضيئة ” التي أهداها إلى أحمد متولي حارس رابطة الأدباء ، حيث سؤاله – الشاعر – له عن تلك الشجرة ، ليقول :

” قال لي : أثمر البرتقال

قلت : من بعد ما أثمر الهجر

والشعر آذن بالارتحال

والمكان غدا مرتعا للنِمال 

بعد أن كان بستان حبٍّ

تُرقّص أغصانه نسماتُ الشمال ” 

هذا مقال لا نمل أن نكتب غيره ، عن شاعرنا الكبير ، شاعر إنسان له نظرته العميقة في هذه الحياة ، وقلب كبير.

فرحمك الله يا أبا فراس، وإنا على فراقكم لمحزونون.

وإنا لله وإنا إليه راجعون

فهد توفيق الهندال

تصوير الصديقة فتحية الحداد