التصنيفات
مدونتي

عام الشعر العربي

بموافقة مجلس الوزراء السعودي، تمت تسمية عام 2023 بعام الشعر العربي، وذلك تعميقاً للاعتزاز بالتراث الإبداع وتأصيلاً لدور الجزيرة العربية وطناً لثقافة العرب وإنجازهم الحضاري، كما جاء في قرار مجلس الوزراء السعودي. ويأتي عام الشعر العربي بعد تسمية العام 2021 بعام الحرف العربي وعام 2022 بعام القهوة العربية، وشهدت المملكة فعاليات احتفائية متنوعة على مدار العام بهذه القيم والرموز العربية بما تشكلّه من امتداد حضاري عربي، وما يحمله من مخزون ثقافي عريق وأصيل.

وأجد عام الشعر العربي تجسيدا لرغبة جادة في استعادة الشعر لمكانته وهويته التاريخية والثقافية في الجزيرة العربية بعدما ازدحمت الساحة بتخمة روائية على حساب الرشاقة الشعرية، ولعل أهمية الشعر العربي تكمن في تكوين الهالة المعرفية والثقافية لدى المجتمع كما قال الشاعر جاسم الصحيح في تعليقه على تسمية عام الشعر العربي:”يجب أن نعترف أنّ الشعر يحتاج لمثل هذه المبادرة السامية التي تعمّق العلاقة الحاضرة بين المجتمع والشعر، وترتفع بها إلى مستوى الهالة المعرفية والثقافية، بدلاً من أن تبقى علاقة مقتصرة على الترفيه والاستئناس بالشعر فقط”.

عند الاطلاع على التقويم الثقافي للمؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية في المملكة نجد أنها منسجمة تماما وتسير وفق قرار مجلس الوزارء في اطلاق وسم الشعر العربي على عام 2023 بما حشّدته من فعاليات وأمسيات شعرية وندوات نقدية تدور في فلك الشعر والشعراء، بالاضافة لالتزام كافة وسائل الإعلام بحضور وسم عام الشعر العربي في مختلف جداول برامجها، كجزء من خطة تسويقية عامة على مدار العام، وهذا بطبيعة الحال سيساهم في صناعة جمهور مثقف ومبدع قادر على مواكبة الحداثة والتطور مع الاحتفاظ بروح الأصالة والهوية العربية.

عندما نجد اهتماما بالثقافة والإبداع من أعلى المستويات السياسية في المملكة، فهو استشعار لأهميتها في تشكيل المستقبل وحضورها كشريك استراتيجي في رؤية المملكة 2030 في بناء الإنسان قبل العمران وأن تكون الثقافة موردا من ايرادات المملكة، وهذا لن يكون إلا بوجود الشخص المناسب في المكان المناسب، ووضع الرؤى والأهداف التي سيكون لها نتائج مثمرة على المدى البعيد، ويكفي الاطلاع على كم المبادرات التي تقدمها وزارة الثقافة وهيئة الأدب والنشر والترجمة كمثالين وليس للحصر، ستجد عاما ثقافيا مليئا بالأفكار الجديدة وحضورا كبيرا من المهتمين والمتابعين، بفضل قيمة المحتوى وجدية الرؤية.

أخيرا.. كانت ليلة مذهلة بكل جوانبها بحضور صاحب السمو الملكي الشاعر بدر بن عبدالمحسن في أمسية لم يشهد لها نظير من تنظيم مبادرة إثراء، حاوره فيها الإعلامي القدير تركي الدخيل، وشهدها حضور كبير استمتع بهذه الاحتفالية شعرا وموسيقا وفنا تشكيليا وسط حضور عدد من الفنانين الكبار الذين غنوا للبدر، فكان بحق بدر التمام لليلة قلّما يجود بها الزمن.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

أنا البحر، لن تشتري صمتي طلقة طائِشة

من أجمل ما قرأت وسمعت من الشاعرة العمانية المتألقة عائشة السيف، التي لم يمنعها تخصصها الهندسي من خوض غمار بحر الشعر الذي يبدل قمصانه كل يوم، فقد انطلقت من أرض الشعر في عُمان في فلك الشعر العربي قبل أن تتوّج مؤخرا كأميرة للشعر كأول شاعرة -ربما- في مثل عمرها تتغلب على قامات الشعر في هذا الزمن.

قد نختلف أو نتفق على برنامج جاءت فكرته منطلقة من لقب أمير الشعراء الذي حمله لأول مرة أحمد شوقي، باجماع الشعراء والأدباء في عصره، لكن هذا لم يمنع من وجود شعراء لا يقلون أهمية معه كحافظ ابراهيم وخليل مطران و غيرهما.

ولكن من وجهة نظر. كان اسم البرنامج حافزا اعلاميا كما هو ثقافيا لكي يتبارى الشعراء ويصقلوا موهبتهم وقريحتهم في زمن بات يطلق عليه زمن الرواية، ولكن هذه الغواية لم تطفئ جذوة الشعر ودفئه، بل ساهمت في فك لثام الخجل عن كثيرين فشدوا الرحال نحو البرنامج وغيره من البرامج والمسابقات المعنية بالشعر.

فعلى غرار أمير الشعراء في أبوظبي، هناك مسابقة شاعر الرسول في كتارا بقطر، وهي شاهدة على تدفق الشعر في أسمى صوره في مدح سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم. فمثل هذه البرامج والمسابقات هي فرصة لحضور الشعر إعلاميا، وفرصة للشعراء لكي يستمتعوا وينصتوا ويتأملوا في تجاربهم الشعرية ويراجعوها.

نحن بحاجة لكي نتابع المشهد الشعري اليوم، فهو الحاجة الأدبية التي تهذّب الكثير من المشاعر والأنفس بعدما اختنقت بضجيج الرواية وزخمها الإعلامي. نحن نبحث عن شعراء يعيدون الوجه الأنيق للشعر، ويوسعون مدارك الوعي لدى المتلقي، بعيدا عن التنظير وصنمية الشكل ورتابة المعنى.

في احدى زياراتي لأحد منتديات الشباب، استمعت لعدد منهم، اللافت أن العمودي والتفعيلة كانا طاغيين على كل القصائد المقروءة، فتساءلت عن غياب قصيدة النثر، فما كان الرد من أحد الحاضرين: هذا شعر التغريب من المستعمر! ذهلت عندما سمعت مثل هذه الرأي الذي يمثّل جهلا لتاريخ كثير من شعراء قصيدة النثر، انطلقوا من التفعيلة وعبروا بوابتها نحو تجارب شعرية حديثة، في زمن باتت الشعرية فيه تحاكي الحياة وتمثّل كل أشكالها، ولا تتقوقع في شكل واحد. بل إن في الشعر العمودي أوالتفعيلة ما يضاهي في حداثته أفضل القصائد النثرية بما يضمه من شعرية مفترضة تفوقت على الشكل.

أخيرا.. وبعد اعلان فوز الشاعرة العمانية عائشة السيفي بلقب أمير الشعراء، كان متوقعا الهجوم الكبير والتشكيك وبث المقاطع المبتورة من سياقها لبعض قصائدها، وهذا ليس مستغربا، فقد نال ذلك مواطنها الشاعر جمال الملا الذي فاز بالدورة الأولى لشاعر الرسول في الدوحة، كما هو الحال مع الروائية العمانية جوخة الحارثي بعد فوزها بجائزة “المان” بوكر العالمية، وكأن الأدب مفصّل فقط على هوية معينة.

واختم بما بدأته، بما اخترته مما قالته عائشة :
إنهم يطلقون الرصاصَ الكثيفَ على شفتيّ
ويحترفُونَ امتصاصَ الهواءِ المقيمِ عَلَى رئتيّ

يرِيدُونني جثةً ليصلُّوا عليَّ ..
ويوجعهم أن بنتاً تحبُّ علانيةً دون رهبَةْ

إنهمْ يطلقُونَ الرصاصَ الكثيفَ على شَفتيّ ..
ولكنّهم كلمَا صوبوا أتلاشى ، وتحمِلُ أجنِحةٌ كتِفَيّ

وإنْ صوبُوا أتناسلُ
سلوَى، شميسَة، مريمَ، بشرَى
حنَانَ، وزهرَة ، أحلامَ

أصبحُ كلَّ النساء اللواتي ولدنَ
أو القادمَاتُ اللواتيْ سيولَدنَ
أنجُو -إذا صوّبُوا- فأنَا عائشَةْ

وأنا البَحرُ .. لنْ تشتريْ صمْتَهُ طلقَةٌ طَّائشةْ ..

***

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الطارئون في الكتابة للسياسة

أصبح العالم خلال فترة وجيزة أكبر منصة لتناول السياسة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، بصرف النظر عن الهوية والعمق التي تحتمها هذه الكتابات، ولكن أن تتصفح بعض الحسابات بشكل يومي، يصيبك العجب والملل في نفس الوقت من هذه المساحة الواسعة من المهتمين بالشأن السياسي، لتكون المنشورات والتغريدات مقياسك الحساس لفكرة صاحبها ومضمونها. وربما تعجبك تغريدات ومنشورات كثيرة ، في حين يصيبك مضمون بعضها بنوع من المغص المزعج . وقد ينطبق الأمر أيضا عند الآخر / القارئ !

في كتابه المختلف ، يقدم الإنجليزي جورج أورويل جملة من أفكاره وتأملاته وقراءاته التي تدور حول عالم الكتابة، وهو الروائي العتيد صاحب الأعمال المميزة والمؤثرة بقضاياها ورؤاها حتى اليوم – كرواية 1984 – لا يجد في كتابة المقال سوى رغبة ذاتية في التعبير عن بهجته عن شغفه المستمر تجاه الأسلوب النثري ، بعيدا عن التنظير السمج والرياء الفارغ . لذا ، فإن الجمهور الذي اختاره لم يكن من الطبقة الأرستقراطية بل الوسطى الدنيا غير المهنية التي لم تحظ بتعليم ثانوي والطبقة العاملة التي علّمت نفسها ذاتيا . ذلك مرده إلى أن أدب أورويل كان شعبيا في توجهه وليس نخبويا متعاليا .

في كتاب أورويل ( لماذا أكتب ) والذي ترجمه للعربية بكل اقتدار البحريني علي مدن وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ووزارة الثقافة البحرينية ، تم اختيار جملة من مقالاته التي عبّر عنها أورويل في أمنيته بأن يجعل الكتابة السياسية فناً ، برغم أن مقالاته هنا ليست منشورات سياسية وإنما تركيزها أدبي ، إلا أنه يرى أن كل كاتب هو بشكل ما داعية سياسي ، وأن مواضيعه محكومة بالرسالة التي يحاول نشرها . ولذلك كانت مقالاته نصيب دراسات محدودة لدراسة الفن الشعبي على اعتبار أنها تعبر بطريقة أو بأخرى عن المزاج العام غير الرسمي . وهنا جوهر أصل وفكرة المقال أنه تعبير عن رأي عام وفق نظرة شخصية قابلة للنقاش ومجبرة بالموضوعية مع الآخر ، على أساس أن كاتب المقال هو كاتب حقيقي متى ما فكّر باستقلالية وحرية أكثر من الأقلام المأجورة أو المروجة لأفكار حزبية ما . وهو ما قال عنه أورويل مرة : ” الكاتب ليس بامكانه أن يكون عضوا مخلصا في حزب سياسي ” . يقول ذلك وهو اليساري النشط والمؤيد لحزب العمال ، وقد يراه البعض تناقضا بقدر ما أراه شفافية ومصداقية لكاتب حقيقي ، يكتب عن واقع ملموس عليه أن يستمر في دورة حياته وأن لا تتوقف لأي سبب ، خاصة لو كان سياسيا ، لأن الحياة أشمل وأعم من هستيريا سياسية عابرة . لأختم المقال بهذا الاقتباس من مقاله ( بعض الأفكار حول العلجوم الشائع ) ليكون نصيحةلبعض المحسوبين على المقال السياسي شكلا وسطحا لا عمقا وفهما :” كم مرة وقفت وأنا أرى العلاجيم تتكاثر ، أو أرنبين بريين يقومان بمباراة ملاكمة في حقل قمح ناشئ ، وفكرت بكل الأشخاص المهمين الذين سوف يمنعونني من الاستمتاع بهذا لو أمكنهم ، لكن لحسن الحظ ليس بوسعهم عمل ذلك ، طالما أنك لست مريضا فعليا أو جائعا أو خائفا أو محبوسا في سجن أو مخيم عطلة ، الربيع ما يزال هو الربيع . القنابل النووية تتراكم في المصانع ، وافراد الشرطة يطوفون عبر المدن ، والأكاذيب تتدفق من مكبرات الصوت ، لكن الأرض ماتزال تدور حول الشمس ، لا الدكتاتوريون ولا البيروقراطيون – مهما اعترضوا بعمق على العملية – قادرون على ايقافها ” .

ما يود قوله أورويل في هذا الكتاب وأحاول اسقاطه في هذا المقال، أن من أهم أسباب تردي الكتابة للسياسة، هو هذا الزخم الكبير ممن يعتقدون أنهم كتّاب أو محللي سياسة، عبر حساباتهم الشخصية، ثم يتحولوا لضيوف دائمين في برامج سياسة وهم لا يملكون رصيدا وافرا من القراءات والمعرفة التي تؤهلهم لذلك، وهو ما تكتشفه في تعميم السطحية أو افتعال المعارك الكلامية دون أدنى قدرة على التحليل المنطقي والاقناع.

ولعل هذا ينسحب على الشأن الثقافي، فكثرة من يطلقون على أنفسهم كتّاب جعل الناس يضعون التفاح السليم مع الفاسد في نفس السلة.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

كانت لنا أيام في الدمام

بدعوة كريمة من رابطة الأدباء في الكويت، وضيافة أصيلة من نادي المنطقة الشرقية الأدبي، شاركت في المنتدى الثقافي الخليجي الثاني خلال الفترة (19-20 فبراير 2023) تحت عنوان (الحركة النقدية في دول مجلس التعاون الخليجي خلال عشرين عاما)، شاركني في هذه الدعوة الاستاذ الدكتور سالم عباس خداده باحثا وشاعرا ورفيقا في رحلة السفر. وأبا أحمد شخصية تتمتع بموسوعة شعرية مذهلة وروح أدبية جميلة.

تضمن المنتدى على مدى يومين أربعة جلسات نقدية وأمسيتين شعريتين ضمن مهرجان شعري حمل اسم دورة الشاعر عبدالله بن علي آل عبدالقادر في مئويته الأولى، شارك في الأمسيتين جمع مع شعراء دول مجلس التعاون الخليجي بقصائد أطربت المساء والعقول والقلوب. كان المنتدى فرصة ثمينة في التعارف والحوارات، مثمنين كرم الضيافة والحفاوة من أسرة نادي المنطقة الشرقية الأدبي، وعلى رأسهم الأستاذ الفاضل محمد بن عبدالله بودي، الذي لم يدخر جهدا في أن يعيش الجميع روح الأخوة والعائلة الواحدة خلال تواجدنا في المنتدى.

من جهتي، قدمت ورقة استعرضت فيها الجهود النقدية الأدبية في الكويت خلال عشرين عاما (2002-2022) لكوني أحد الفاعلين بها والشاهدين عليها ، سواء للمؤسسات الرسمية أو الأهلية أو الأفراد، بما يوثّق للحركة النقدية الأدبية وتعزيزا واستكمالا الدور الريادي المؤسس لها.

وعلى هامش المنتدى، كانت للوفود زيارات لعدد من معالم المنطقة الشرقية في الدمام والأحساء، حيث زيارة لأحد مصانع التمور والوقوف ميدانيا على عملية تصنيع التمور، بعدها زيارة قصر محافظ الأحساء صاحب السمو الملكي سعود بن طلال بن بدر بن عبدالعزيز آل سعود والسلام عليه. ثم تضمنت جولتنا زيارة جبل قارة العجيب بمعالمه وعوالمه، وزيارة المدرسة الأميرية، ثم سوق القيصرية، حيث مهرجان التمور الموسمي.

بعدها زيارة مجلس الشيخ عبدالعزيز بودي، لتنتهي الجولة باقامة حفل عشاء على شرف الوفود في بستان الحماد الكرام، وعدنا لمقر اقامة الوفود والعودة للكويت صباح اليوم التالي.

لقد حفرت هذه الزيارة والدعوة نقطة مهمة جدا، اقتبس معها عنوان كتاب الدكتور غازي القصيبي رحمه الله ( الخليج يتحدث شعرا ونثرا) بأنه يتحدث نقدا أيضا، ولا أعتقد أن الأمر مقصور علينا نحن القائمين على النقد في الكويت، وإنما بكل المهتمين بالعمل النقدي أو الحركة الإبداعية ككل في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وسط ما نشهده من انفجار سردي هائل جدا، ووسط تزاحم وتنافس الأجيال المتعددة في عقد واحد على الكتابة الإبداعية، حافز معظمها في ذلك الجوائز الأدبية التي تناسلت أكثر من قبل ، دافعها الرغبة في الحضور المستمر في المشهد الثقافي ، محركها الورش المهتمة في الكتابة الإبداعية.

فالنقد مهمة ليست سهلة، وليست محصورة بالفرد دون المجتمع، الذي مهما اجتهد فإنه يقاتل لوحده في ميدان يكتفي البقية فيه بالتفرج والتذمر.

لهذا توجهت مجموعة من المبدعين والمتخصصين لتأسيس مختبرات خاصة بالتحليل النقدي للكتابات الإبداعية، وأُنشئت بيوت للشعر والسرد ، يهتم مؤسسوها وروادها في متابعة وتحليل المشهد عبر نصوص مبدعيه ، دون أدنى دعم من المؤسسات الرسمية .

لهذا، التواصل مطلوب بين الملتقيات الثقافية مع المختبرات السردية في تبادل الخبرات والمقترحات، تتجاوز حالة الجزر الثقافية التي تعيشها معظم الملتقيات والتجمعات الثقافية في الكويت والمنطقة العربية. وهذا ما نأمله أن يتحقق قريبا،

فمهم جدا هذا اللقاءات الخليجية لتعزيز روح الأخوة والتعاون بين أبناء المنطقة في زمن باتت فيها منطقة الخليج العربي محركة للاقتصاد والسياسة العالميين، كما أنها باتت قبلة الأدب والنقد والبحث العلمي، ومنصة الجوائز الأدبية المرموقة وواحة آمنة مستقرة أدام الله عليها أمنها وأمانها بعزيمة أبناءها المخلصين.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

النص الروائي ومتاهته!

لاشك عند تحوّل الرواية التفاعلية إلى رواية منشورة أي مطبوعة، يعني انتفاء صفتها التفاعلية، لكونها باتت في صورة نهائية لا تقبل التعديل لاحقا، كما يظن. ولكن ألا يمكن أن تنشر منها طبعات لاحقة، قد تكون فيها استدراكات أو تعديلات عليها بعد تفاعل المتلقين معها كمطبوعة؟

من المعروف أن هناك طبعات معدّلة أو منقحة لروايات سبق لها أن صدرت في طبعات أولى، وجد الكاتب أو الناشر ضرورة في اصدار طبعات جديدة مَزيدة أو منقحة بناء على ردة فعل من القراء وآرائهم، أو أنها صدرت كأجزاء متفرقة، ثم صدرت جميعها في مجلد واحد. إذن كان هناك بالأصل تفاعل مع المتلقي، ولكنه تفاعل لاحق وليس متزامن.

ثمة أسئلة تحتاج مرانا كبيرا واطلاعا واسعا على مزاجية وانتقائية المتلقي، لأنه في الحالتين سلطة لا مناص منها و إليها.

والرواية التقليدية عانت من هذه السلطة لطبيعة التواصل اللاحق مع العمل دون أدنى فرصة للتفاعل مع النص والكاتب. وقد أتساءل هنا .. على مَن تقع مسؤولية تراجع الوظيفة التوصيلية في الرواية؟ هل تقع على عاتق المبدع (الروائي)، أم (المتلقي)، أم النص (الرواية)؟ 

بهذا السؤال انطلقت الناقدة السورية أسماء معيكل في كتابها ( الأفق المفتوح – نظريّة التوصيل في الخطاب الروائي المعاصر ) حيث أنها وصلت لنتيجة شبه نهائية ، أنه ومع ثورة المعلوماتية في عصر التكنولوجيا المتقدمة، بدأ المبدع يحسّ بتراجع دور القراءة مما جعله يهمل القارئ عموما، ويجنح إلى تغليب الجانب الذاتي في إبداعه على الجانب الموضوعي، وهذا أدّى إلى تراجع الوظيفة التواصلية ، برغم أنها الأساسية للرواية. لأنّ المبد ع – كما ترى معيكل – لم يعد يهتم بمتلقيه ، بقدر ما هو مهتم بالتعبير عن قناعاته ورؤاه بعيداً من الموضوعية، وهو ما انعكس سلبا على المتلقي الذي بدأ يشعر بإهمال المبدع له وربما تعاليه عليه ، مما جعل عدد القراء الذين ما زالوا يقرأون له في تراجع مستمر من جهة. ومن جهة ثانية، أخذ القارئ يتّهم المبدع بالغموض والإغراب وصعوبة فهمه. وبدوره رفض المبدع الاتهامات الموجهة اليه ، وراح يحض القارئ على ضرورة تسلّحه بالأدوات المعرفيّة اللازمة لفتح أبواب النص، والدخول إلى عالمه. كما بدأ يطالب بوجود قارئ خارق أو نموذجي لنصه.

خلاصة ما تحاول أن تصل إليه معيكل أنه بات بعض الكتاب يخلق لنفسه قراء خاصين به ربما بشروط معرفته وثقافته، لا يقبل  من غيرهم أي أسئلة أو ملاحظات مادام أنهم خارج حظيرته.  وهو ما يعني انغلاق أعماله عليه وعلى من حوله فقط. هل يمكن أن ننفي صفة التفاعلية مع الرواية التقليدية بهذه الحال؟ 

في حين ، يكون الأمر مغايرا للروائي الباحث عن العالمية ، الذي يرى في أعماله – وترجمتها خاصة – وسيلة للحوار مع الآخر المختلف معه ، متجاوزا لغته ومدارك ثقافته ومعرفته،  دون مواربة أو خوف من اتساع أفق الآخر . 

لعل هذا ما يمكن تلمسه مع روائي عالمي مثل جابرييل غارسيا ماركيز الذي يصرح وهو في مجده الأدبي العالمي أنه بدأ الكتابة بمحض الصدفة ، فقط ليبرهن لأحد أصدقائه أن جيله قادر على أنجاب كتّاب ، ليسقط في شرك الكتابة ويجد فيها المتعة، ثم في الشرك التالي وهو اكتشاف أن عشقه للكتابة يفوق حبه لأي شيء آخر في الدنيا. لأسرد موقفا عنه ذكره الصحافي الكولومبي أليساندرو دوكي ، الذي زار  ماركيز بينما  كان يكتب رواية ( الجنرال في متاهته) ، ولاحظ كيف توقف ماركيز عن الكتابة فجأة وأجرى مكالمة هاتفية، صدمت دوكي نفسه ، حيث اتصل ليسأل أحد علماء الفلك إن كان قد تحقّق من أن القمر كان بدراً في 10 يونيو 1813 ، فجاءت الإجابة مخيّبة لآماله ، لأن ماركيز تغيّر وجهه وطلب من متحدّثه التأكد من هذه المعلومة  في  أقرب وقت ممكن لأمر مهم وعاجل وخاص بفصل كامل  بالرواية . فسأله دوكي ( أي قارئ سيهتم بهذه المعلومة، ومن سيبحث إن كان القمر يوم 10 يونيو 1813 كاملاً أم لا ؟) فأجابه ماركيز بأهمية وجود قارئ متابع للروائي، مستشهدا باسم فرناندو غارابيتو الذي كان يمسك بأخطاء ماركيز في روايات سابقة ، وبناء على ذلك يعتبره أصعب قارئ له ، ورغم أنه لم يكن يعرفه شخصياً.  

وعندما صدرت رواية ( الجنرال في متاهته) لم يجد دوكي الفصل الذي يحتوي على ليلة العاشر من يونيو 1813 في غرناطة الجديدة ، حيث لم يكن قمرها بدراً كما تمنى ماركيز. ليكمل دوكي أنه بعد ثلاث أو أربع سنوات تعرّف إلى غارابيتو شخصيا وأخبره بلقائه بماركيز وما حدث. حينها قال غارابيتو: ( من المؤسف أن نُحرم من فصل بهذا الجمال بسببي). 

بالمقابل، كان هناك تفاعل بين الروائي امبرتو ايكو وقرائه حول بعض أعمتاله الروائية، كتغييره لاسم شخصية روائية حتى لا يكون هناك ترابط نصي سهل المعاينة والادراك مع حياة روائي يحمل ذات الإسم. فللقارئ الحق في الربط بينهما. أو عندم سأله أحد أصدقائه عن اسم امبارو في رواية (بندول فوكو)، بأنه بالأصل اسم لجبل مذكور في بعض الأغاني الشعبية، مما سبب مفاجأة لايكو، وغيرها من الحكايات التي ذكرها عن تفاعل القراء معه، فلنتخيّل لو كان هناك تفاعل بالأصل قائم بين الروائي وقراءه عبر روابط متاحة للتواصل والتعليق؟

وهذا ما نحاول الوصول إليه، بأن أثر الرواية التفاعلية من الممكن أن يكون حميدا ومنجزا للنص في حال اتصاله مع المتلقي في لحظة الخلق والتكوين للنص. 

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الرائحة الأخيرة للمكان

يبدو أن الصديق القاص الخطّاب المزروعي تنبأ في القصة التي حملت العنوان أعلاه، ما يمكن أن تؤول إليه ظروف الواقع المرة، وتغيّرات الحياة الثقيلة على حياتنا المُثقلة أساسا بكل ارهاصات الماضي وتقلبات وقلق المستقبل.
في بيان نشر على حساب مكتبة لوتس العُمانية- والخطاب المزروعي أحد ملاكها- أعلن عن تصفية وإغلاق المكتبة وتوقف حلم الزهرة التي أُريد منها أن تساهم في حراك النشاط الثقافي ودعم مكانة القارئ، ولعل التوقف مرده إلى الآثار الناجمة عن جائحة كورونا، وما ترتب عليها من توقف المعارض وارتفاع كلفة الشحن وتوقف الكثير من النشاطات التجارية مع ضعف القدرة الشرائية لكثير من المنتجات ومنها الكتب، دون أن يُسعف الوقت في تعافي الوضع بعد زوال الجائحة في أن تنشل المكتبة ذاتها من جائحة الخسائر والصعوبات.
عندما اقرأ بين فترة وأخرى خبر تصفية واغلاق مكتبة أو توقف عمل دار نشر بسبب الآثار المترتبة على كورونا واللامبالاة في دعم أصحابها، أوقن بأن الثقافة تسير نحو الاحتضار في زمن انهيار بعض المؤسسات الأهلية الراعية للثقافة وقد كانت يوما ما الرديف المجتمعي للمؤسسات الثقافية الرسمية، وهو ما يمكن أن يظهر أثره الخطير في القادم من السنوات.
لذلك، على مؤسسات المجتمع المدني، ومنصات الثقافة أن تنتبه لما يحدث حولها، وأن تلتف حول بعضها البعض، وتسند ذاتها مع غيرها سواء المؤتلف أو المختلف مادامت الثقافة هاجسها ومنهجها، لتخرج من عزلتها وانغلاقها في جزر ثقافية لا توجد بينها جسور.
والدعم المنشود لا يتمثل في الجانب المالي، وإنما في اتاحة واشاعة الفرص وتبادل المنفعة وتبني المساحة المشتركة بعيدا عن المقاطعة والاقصاء.
لم يكن بيان مكتبة لوتس الأخير سوى صرخة ضمن موجة من الصرخات التي اطلقها قبلها وربما سيطلقها بعدهم مشاريع ثقافية فقدت الأمل في تحسن بيئة العمل، وكما جاء في البيان من كلمة شكر أخيرة، والتي شملت كل زار المكتبة وشارك في لحظاتها السعيدة وكل من حاول ولم يتمكن ولمن خذل!
لأستعير هنا ما جاء في سرد تلك القصة التي حمل مقالنا هذا عنوانها، ما قاله السارد:
” هنا أنا الآن واتتني اللحظة لكي أكتب لكم، ليس بداعي الفرجة، ولا أريد منكم إشفاقا، فلكم أن توفروا ذلك على أرواحكم البائسة، بائسة لأن روحي جزء من أرواحكم وذاكرتكم المريضة! “.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الرواية التفاعلية وأثرها على الرواية الواقعية

 يكاد يقترب جيرار جينيت من فكرة التفاعل ضمن إطار المناص التأليفي الخاص بالمؤلف الذي حدده بقوله: ” هو تلك المنطقة المترددة بين الداخل والخارج، المصاحبة لنصها، والعاضدة له شرحا وتفسيرا، فالمناص نص ولكن نص يوازي نصه الأصلي، محققا بذلك نصيته من خلال ميثاقه (التخييلي) مع الكاتب، ومحققا كذلك مناصيته بمعاقدته (طباعيا) مع الناشر، فالمناصية هي ما تجعل من النص كتابا يقترح نفسه (بمصاحباته: النص المحيط، والنص الفوقي)، على قرائه خاصة، وجمهوره المستهدف عامة. ” 

هذا يحيلنا بالأساس إلى مصطلح جيرار جينيت Paratext، الذي تُرجم إلى المناص أو العتبات أو النص الموازي.  

 فالمناص عند يقطين بأنها تلك “البنية النصية التي تشترك وبنية نصية أصلية في مقام وسياق معينين، وتجاورها محافظة على بنيتها كاملة ومستقلة، وهذه البنية النصية قد تكون شعرا أو نثرا، وقد تنتمي إلى خطابات عديدة، كما أنها قد تأتي هامشا أو تعليقا على مقطع سردي، أو حوار وما شابه”.

وبتعبير سابق لـ(بورخيس) البهو الذي يسمح لكل منا دخوله أو الرجوع منه”.

وهو ما قد يعني، أهمية الدور التواصلي الذي قد تلعبه البنية في توجيه القراءة.

 إضافة إلى Paratext هناك مصطلح جينيت الآخر Epitexte، أي النص الفوقي أو النص الموازي الخارجي، وهو “يكتب بمنأى عن النص، وإن كان جزءا من رؤية كاتبه، ومتصل بعوامله اتصالا وثيقا” . 

 فهذا النوع يتعلق بكل ما له صلة بالكتاب من الخارج، كنقده، وتقديم، قراءة فيه، اللقاءات مع الكاتب، الحوارات، المناقشات، ندوات، تعليقات، مراسلات، مشاركات. وهو بطبيعة الحال، متأخر زمنيا عن الكتاب، أي النص الأساس أو المتن، لأن الكتاب هنا وسيلته النشر الطباعي/الورقي/الخطي. ومع كل نقاط التلاقي، مع النص والكاتب، إلا أن العلاقة هنا بين تبقى منحصرة ضمن تفاعل غير مباشرة. ولأهمية دور التفاعل المباشرعند بعض الكتاب، وبعد ثورة المعلومات، أصبحت هناك حاجة ماسة لتنوع الوسائل والوسائط للسرد، لاسيما وأن السرد متعدد الوسائط كما ذكر جيرالد برنس بأن دانتو و غريماس و تودوروف قرروا أن السرد يجب أن يتضمن موضوعا متصلا ويشكل كلا متكاملا، والوسائط (الميديا) السردية للعرض متنوعة ( شفهية ومكتوبة ولغة من السيميائيات وصور متحركة أو ثابتة وإيماءات وموسيقى أو اية توليفة منتظمة منهم). 

وهذا يتصل بمصطلح آخر، Narrative medium  الوسط السردي، وهو بتعريف برنس: ” مادة المستوى التعبيري للسرد، ففي السرد المكتوب مثلا الوسيط هو اللغة المكتوبة، وفي السرد الشفهي فإن الوسيط هو اللغة الشفهية”. ما يعني أنه يمكن أضافة أنواع جديدة، وسط الصورة كما في الرويات المصورة (الكوميكس) ووسط الصوت (الكتاب الصوتي). 

إذن لدينا منظومة سردية يمكن أن تكون متكاملة، وتحقق خطابا روائيا جديدا يعتمد على جميع أطراف العلاقة، لأعود ثانية إلى يقطين وما يمكن أن يتجلى عن السرد: 

” يتحدد الحكي (السرد ) بالنسبة لي كتجل خطابي ، سواء كان هذا الخطاب يوظف اللغة أو غيرها. ويتشكل هذا التجلي الخطابي من توالي أحداث مترابطة، تحكمها علاقات متداخلة بين مختلف مكوناتها وعناصرها. وبما أن الحكي بهذا التحديد متعدد الوسائط التي عبرها يتجلى كخطاب أمام متلقيه، نفترض – على غرار ما ذهب إليه بارت – أنه يمكن أن يقدم بواسطة اللغة أو الحركة أو الصورة المنفـردة أو مجتمعة بحسب نوعية الخطاب الحكائي ”  . 

بهذا لم تكن التكنولوجيا، لوحدها سببا في تأسيس مفهوم الترابط النصيالذي يتصل بمفهوم التفاعل النصي سواء مطبوعا أو الكترونيا، وإنما أيضالتقديم رؤية مختلفة عن العالم، والاندماج معه، والخروج عن أي وصاية على النص، ليس بعد انتاجه، بل قبله وأثناءه، فكانت الحاجة لنص آخر، أكثر انتاحية وفعالية من قبل المتلقي.

فهل تحتاج الرواية العربية الجديدة لذلك؟

ذكر شكري عزيز الماضي في كتابه ( أنماط الرواية العربية الجديدة ) أنه من البداهة القول، إن الرواية الجديدة ، تعبير فني عن حدة الأزمات المصيرية التي تواجه الإنسان، تسعى لتأسيس ذائقة جديدة أو وعي جمالي جديد، مستندة إلى جماليات التفكك تماهياً مع تشظى الأبنية المجتمعية، وفقدان الإنسان وحدته مع ذاته.

كما يشير إلى أن الرواية الجديدة لا تمتلك لغة واحدة ، بل نلحظ أحياناً تمرداً على اللغة وتراكيبها المألوفة وقواعدها، ثم إن الشكـل في الرواية الجديدة ليس قالباً جاهزاً يلقى على التجربة  فيحتويها ، بل شكل ينمو من خلال التجربة ويخضع لمتطلباتها ، بمعنى أن الشكل تجريبي يخلقه كل من المؤلف والقارئ ، ولذلك فالتصميم المتناثر للرواية الجديدة ينطوي في داخله على دوائر دلالية جزئية تمكن القارئ من استخلاص الدلالة الكلية للرواية وأهدافها من خلال علاقتها بحركة الواقع/ العالم. 

ففي عالم بات مفتوحا على الآخر، ومتجاوزا كل حدود السلطة والرقابة، بات المبدع العربي يجد نفسها مضطرا إلى أهمية انفتاح النص والتشابك مع حرية اختيار الآخر لتلقي النص، في تحديث تقنيات الكتابة والخطاب، وتنوع الوسيلة والوسط. فوجد الفرصة متاحة في أن يمارس حريته النصية وتحرره من سلطة الرقيب والنشر، فاتجه الكاتب والمتلقي معا إلى عوالم جديدة، فبمحاذاة النص الروائي، باتت هناك بنية روائية جديدة تتطلب وعيا بأهمية النص المترابط أو التشعبي hypertext ، والفنيات المرتبطة به، حيث تحول العمل الروائي بكل تقنياته الكتابية مع تقنيات جديدة بصرية، صوتية، وغيرها إلى روابط نصية. 

وقد عرفت اللغة العربية النص المتشعب أو المتفرع في شرح المتون والحواشي المتفرعة وحاشية الحاشية، ولا يبدو النص المتشعب فقط في المتون والحواشي وأسلوب الاستطراد بل يبدو تشعب النص في المقالات المعروفة للقارئ والناقد. كما أن فكرة التفاعل متحققة فعلا في تعليقات القراء ومداخلاتهم على النصوص المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي. كما يذكر الدكتور بسيوني : “أن النص التشعبي سبق الأجهزة الحاسوبية وشبكة المعلومات عندما اقترحه فانيفار بوش عام 1945 بفكرة توفير المعلومات الجماعية والمرنة في نظام يسمح للمستخدم بتنظيم طريقة معلومات ذات طبيعة مختلفة، بمعنى أنه تنظيم من قبل فكرة القارئ بخيال أكثر حرية واقل تقييدا في القراءة.”

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، إذا كانت الرواية عملا منشورا، وقرر الكاتب إعادة إنتاجها عبر تجريب الرواية التفاعلية، هل يمكن أن نسميها بعد ذلك تفاعلية؟

كذلك، إذا كان الرواية بالأصل تفاعلية، وتحولت للنشر الطباعي، هل فقدت تفاعليتها؟

ثمة أسئلة تحتاج مرانا كبيرا واطلاعا واسعا على مزاجية وانتقائية المتلقي، لأنه في الحالتين سلطة لا مناص منها و إليها.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

كأس العالم ببشت خليجي

على مدى شهر تقريبا، قضى العالم وقتا ممتعا وحماسيا مع الساحرة المستديرة، في مهرجان رياضي دولي عبّر عن حاجة البشر إلى فسحة قصيرة لالتقاط أنفاسه وايقاف الزمن لبُرهة، لينسوا فيها الصراعات ووجوهها المختلفة، ونذر الحرب النووية، ليعيش متنفسا جميلا متمثلا بلعبة كرة القدم التي أطلق عليه الفيلسوف الايطالي غرامشي (مملكة الوفاء البشري التي تمارس في الهواء الطلق).

ما يشدك في مشهد افتتاح البطولة الدولية التي أقيمت في الدوحة، هو ذلك الحوار المُدهش بين الممثل العالمي مورجان فريمان والشاب القطري المعجزة غانم المفتاح الذي افتتح الحوار بقوله تعالى:” يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكم”.

فيقول مورغان: “أرى الآن أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا.. كيف يمكن أن نديم التوافق أكثر وأكثر”. فأجابه الشاب القطري: “بالتسامح والاحترام يمكن أن نحيا معاً تحت سقف واحد”.

وهذا ما عملت عليه دولة قطر من بداية استعدادها لتنظيم بطولة كأس العالم، وكيف يمكن أن تنسجم البطولة الدولية مع طبيعة وعادات أهل البلد والمنطقة في تحدٍ كبير لكل ما سبق من مظاهر واحتفالات الدورات السابقة للبطولة في أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا.

فبالتسامح والاحترام فرضت قطر هيبة هُويتها وثقافتها العربية والإسلامية، فلا يعلو أي اعتبار على هُويتها وخصوصيتها، سواء ما تجسّد في حفل الافتتاح أو أثناء الدورة وصولا إلى حفل الختام حيث حرصت على حضور الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي مرتديا الكوفية الفلسطينية وملقيا كلمة تعبر عن أهمية حق الشعوب في السلام والوجود.

ولأن قطر آمنت بأهمية اعتزاز الإنسان العربي بمبادئه وهويته، جعلها ذلك عرضة لهجوم كثير من الصحافة والأقلام الغربية محاولة تقليل أهمية البطولة الحالية أو مصادرة فرص نجاحها. فكان الرد الحاسم على أرض الواقع بالتنظيم المتفوق على مستوى عالمي غير مسبوق بإشراف قطري محترف جدا، ليكون مبعث فخر كبير لأبناء الخليج. وهو ما اكتمل رمزيا في نهاية تتويج المنتخب الأرجنتيني بإلباس اللاعب العالمي ليونيل ميسي البشت الخليجي كدلالة على نجاح البطولة على أرض الخليج، وردا على كل من شكك بقدرة قطر على تنظيم البطولة، ورسالة بأن دول الخليج العربية ليست فقط منتجة للنفط، بل صارت مركزا للثقافة والفن والرياضة على مستوى العالم أجمع.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

في اليوم العالمي للفلسفة

يحتفل العالم بيوم 19 نوفمبر بالفلسفة، لكونها محركة العقل البشري والحوار الحضاري بين الأمم. ويمكن اختصار الفلسفة بأنها حبُّ الحكمة، أي التوازن في التفكير والاعتدال في التعامل مع وجهات الرأي المختلفة وبعد النظر في رسم المستقبل.

وللفلسفة مجالات كثيرة، وتفرعت منها علوم شتى، لهذا عندما يصل طالب العلم إلى درجة الدكتوراه PHD فهو حاز درجة الدكتوراه في فلسفة المجال العلمي الذي تخصص به. ولكن العبرة في الاستمرار بالبحث العلمي و التحليل الفكري لقضايا البشرية، عبر بحوث ودراسات واصدارات تكون شاهدة على الإرث الفلسفي له.

ومع ذلك، ليست الفلسفة حكرا على باحثي ودارسي كليات وأقسام الفلسفة، وإنما هي مشاعة لكل من تخصص في مجاله وقدّم نظريات حديثة وساهم في تعديل مسار تحليل الفكر العلمي مما له دور في تنمية الوعي المجتمعي.

فالفيلسوف إنسان مبدع بطبعه، فهناك الفيلسوف الشاعر، الروائي، المسرحي، الفنان، الناقد.

أخيرا.. حول فكرة الفلسفة أعجبني ما قاله امبرتو ايكو عن سبب غزارة انتاجه، فرد قائلا:

“أعطاني إياها أحد أساتذتي عندما كُنت فتياً. إذ قال لي يوماً: يجب أن تعرف يا أُمبرتو أننا نولد وفي رأسنا فكرة واحدة، وأننا نعيش كل حياتنا ساعين وراء تلك الفكرة بالذات. أذكر أني أعتقدتُ يومذاك أن أستاذي هذا في غاية الرجعية لإلغائه كل احتمالات التغيير لدى الإنسان. لكني إذا رحتُ أنضج، اكتشفتُ أنه على حق، وأني طوال حياتي لم أسع إلا وراء فكرة واحدة فقط لا غير: المشكلة هي أني لم أعرف بعد ما هي تلك الفكرة! لكني متفائل وآمل في اكتشافها قبل موتي.”

إذن الفلسفة هي بحث عن فكرة واحدة تشغل عقلنا منذ ولادتنا، وقد لا نجدها، دون أن نتحول لظاهرة صوتية تجتر من الفلسفة اسمها المجرد فقط. ولعل هذا كان سبب سخط جان جاك روسو من كثير ممن انتسبوا للفلسفة أو احتسبوا عليها بقوله: “امتلأ الفكر الفلسفي بترهات يخجل منها المرء إذا نزع عنها زينتها الكلامية”!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الإعلام الشعبي المطلوب

في خطاب وثيقة العهد الجديد الذي تفضّل به سمو ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد الصباح حفظه الله في افتتاح دور الانعقاد الأول للفصل التشريعي السابع عشر، جاء تأكيد سموه على دور الإعلام وأهمية المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار، بتفعيل دورها المطلوب في مراقبة الأداء البرلماني والحكومي. لهذا وجّه سموه الجهاز الإعلامي في الحكومة ممثلة بوزارة الإعلام باعتبارها إعلاما ملكا للشعب وليس إعلاما خاصا للحكومة، بأن تقوم وكافة أجهزتها بعقد ندوات من خلال ملتق شعبي لاستعراض كل ما يعرض في مجلس الأمة أو مجلس الوزراء من مشاريع وقرارات تهم المواطنين، بهدف المناقشة والاطلاع من قبل المواطنين ومعرفة ما تم تشريعه وتنفيذه وإنجازه.

المتأمل لما احتواه خطاب سمو ولي العهد بما تعلّق بدور الإعلام هو توجيه لكي يفعّل الإعلام الرسمي دوره المفترض في أن يكون حلقة الوصل الشفافة والوسيط الفعّال بين المواطن والمشرّع والمسؤول، عبر حوارات مباشرة وبرامج إعلامية تؤكد على السقف العالي في ابداء وجهات النظر وتحمل مسؤولية هذه الحرية في ايصال رسالة المواطن لمركز القرار وما وقف عليه من ملاحظات و تعليقات على أداء الحكومة والمجلس و المشاريع المتصل بهما، وهو ما كان فاعلا في سنوات ماضية كانت فيه مساحة كبيرة للبرامج المتفاعلة مع قضايا المجتمع وهمومه و طموحه بعيدا عن المدح في غير محله والنقد غير البنّاء.

من يتابع مسيرة الإعلام الكويتي في ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين سيجد كما من البرامج النوعية التي كانت تتصل باهتمامات المواطن اليومية، وما يصبو إليه في هذا الوطن. كانت المساحة كافية لايصال الصوت بشكل مباشر وموضوعي دون حساسية أو قلق أو توتر من نقد المواطن وملاحظاته. ولعل خطاب سمو ولي العهد ركّز على النتيجة المرجوة من عودة الإعلام لملكية الشعب لمعرفة أوجه القصور والخلل في أداء الحكومة والمجلس وتحديد من تقع عليه مسؤولية تأخيرها أو عدم تنفيذها، لتحقيق الهدف الرئيس بأن يكون كل المواطنين طرفا شعبيا مشاركا في متابعة ومراقبة أعمال مجلس الأمة والحكومة وشركاء في عملية تصحيح المسار، كما جاء في خطاب سمو ولي العهد حفظه الله.

وعلى هامش خطاب سمو ولي العهد حفظه الله، لابد من الإشارة إلى أن الوعي المنشود غير مقصور على أجهزة وزارة الإعلام، وإنما أيضا يشمل الصحافة المهنية ومؤسسات المجتمع المدني وأنشطة الثقافة والفنون والمسرح لكونها المنصات الأولى في تاريخ الكويت التي تعبر عن هواجس المجتمع وتطلعاته و ملاحظاته وترصد تنامي وعيه. وتاريخ الثقافة في الكويت حافل بتلك الروح المنسجمة مع مبادئ وطنها ودستور البلاد قبل أن ندخل عصر الإعلام الاجتماعي وما سببه من فوضى المفاهيم وتسطيحها، لتتجاهل الأغلبية من الناس دوره المفترض في التحاور والتواصل الهادف واقتصروا على الجانب الاستهلاكي والتطرف في التداول.

إن دعوة سمو ولي العهد لتفعيل دور الإعلام الشعبي هو ادراك لأهمية استشعار حس المسؤولية من الجميع، ودفع كل مظاهر التشدد والتطرف بالكلمة الحسنة وما هو أحسن وأسلم لاقامة حوار عقلاني بين أبناء المجتمع الكويتي.

فهد توفيق الهندال