التصنيفات
مدونتي

ديناصور خارج قمقم القوائم

قبل سنوات ، حصلت القاصة الكندية أليس مونرو على جائزة نوبل في الآداب ، وجاء في تعليق اللجنة المانحة للجائزة “أن مونرو مُنحت نوبل لكونها أفضل من كتب القصة القصيرة في العصر الحديث” . قد يعتقد البعض أن الحكم في أفضلية كاتب عن بقية الكتاب ممن هم في نفس مجاله يعتبر مبالغا فيه ، فلا يعقل أن اللجنة قرأت كل الأعمال القصصية المكتوبة بمختلف اللغات في العصر الحديث ، باختلاف جنسية كتابها . إضافة إلى تلك المترجمة عن لغاتها الأصلية ، مما يتطلب جيشا من المحكمين والباحثين في متابعة المنجز العالمي للقصة القصيرة . كما أن القصة مصطلح يضم تحته ثلاث أنواع ( القصة الطويلة ، القصيرة القصيرة والقصة القصيرة جدا ) حيث تختلف المعايير من نوع لآخر ، كما هو تميّز براعة الكاتب في التكثيف للغة واتساع المعنى خلاف الرواية التي تحتمل الفصول الممتدة لمئات الصفحات وربما الآلاف .

فمثلا القصة القصيرة جدا للغواتيمالي اوجوستو مونتيروسو ” … وعندما استيقظ، كان الديناصور ما يزال هناك ” ، لا يمكن أن تقرأ لمرة واحدة ، وربما تتفرع منها تأويلات أو نصوص مرادفة كثيرة ، وهي من جملة آثار أدبية قليلة وصفها غابرييل غارسيا ماركيز بــ ” الجِدةُ المتلبّسة لبوس الفكاهة والهزل” . فشهادة من روائي كبير له منجزه الأدبي العريض والمنتشر عالميا في شأن أعمال مونتيروسو لهي دليل على عمق التجربة لديه و حضوره المختلف عن بقية أقرانه في ذات العصر . ويحسب لمشروع كلمة ترجمة أعمال مونتيروسو ، حيث تُعتبر هذه القصص ، بحسب تصريح مشروع كلمة ، من أوائل الكتابات الكلاسيكية في القصة القصيرة الحديثة.

ويصف القاصّ المكسيكي خوان رولفو قصص مونتيسرو:”القصّة القصيرة.. ضرباتُ فأسٍ هنا وهناك، وعملياتُ مراجعةٍ، وحذفٍ، وإضافةٍ، وطرح وجمعٍ، والقصّة لها فرصة واحدة في الزّمان والمكان، و يتقرّر حظّها في الحين مباشرة بعد مرحلتين إثنتين: كتابتها، ثمّ قراءتها. فأيّ طلبٍ، أو تعديلٍ، أو إضافةٍ، أو وصيّةٍ لاحقةٍ، أو تفسيرٍ أوشرحٍ أو تنميقٍ أسلوبيّ لها لا جدوى منه، بل إنّ ذلك كله قد يفسدها”.

في إحدى الحوارات معه ، قدّم مونتيروسو نفسه بأنه لم يتم دراسته الإبتدائية ، برغم أنه يتمنى في وعي ما ، أن ينهيها ، خاصة وأنه يجد في بعض نصوص كتب الدراسة نصوصا كتبها هو ، فيعلّق : ” إنه شعور غريب لا أقوى على وصفه : أن تضع يدكَ، بطريق الصدفة، على شيء سبق أن كتبته بنفسك، فتعيد قراءة نفسك فيه وفي النهاية يُطلب منك أن تحدد ماضيك البعيد ..” .‏

قد تكون مونرو أفضل من كتب القصة في العصر الحديث بحسب وجهة نظر المؤسسة المانحة لنوبل ، كما غيرها من الفائزين بجوائز مؤسسات أخرى ، ولكنها ليست الأفضل بالضرورة من وجهة نظر المتلقي الذي يعيد قراءة النص بأكثر من معنى وروح ، وإلا لانعدم الإبداع القصصي ، واحتُكر بوجهة نظر المؤسسة ومثقفيها والقوائم !

فهد توفيق الهندال

اوجوستو مونتيروسو
التصنيفات
مدونتي

Stop dreaming … start living

قد يرى البعض الفن السابع مرآة عاكسة للواقع ، شأنه في ذلك شأن الأدب وبقية الفنون ، إلا أن الحبكة التي يدير حولها السينمائي عدسته ، وينسج حولها خيوط السيناريو ، ستضيف حتما للنص الأصلي ، سواء كان رواية أو قصة أو واقعة أو فكرة ما في حياة المجتمع الإنساني . كما أن البراعة في الدهشة المنتظرة في المشهد الأخير، وإن اختلفت عن النص الأصلي ، ستضيف مخيلة أخرى للنص الأول . فللسينمائي قدرته المذهلة على رسم الكلمات صورا و مشاعر متنوعة .

في فيلمه THE SECRET LIFE OF WALTER MITTY يقدم الممثل والمخرج الهوليوودي بن ستيلر أحد انتاجاته النوعية والمختلفة عن بقية الأعمال السابقة كسلسلة شخصية جريج فوكر أو فيلم Night at the Museum وغيرها من الأفلام التي يجمع فيها الفكرة المختلفة لحياة ما مع كوميديا الموقف . ليأتي فيلمه المذكورأعلاه الذي يدور حول وولتر ميتي وهي شخصية مستوحاة من قصة كتبت في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين عن شخصية مضطربة تعيش حياة مختلفة أو سرية مليئة بالخيال وأحلام اليقظة . تم اختيار مجلة لايف LIFE أشهر مجلة عالمية متخصصة بالصور الملتقطة للحياة من بقاع العالم المتنوعة مكانا للحدث ، حيث الإنسان المختلف هنا أو هناك ، بكل تاريخه وارثه الإنساني . ولعل الحدث الرئيسي هو قرار الملاك تعيين إدارة من الشباب المتحفز لاثبات نظريته التطويرية لعمل المجلة ، ليقوموا بفصل جميع موظفي الإدارة السابقة بحجة مواكبة التغيير والتطور ، متناسين دورهم على مدى عقود في تأسيس واستمرار المجلة ، وميتي أحدهم الذي يعمل رئيسل لقسم تحميض الأفلام ، وأكثر فرد قادر على التعامل مع لقطات أفلام المصورين المحترفين ، خاصة شين أوكونيل الذي أدى دوره باقتدار والحائز على الأوسكار أكثر من مرة شين بين بالرغم أن ظهوره بالفيلم لم يتجاوز 10 دقائق ، إلا أن شخصية أوكونيل كانت تحمل لغز الصورة رقم 25 التي بنيت عليها حبكة الفيلم وحتى نهايته المدهشة معنى وقيمة وموقفا .

فبقدر ما الفيلم يتمتع بالكوميديا ، بقدر ما يحمله من رسائل مباشرة لا تحتمل أن تكون ضمنية لكونها لكل المستويات والثقافات ، لتكون متاحة في ذهنية الجميع دون تمييز أو نخبوية ما . فالإنسان عندما تضيع حياته كلها في قضاء احتياجاتها والانطواء عليها ضمن قوالب العمل وروتينه وعلاقات اجتماعية تقليدية ، يفقد جانبا مهما منها ، وأعني روح المغامرة . فمنذ المشهد الأول للفيلم بدأت المغامرة مع ميتي حيث المحاولات الفاشلة له بعد تردد طويل في ارسال غمزة صداقة / اعجاب إلى إحدى زميلاته بالعمل عبر موقع اجتماعي لسبب واحد أن طلب تسجيله لم يقبل في الموقع لكونه ترك الخانة الخاصة بالسفر والمغامرة خالية!

من أجمل الحوارات العميقة بالفيلم، ما قاله ميتي للمدير التنفيذي الشاب الذي جاء بصورة شخص يتمتع بأنانية وبرود ولامبالاة، عندما أحضر له ميتي الصورة المفقودة قائلا له:

“يجب أن تعرف أن هؤلاء الناس يعملون بجد لبناء هذه المجلة.لقد آمنوا بالشعار. وحصلت عليه.

أنت حصلت على مكانك من خلال أوامر رؤساءك، وعليك أن تفعل، عليك أن تفعل. لكن ليس لديك ما لديهم”.

مرورا باختفاء صورة رقم 25 لكونها صورة الغلاف الأخير للعدد الورقي للمجلة قبل تحولها إلى مجلة الكترونية ، وتحمله للمسؤولية في البحث عنها ، لدرجة السفر وراء أوكونيل في جرينلاند وآيسلند وغيرها من المناطق عبر مواقف كثيرة ، حتى التقائه شخصيا به أثناء انتظار أوكونيل لتصوير نمر ثلجي نادر جدا ، ومع ذلك لم يلتقط له الصورة برغم تمكنه من ذلك ، بما يقدم رسالة أن الحياة دون مغامرة والتمتع بها لا تعني شيئا !

هل فكرنا يوما أن نعيش متعة كبيرة في أن تنقطع أخبارنا عن العالم ، ولا نخبر أحدا عن مكان تواجدنا ، ولا نتحدث كثيرا عن ذلك . أعتقد ممكن لرغبتنا ، لا في العزلة ، وإنما في الحياة ، بشكل مختلف جدا ومتعة أكبر.

فكم حياة سرية نملك القدرة في أن نملكها ، وكم مغامرة نعيشها ، وقبل ذلك .. كم مرة فهمنا معنى الحياة ؟

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

كولوسيوم 2000

كان الكولوسيوم المدرج الروماني الشهير أشهر حلبة قتال بين المصارعين حتى الموت، فقد جاء في فترة الألعاب الرومانية التي أحياها القياصرة لصرف نظر الأمة عن الاهتمام بغيرشؤون حياتها ومتعتها، فيعيشون مهرجانا ماتعا من القتال في الكولوسيوم، حيث متى ما تمكن أحد المصارعين من الثاني حتى ينتظر اشارة قيصر إما 👍 وتعني الابقاء عليه حيا أو 👎 وتعني الحكم عليه بالإعدام، وهكذا الجمهور الروماني إذا ترك القيصر الحكم بين أيديهم لتقرير مصير الخاسر.
وبعد قرون عديدة، أستبدل الكولوسيوم بأشكال مختلفة من التغافل والالهاء الجماهيري، فبات العالم على موعد مع كولوسيوم جديد في وسائل التواصل الإجتماعي وسط صراعات الأفكار والأهواء البشرية في مختلف القضايا، في حشد كبير لهاشتاقات التناحر وتوظيف وسائل الاعجاب والتعليقات واعادة النشر وايموجي 👍 أو 👎 في مختلف المنصات الاجتماعية نحو تعبئة الرأي العام، مع استخدام وسائل استفتاءات أو استطلاعات الرأي وتسجيل أكبر عدد ممكن من المؤيدين.
هكذا انتقل الصراع من السلطة والنخبة إلى الشارع و الجماهير، فبدلا من السيف والرمح والبلطة والبنادق والدبابات والصواريخ العابرة للقارات والاغتيالات إلى وسائل حديثة لا تسبب عنفا دمويا بقدر ما قد تسببه من عنف فكري ونفسي كبير قد يؤدي لقتل الشخص المستهدف معنويا نتيجة التنمر الالكتروني الحاشد والتحريض على إعدامه حيا.
في إحدى حلقات المسلسل البريطاني The black mirror والمعنونة باسم Hated in the Nation تقول إحدى شخصيات العمل:” بفضل الثورة التكنولوجية ،لدينا القدرة على الغضب والاتهام “. ووسط حالة التنمر التي تعرض لها أحد ضحايا التنمر الالكتروني ، تتوقف عند جملة أحدهم :”عندما ترى شيئًا كهذا ، فإنه يغيرك. إما أن تكون مهزومًا أو أن تؤمن أكثر بما كنت تعتقده”.
قد تتحول قبة برلمان إلى كولوسيوم، وتتحول المنصات إلى وسائل تقاتل اجتماعي بدلا من التواصل، حيث يمكن أن تطغى أصوات معينة تحت حجة الأغلبية على حساب الأقلية لدرجة قد تُسلب حقوق الفرد ويُصادر صوته وسط توهم الجماهير بأنها تسير نحو الحقيقة، والحقيقة أنهم قد يسيرون نحو الوهم الإجتماعي. فالجماهير كما يرى غوستاف لوبون في كتابه (سيكولوجيا الجماهير) :”لم تكن في حياتها أبدا ظمأى للحقيقة. وأمام الحقائق التي تزعجهم فإنهم يحولون أنظارهم باتجاه آخر، ويفضلون تأليه الخطأ، إذا ما جذبهم الخطأ. فمن يعرف إيهامهم يصبح سيدا لهم، ومن يحاول قشع الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم”.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

خسوف مجتمعي!

آخر الأفلام التلفزيونية العربية المنتجة من Netflix الذي تتجه نحو تقويض الصورة التقليدية للدراما الفنية سواء السينمائية أو التلفزيونية والخروج نحو الواقع وما يمثله من قضايا اجتماعية ساخنة غالبا ما تتجاوزها الدراما العربية إما انشغالا بالشكل أكثر من المحتوى بحثا عن مشاهدات أعلى، وبالتالي رعايات ودعايات أكثر، أو تختبئ تحت مفاهيم أو قصص مستهلكة هربا من مقص الرقابة والمساءلة.
(أصحاب ولا أعز) لا يمثل سوى غيض من فيض مما يعيشه المجتمع العربي اليوم الذي مازالت شريحة كبيرة منه تنكر وجود قضايا وظواهر قد تكون سببا في اهتزاز صورة الحياة المحافظة في عالم مفتوح جدا باتت الرقابة الأبوية فيه مجرد شعار لا يعدو كونه محاولة تعزيز إعادة الثقة بما تبقى من ملامح المجتمع الشرقي القديم.
ما هو الشئ الجديد الذي طرحه الفيلم ولم يكن معروفا من قبل؟
ما هي القيم التي خُدشت هذه المرة وكأنها لم تُخدش سابقا؟
ما هو الخطر الذي مثّله الفيلم ونحن نعيش فوضى أخلاقية منذ عصور الانحطاط لم ولن تعالجها الدراما في هذا الوقت؟
باختصار.. ما الحجر الذي أثار به فيلم أصحاب ولا أعز دون غيره في بئر المجتمع؟
ألا توجد بيننا شخصيات مثل “مريم” التي تعيش ذنب تحمّل زوجها “شريف” ذنبها، فتعيش معه في تذمر مستمر من كل شيء وأنانية مفرطة؟
أو شخصية “مي” الاستشارية النفسية التي أدخلت الجميع في لعبة الثقة، ولم تنتبه أنها سقطت معهم في ذات الفخ أو الاختبار ؟
أو شخصية “زياد” المنافح والمدافع عن القيم والأخلاق وهو يدوسها سرا ويوميا، وهو اللعوب الذي يطارد شبقه أينما كان ومع من صار ؟
على الجانب الآخر، ألا نجد بيننا شخصية “وليد” المتساهل في دوره كأب وزوج ويفضل أن يضع لكل من زوجته مي و ابنته صوفي خيارهما في قرارهما دون اجبارهما؟
أو شخصية “جنى” التي تحتفظ بعلاقتها الودودة مع خطيبها السابق برغم خروجه من حياتها ودخولها حياة زوجية جديدة مع زياد، وتستمر بينهما الصداقة بعيدا عن أية كراهية متوقعة بعد نهاية أية علاقة؟
أو شخصية “شريف” الذي يؤدي دور المضحّي ثانية مع صديقه “رابح” الذي يعيش حياة سرية خاصة به لم يفرضها على أحد.

فقط، نستبدل الأسماء والأدوار، ونتيقن بعدها أننا نعيش عالما مثاليا معلن وآخر خفي مناقض!
يمر المجتمع بظاهرة كونية أشبه بالخسوف القمري، تحتاج لأكثر من تليسكوب أو منظار مجهري لكي نصل إلى جوانبه المعتمة التي لم تعد تُخفى على أحد. فإما نقف على الأسباب بكل جرأة لنعالجها، أو نصمت ونتفرج ونعيش الحياة بسعادة مفرطة في عوالمنا الخفية!

أخيرا.. صحيح أن الفيلم مقتبس عن فيلم أجنبي، وبالمناسبة ليس العمل الوحيد الذي قام بذلك، هناك أعمال كثيرة اقتبست عن أعمال أجنبية فنية أو أدبية دون إشارة لا من قريب ولا من بعيد عن هذا النقل أو الاقتباس!

ومنصة Netflix تجارية بحتة ليس دورها تربية المجتمع، ويتسابق كثيرون لتقديم أعمالهم عليها لما لها من انتشار قوي وحضور انتاجي ضخم، حتما لها سياسة وتوجه قد لا تختلف عن توجهات بقية المنصات، كما هو حال الإعلام العربي الغارق بشعارات وقيم أكل الدهر عليها وشرب!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الروائي الباحث -١

يعتقد العديد من الباحثين، أن الخطاب السردي ليس وسيطا حياديا لتمثيل الأحداث والسيرورات التاريخية، بل هو المادة التي تُصاغ منها نظرة أسطورية للواقع و “محتوى” مفاهيمي زائف يُسبغ على الأحداث الواقعية عند استخدامه لتمثيلها تماسكا وهميا ويشحنها بتلك المعاني التي يتسم بها الفكر المرتبط بالأحلام لا اليقظة.

فالسرد ليس مجرد شكل خطابي حيادي قد يستخدم أولا لتمثيل الأحداث الحقيقية من حيث هي سيرورات تطور، بل قد ينطوي على خيارات أنطولوجية ومعرفية ذات استنتاجات أيديولوجية، بل حتى سياسية متمايزة.

يقول رولان بارت: ” السرد موجود ببساطة كالحياة نفسها، أممي وعابر للتاريخ وللثقافات”. بهذا يكون السرد أبعد عن ما يكون مجرد شكل فضفضة ذاتية، أو إعادة تدوير سيرة شخصية في محاولة لمحاكاة الشكل الروائي. فالروائي باحث في أصل حضوره الثقافي، ووعيه الإبداعي، بما يملكه من تخييل فني قادر على ترجمة الفعل المعرفي إلى قول قصصي، يمكن ترجمته دون أضرار في اللغة، لكون المعنى المحيط بالسرد ذا طابع إنساني، عام في خطابه مهما كان خاصا في حكايته.

واللغة مهما كانت متخيلة في السرد، فهي تعود إلى ذات لغة الواقع، فالتخييل ابن الواقع، يستمد منه معجم اللغة وقوة الدلالة، واستغرب ممن يحاول الفصل بين لغة التخييل ولغة الواقع، على أن الأولى هي لغة المُتخيّل أي المبدع / الروائي/ القاص / الشاعر. فأتساءل.. ماهو الاختلاف المعجمي بين لغة التخييل ولغة الواقع؟

وهل يكتب الروائي عمله بلغة تختلف عن لغة المجتمع والعالم الذي يعيش به؟

وهل ينطبق على ذلك مفهوم ” التخييل المضاعف” أي أن الرواية تطوّر وعي شخصياتها وتصاعد أحداثها وتغيّر المكان بفعل الكتابة التي تعتبر مرجعية العمل ذاته الوحيدة والحاضرة، دون مرجعية أخرى!

فهل يتطور وعي كتابي دون سياق ثقافي واجتماعي وتاريخي وفني ؟

عندما اخترت عنوان المقال “الروائي الباحث” لا اعني اقتصار مهمة البحث على الروائي فقط، بل هي مطلوبة من القاص والسارد عموما، ولكن لكون الرواية اليوم هي منجز سردي يتمتع بحدود عريضة وأفق بعيد ولغة مفتوحة على احتمالات عديدة، كان اختيارنا للرواية كنموذج فعلي على مهمة البحث في العمل السردي.

وهو ما سنفصل به القول لاحقا.

فهد توفيق الهندال

رولان بارت
التصنيفات
مدونتي

كاليسكا.. كاف الأولى وكاف الثانية

يذكر فيليب دوفور حول فكر اللغة الروائي ، بأنه ليس مجموعة من المنطوقات التي يمكن تجميعها كفقرات الوصف أو رسم الشخصيات فقط ، وليس سلسلة من التأكيدات ومجموعة من الأقوال المأثورة أو الاستطرادات التي يقوم بها الراوي ، بل هو شكل الفكرة الجمالية التي تصبح محسوسة عبر اللغة وتظهر للعيان ، لكون الشكل هو المفكّر .

وتملك هذه الفكرة الجمالية علّة وجود تاريخية . يحمل الفكر الروائي تأريخية ما لأنه ينتج عن اتصاله بالتاريخ الذي يطالب به . تشكّل المعرفة الموجودة في الرواية حاجة وتنبع من القلق .

قد تتشكل اللغة ثانية بذاكرة مثقوبة ، في مكان يمتلك ثقوبا في هويات شخصياته ، وهذا ما يمكن أن نلحظه في رواية ( كاليسكا ) للروائي الكويتي الراحل ناصر الظفيري ، حيث تشكّل هذه الرواية حجر زاوية ثلاثية الجهراء التي بدأت السرد مع العمل السابق ( الصهد ) ، حيث شكل المكان ذاكرة وهوية لأبنائه المغتربين في مهجرهم أو منفاهم . تكمل كاليسكا الرواية سبر التاريخ الاجتماعي للبدون في الكويت ، ولكن في حكاية مختلفة ، قد تكون من أصل حكايات كثيرة يمكن أن تسرد عن هذه الفئة وهي في غربة المهجر . بطل العمل (العوّاد) الذي دفعته الظروف قسرا للهجرة لكندا بعد ابعاد إداري بحجة أنه بدون ولا يملك وثائق رسمية تمكنه من الإقامة القانونية في الكويت ، بسبب علاقة حب جمعته مع أخت أحد المتنفذين بالبلد .

الرواية تقع في 340 صفحة ، ولكن يهمنا الجزء الثاني منها الخاص في المهجر ، حيث جاءت اللغة كمحور حوار بين شخصيتي ( العواّد ) و ( ستيفاني ) ، وقد حمل الأول في المهجر اسم صاحبه الكويتي ( فهد غانم ) ، حيث يتم منحه الجنسية الكندية بعد هجرته . وهذا الحوار جرى بين شخصيتين عانتا من محاولات تهجير من الهوية الأصلية ، فستيفاني تمثل نسل الهنود الحمر في كندا ، الذي باتوا مواطنين من الدرجة الثانية في موطنهم . ولعل الحوار التالي يكشف نوع هذا التهجير :

( قالت له فجأة : ” لماذا تركت وطنك ؟ ” . ” لم أتركه ، هو تركني ” . ” ولماذا تركك ، آسفة لا أريد أن أجرحك ” . ” لن تجدي في جسدي مكانا لجرح جديد ” . قال وكأنها لاحظت دمعة سقطت مسرعة ، توقعت أنها سقطت في كأسه القريب من شفتيه ) . 

وفي حوار آخر بين الاثنين ، أدارته هذه المرة ستيفاني عن كندا في إحدى المستعمرات التي بقيت للهنود الحمر في الشمال ، وكيف أن الأمهات شكلن الأحلام كلغة جديدة للصغار :

( لا تتوقع أن هذه الأرض أكثر رحمة من أرضك ، كنا بسطاء نعيش لغتنا وديننا وإيماننا وزراعتنا وصيدنا وعاداتنا . كان والدي في السادسة في الفضاء الوحيد الذي دفعه إليه البيض ببنادقهم ، حين جاءت الشرطة بطائرات مروحية هبطت في الساحات وشاحنات شرطة وسيارات كطيور جارحة وضوار زاحفة جمعوا الأطفال فوق السادسة وأركبوهم الشاحنة التي انطلقت بهم إلى مكان لا يعرفه أحد . علموهم أن يتحولوا إلى سكان بيض مثلهم ولم يعد إلى أهله . تزوج امرأة بيضاء ونسي اللغة والدين وكل ما يمت لقبيلته بصلة . صنعوا منه إنسانا كما يصنعون منك . يجب أن تهرب من هنا . أن لا تتحول إلى نسخة من الجميع فلا تعرف من أنت ” ) . 

وفي مهجره ، تعرف هناك على رجل مثله مهاجر وصفه برجل يتكلم لهجته ، أي من المنطقة أو الكويت بالتحديد . حيث دارت بينهما مصلحة العمل رابطا غير اللغة الأصلية ، فمهما غدا المكان الأول ماضيا ، إلا أن له بصمته :

( هكذا تبدو بصمة المكان الأول هي البصمة الحقيقية الدائمة على المصائر . بصمة لا يمكن لعوالم أخرى أن تزيلها ، هكذا تبدو كوحمة الولادة تعرف بها الأمهات أطفالهن وخرافة أسبابها . ) 

نجد في الرواية أن اللغة الأم عندما تهاجر أو تهجّر ولو في موطنها الأصلي ، لا تغادر جسد أبنائها ولو في أحلك الظروف ، لكونها الذاكرة ، مهما ازدادت فيها الثقوب بفعل الزمن ، والندوب بفعل الإنسان ، ربما قد لا يكون الآخر ، ربما الأنا ذاتها ، عندما تحاول التخلص من الماضي المشكّل لحقيقة واقعها . كما شخصية العقيد عبدالرحمن اليزاز ، الذي رفض أي زواج شقيقته رشا و العوّاد أو أي شكل من أشكال العلاقة بحجة أنه أقل منهم اجتماعيا ، في حين الأصل الواحد يجمع الاثنان ، وحدها الصدفة التي فرّقت بينهما اجتماعيا في الكاف الأولى ، الكويت .

كذلك على الضفة الأخرى ، كاف أو الكف الثانية على وجه الهوية، كندا ، مهما صوّرت للجميع أنها الحلم للمنفيين لغة وهوية ، إلا أنها بالحقيقة فخ ، لو تم تجميله ببعض الخرافات أو الأساطير ، بفخ أحلام . ومع ذلك ، هي حلم افتراضي ، في ذكرة اللغة المنسية / الأصلية ، كما جاء في وصف الطبيعة هناك على لسان ستيفاني للآخر الذي معها من هناك ، العوّاد أو فهد غانم ، أيا كانا فهما واحد ولو أنه اسم لشخصين : ( كلما جئت هنا جلست لوحدي أصنع عالمي السابق والذي لم أعشه كاملا هنا أرى قبيلتي وأطفالها وأسمع لغتهم وأعتقد أنني أجيدها ، أرى جدي يدخل البايب كطقس ديني للخالق الذي منحنا الأرض ) .

يحسب للراحل ناصر الظفيري حيلته السردية في الفصول الخاصة بالطارئين على الحكاية، مما يمثل عمقا فنيا في التركيب الروائي، يجعل المتلقي في رباط مع النص. لنفتقد برحيل ناصر الظفيري قامة أدبية روائية، لها فكرها الخاص بلغة وفن الرواية.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

عولمة الدراما وتغييب المتلقي

لاشك أن الكثير من الأعمال الفنية الخالدة التي تلقاها الإنسان على مر عصور الابتكارات والمخترعات التي واكبت تقدمه ، بدءا من السينما والإذاعة والتلفزيون ، جاءت مكملة للفنون التي تأسست عليها الحضارة الإنسانية كالشعر والمسرح والرواية التي كان لاختراع المطبعة دور مهم في انتشارها ، عندما شكلت القصة أو الحكاية محور الحدث اليومي والاهتمام لدى المتلقي ، خاصة المعنية بجزء من حياته و ثقافته . فلولا ارتباط العمل الفني بخيط من نسيج المجتمع الحاضن له ، لما كان له الأثر والدور في استمراره لاحقا .

كانت السينما في بداياتها بحاجة ماسة لأرضية من الدراما المبنية على أسس قصصية ، تسرد بموجبها الحدث وتطور مجراه مما يثير فضول المتلقي ومتابعته ، لهذا نهلت السينما من الأعمال القصصية و الروائية والموروث الشعبي مادة خصبة للإنتاج السينمائي ، ومن ثم الإذاعي والتلفزيوني . ولعل لتصبح الشاشة الصغيرة بعدها النافذة اليومية والمهمة التي تطل هذه الأعمال برأسها على المتلقي في كل ساعات حياته وعلى مختلف فئاته العمرية .

لهذا اتخذت الدراما التلفزيونية مسارها المستقل في استقطاب المشاهدين ، مما جعلها منافسا رئيسيا لبقية الفنون عبر حرب الفضائيات ، ويشتد الاستحواذ من قبلها على المتلقي أكثر في ظل الإعلام الاجتماعي بعدما قطعت ثورة الاتصالات و المعلوماتية الكثير من مراحل التطوروالتقدم التقني ، لتكون قنوات اليوتيوب اليوم متاحة أكثر على الأجهزة اللوحية الذكية ، فيمكنك أن تشاهد أي عمل فني أو قناة عبر تطبيقاتها وروابطها المنتشرة في البرامج المرافقة لها .

من هنا ، فعندما يدخل أي عمل فني لدائرة الإنتاج الدرامي ، فهو محفوف بهذه العاصفة التي تشده بين أصابع المتابعين له . سابقا كان الرهان على الأعمال الدرامية التي يسبق فكرها القصصي و طرحها الفني في المعالجة الإنسانية توقعات المتلقي بكثير من التخييل والدهشة المنطلقين من الواقع المعاش. واليوم بات الرهان على أسماء المشاركين في العمل، فبات نجم الدراما النجم ليس محصورا بالفنان، بل شمل من دخلوا الفن من بوابة السوشيال الميديا ، وليس ضروريا أن يكون ملما بأي مفهوم ، ولو قدر ضئيل عن الفن!.

اليوم لا نتحدث عن شاشة قناة فضائية ، وإنما عن منظومة إعلامية متكاملة مواكبة لها في الدعم والإنتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي المروجة لها ، بشكل مسبق أو آني أو لاحق . اليوم بات الشكل متحكما أكثر من المضمون، وتغييب متعمد للمتلقي عن السياق الذي ينتمي إليه.

عندما كنا ناتبع الأعمال الدرامية الخالدة في رمضان في حقبة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين ، فإننا كنا أمام فكر قصصي في قوالب درامية تلفزيونية تعتمد الحوارات التي تفتح أبواب الفضول للمتابعة عبر سيناريو يحترم ذكاء المتلقي ، كان ذلك قبل دخول المنتج المقاول على الخط ، وعبثه بخيوط وخارطة الدراما والإنتاج الفني عموما ، وهو مايستلزم إعادة الثقة الواعية في اختيار الأعمال الروائية والقصصية لتحويلها دراميا تلفزيونيا أو إذاعيا والتي يمكن أن تؤسس لوعي أجيال قادمة ، قادرة على مواكبة العولمة المزدحمة بشتى صراعاتها ، بعدما أضحى العالم بنية واحدة ، وفي كف واحدة .

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الكتابة فرض كفاية

منذ عقود مضت، بدأت تتشكل تحديات جديدة في عالم الكتابة، وذلك بفضل متوالية جديدة ومتغيرات سريعة مرت وتمر على الساحة اليومية، لتفرض واقعا افتراضيا مختلفا بعدما كان واقعيا محضا، على كل من الكاتب والمتلقي، والناشر بينهما. حيث أصبحت العلاقة اليوم غير مرتبطة بهذه الأطراف الثلاث، وإنما دخلت أطراف أخرى تفرض معادلة مختلفة، عاملها المشترك في ذلك هو التطور المذهل في الثورة المعلوماتية التي أنجبت بشكل شرعي وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبحنا – نحن المرسلين / المستقبلين – جزءا من أدواتها في مجال التداول وحلبة التنافس.

ولأن التداولية باتت لغة العصر الجديدة لكونها تعني ” الفكاك من المنزع النرجسي للنخب المثقفة بفك وصايتها على القيم والحقوق والحريات” كما يرى المفكر علي حرب في كتابه (العالم ومأزقه منطق الصدام ولغة التداول) الذي جاء بأطروحات فكرية تثور على كل عوامل انشقاق العالم أكثر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فإن الحراك الاجتماعي الذي شهده المجتمع العربي في مطلع عام 2011 أو بما سمّي ب ” الربيع العربي ” كان نتيجة تلك الرغبة في تحقيق حضور “العقل التداولي” الذي يتعامل مع عالم شديد التنوع والتعقيد والتحول، ولذا لا يمكن حصره في صورة نهائية. كما أن العقل التداولي لا يخشى المتغيرات بل يراها فرصة لبدء علاقة جديدة مع الواقع. ولعل الشباب اليوم هم العنصر المحرك لكونهم الأكثر تمرسا لهذا العقل التداولي، في التعامل مع الواقع المتغير. فبات التغيير حياة مستمرة، ليتعلق غيرهم من الأجيال السابقة بكل طوق نجاة في محاولة مسايرة التغيير، لا خوفا إلا من النسيان نفسه في عالم يندفع سريعا نحو نظام جديد ما بين التكريس لأسماء دون غيرها، والتفاهة السطحية التي انتجتها سلطة المجتمع الاستهلاكية.

أجمل ما قرأته عن نظام التفاهة المسيطر على العالم اليوم، ما ذكرته الدكتورة مشاعل الهاجري في مقدمة الترجمة، بأنها تعودت الذهاب إلى الرفوف التي في جوانب وأطراف المكتبة، لأنه غالبا ما تتصدر واجهة المكتبة الكتب من هبة the best seller. لهذا أعتقد أن كثيرا من القائمين على المهرجانات والملتقيات يفكرون بعقلية the best seller، دون تجشم العناء في البحث عن كتب وأسماء أخرى يمكن أن تتفوق فنيا وفكريا، موجودة في أطراف الساحة وجوانبها.

فالتكريس الدائم لأسماء معينة دون غيرها في كثير من المهرجانات والملتقيات سببه أحد أمرين، إما جهل القائمين وكسلهم في البحث عن أسماء جديدة، أو لوجود مصلحة ما، وربما السببان معا.

ولكن السؤال، ما هو الجديد الذين سيقدمونه إذا كانت كتاباتهم تدور حول ذات المحاور التي بدأوا بها مشاريع الكتابة لديهم؟ أو بالأحرى ما هي الإضافة الجديدة التي سيضيفونها للمشهد الثقافي إذا كنا قد حفظنا ذات “المنيفيستو” الذي يقرأونه في كل صاعدة ونازلة؟

لهذا، فإن العقل التداولي كفيل بفك هذا التكريس وتحليل مستوى المتمترسين خلفه، ممن لا يملكون جديدا في الوعي الكتابي، ويستهلكون أو يعيدون إنتاج ما قرأوه لغيرهم أو إعادة تدوير ما كتبوه سابقا.

وعودة لكتاب نظام التفاهة لآلان دونو ، والذي تغلغل في نواحي الحياة المختلف، الفن، الأدب، السياسة، الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي وغيرها، توقفت طويلا عند جملة اقتبستها الدكتورة الهاجري في مقدمتها نقلا عن الكاتب السوري عبداللطيف الفرحان وأجدها أفضل ما يمكن أن يلخص واقع الكتابة اليوم:

“الكتابة عندي فرض كفاية، إذا كتب غيري وأجاد عن الموضوع فلا أجد كتاباتي إلا تكرارا. وبالتالي، فعزوفي عن الكتابة عنها ليس موقفا، بل إيمانًا بأنه ليس لدي ما أضيفه لقضية واضحة ومحسومة وصريحة. فالكتابة ليست إثبات موقف بل اضفاء قيمة معرفية” .

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

جنون الإبداع

سُئل مرة الكاتب الفرنسي أندريه موروا: هل جميع الروائيين مجانين أو عُصابيون؟

فأجاب موروا : «لا، الأصح أن نقول انهم كانوا سيصيرون جميعهم عُصابيين لولا أنهم أصبحوا روائيين. فالعُصاب يا سيدي، هو الذي يصنع الفنان، والفن هو الذي يشفيه». بموازاة ذلك، يقول الفيلسوف نيتشه: «دائما ما يوجد في الحب بعض الجنون، لكن دائما ما يوجد في الجنون منطق أيضا».

عند محاولة الوقوف أمام هذين القولين، نجد أن خيطا رفيعا يمتد بينهما، يتلون بحسب الظرف الكائن لكلا المبدع والمحب. فكلاهما، أو هو معا، يتشكل عبر فن ما، يكتسب وجوده في الحالة التي يمر بها الإنسان، بعدما أشبع بطاقة كونية هائلة، سرها ذرة صغيرة تفجرت في داخله مسببة هذا الانفجار الهائل من العاطفة والأحاسيس. فهل سبق ذلك دربة ما، أم أن الفطرة سلقت صاحبها منذ نعومة أظفاره؟

عرّف أحد الكتاب الانكليز الإبداع بأنه نتيجة التعب والجهد بنسبة 99 في المئة ونتيجة الإلهام بنسبة 1٪؜ في المئة فقط. فكل فنان في مجاله، غالبا ما يقف محتارا أمام بياض/ فراغ لوحة أو صفحة العمل المراد انتاجه وابداعه، ولا يمكن انجاز ما يريد إلا بعد وقت وجهد كبيرين.

يقول فلوبير في إحدى رسائله إلى عشيقته لويز كوليه: «لقد داخ رأسي وجف حلقي من كثرة ما بحثت عن جملة واحدة. لقد قلبتها على عشرات الوجوه ونجرتها وحفرتها، ثم ندبت وشتمت حتى توصلت أخيراً اليها… إنها رائعة، أعترف بذلك. ولكنها لم تولد دون مخاض وعذاب».

طرحنا في مناسبة سابقة، ما قاله الشاعر رامبو بأن الحب، كما نعلم، يجب أن يُبتكر من جديد. فكيف يُبتكر؟

بالفن نبتكر ذلك، حيث يحتوي لك الدفء، ويحمل لك الشمعة التي توقظ قناديل الطريق من تثاؤب الانتظار، ليستعبد الضياء قسوة الظلمة الموحشة في مكمن المشاعر ويحيلها جمرة شوق وشغف وشبق لا يستكين، والموجة التي تجرح كبرياء صخور النفـس العنيدة بجنـون. فوحده الجنون ما يكسر القيود، ويلغي حدود المعقول والمنطق، ولو كان ثمة منطق للجنون، كما ذكر نيتشه سابقا، فهو في الجنون ذاته كملاذ أخير للعبور للحياة أو منها.

فربما يكون الإبداع ضربا من الجنون، وقد يكون عُصابا يجد الشخص المريض به علاجه بالكتابة أو الفن حتى يستفرغ ما بداخله من أخطاء الماضي أو يهرب منها متخفيا بهالة الإعجاب من الآخرين حتى يجد ذاته ثانية، ويودعها الثقة من جديد.

وأختم بما قاله قاسم حداد:

سينال منك الجنون/ ما دام الأسلاف يرصدونك/ ويجمعون لك القرائن/ ليروك في الأخطاء./ جنونٌ تظن أنه نصـك الحصين/ فيما ترى نصلاً في الحنجرة/ والكتاب بيتك الأخير./ جنونٌ لك/ تناله و ينال منك.

أسلافٌ من الصـلد وفساد الروح/ لا تأمن ولا تأخذك غفلة عما يصفون./ جُنّ عليهم/ فليس فيهم من يرأف بك، ولا يسمعون لك/ ولا يريدون الحجة، وعلى مضضٍ يـقصلون.

أسلاف لك وأنت وحدك/ ينتخبونك مثل خصوم الله/ عدواً تتكفل به النقائض.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

ثأرُ المعنى

غالبا ما يحُاك المعنى من خيوط الحياة اليومية ، حيث تسحب التفاصيل لونها من الحدث ومن يشعلوه ، بدءا من اليقظة من الغفلة ، طقوس الاغتسال ، الخروج للعالم بوجه جديد ، المرور بأماكن عدة ، مقابلة ناس معينين صدفة أو بموعد سابق ، في زحام لا ينتهي من الالتزامات والمشاغل . وحده الفن الذي ينظر للعالم بعين أخرى مختلفة ، عين وكأنها مركبة على زئبق ، حائرة قلقة ، كما وصفها المتنبي .

والفن كون واسع يحتمل الكثير من الابداعات المشكلّة له ، ومنها فن الأدب المرتكز على اللغة كنسيج خيالي للكلمات ، فينقل لنا الناقد والروائي البحريني أمين صالح في كتابه ( السوريالية في عيون المرايا ) عن الروائي والشاعر الفرنسي أندريه بورتون بأن الشاعريخترق اللغة ويتغلغل فيها ، ومن خلالها يؤسس علاقة حميمة وعميقة مع العالم المادي . ولهذا أبدى السورياليون نفورا صريحا من الآلية المنطقية للجملة . لأن خلق غلة جديدة يعني خلق علاقات جديدة بين الكلمات ، خاصةعندما تقطع علاقتها مع السياق التقليدي لها أو العالم الذي نشأت فيه وتقطع الروابط التي تشدها الى مواقعها الأولى ، ولا تعود تحمل الا القدرالقليل من الأواصر اليومية ، عندئذ تكتسب معنى جديدا غير متوقع لا تعمل بموجبه الكلمات للمعنى الاعتيادي لها ولا السياق اليومي ، أي بمعنى تكسرولادة الاشراق مبكرا !

في حين يرى الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا ، رأيا آخر في كتابه ( حديث اللاطمأنينة ) عن تشكلّ المعنى : ” سوف نترك الغروب للغروب، معتنين بالفن وحده ، مستوعبينه شفوياً، ناقلينه هكذا بواسطة موسيقى تفهم بالقلب. لننصنع نحتاً للأجساد التي ستحتفظ، مرئية وممسوسة، برونقها متحركاً وبدورها ناعمة، سننشئ بيوتاً، فقط لنقيم فيها، وهو ما من أجله وجدت البيوت في النهاية، أما الشعر فسيبقى ليقرب الأطفال من النثر المستقبلي،لأن الشعر، بالفعل، طفولي وأولي وتحضيري.”

ما نحاول الوصول إليه ، قد لا يتشكل المعنى من المعاناة قبل الكتابة فقط ، وإنما من المعاناة ما بعدها أيضا ، لكونها صراع يعيشه الكاتب بشكل مستمر ، وقلق الوجود . فاللغة تحتمل الصنعة الفنية لا الصعلكة اللغوية ، في تنافرها المستمر مع الهيمنة السائدة للتفاصيل المملة ، وثورة المعنى على تكرره المُجرد من التجريب ، وتكرار اللفظ اعتباطيا . فيقول السوريالي البلجيكي بول نوجيه: “ليس كافيا خلق الشيء، ليس كافياً للشيء أن يكون أو يوجد، يجب أن نظهر قدرة الشيء، عبر وسيلة أو أداة بارعة ما، على إيقاظ رغبة المتفرج، أو حاجته، لتنويره”. وهو من أشار إلى محدودية وقصور اللغة بأن هناك كتّابا يستخدمون الكلمات بطريقة خاصة جدا. هم في الواقع يحسبون أنفسهم سادةً، أحراراًفي ممارسة هيمنة كاملة على اللغة. يحسبون أن في مقدورهم الاحتفاظ ببعض خاصيات الكلمات، مهملين الأخرى، لم يخامرهم أي شعور بأن ثورة اللغة عليهم ممكنة . ولهذا فإنه ستحقق ثأر المعنى وتكشف ضعف الفكرة أمام هزالة اللفظ ، ولو طال المدى !

ونقف كما البرتغالي ألفارو دي كامبوس في هذا المشهد :

“أن تشعر بكل الأشياء بكل الطرق،

أن تعيش كل الأشياء من كل الجهات،

أن تكون الشيء نفسه بكل الطرق الممكنة في الوقت نفسه،

أن تدرك في نفسك كل الإنسانية في كل لحظاتها،

في لحظة مبعثرة، مبالغة، كاملة، منفصلة واحدة”.

فهد توفيق الهندال