التصنيفات
مدونتي

صمت Mute

عندما تشاهد لوحة صرخة مونش، فإنك تعيش مشاعر ذلك الكائن الذي يصرخ بملء فمه، ويغلق أذنيه عن صخب العالم في الآن ذاته. تخيّل معي، أنك تغلق فمك الكبير للحظة، وتفسح المجال لأذنيك لتستمعان لصخب العالم لبرهة، كيف يكون شعورك؟
ربما هذا ما حاولت ربطه بين لوحة مونش الصارخة ولوحة الفنان العالمي سليمان البسام “صمت Mute” وهو عمله المسرحي الأخير الذي قدمه مؤخرا ضمن مشروعه المسرحي المستمر منذ اشتغاله بالفن المسرحي.
يأتي عنوان العمل صمت Mute مبنيا على اللحظة الإنسانية الراهنة في تحولات عنيفة نحو جشع المادية والمرتهنة في انكسارات الإنسان العاجز أمامها، وهو القابض على جمر انتظار طويل رازح تحت عقارب الزمن البطيء في المعاناة والمتسارع في سحق ما تبقى من إنسانية في إطار دموي مستمر دون نهاية واضحة. ولعل الصمت حاليا هو المساحة التي “يُصادِرُ” فيها الإنسان قدرته على التعبير، في كسر متواصل لدوال اللفظ دون معناه المتداول.
احتوى العمل على أداء مسرحي متمكن متنوع للفنانة السورية حلا عمران وأداء موسيقي متنوع التأثيرات لكل من الموسيقيين علي حوت وعبد الرضا قبيسي من لبنان، أضافوا للنص المنسوج بعناية عبثية فائقة، متأرجحة بين الكوميديا السوداء والسخرية اللفظية بما تصنعه من مفارقات، والسخرية الظرفية من الحدث الخلفي (انفجار مرفأ بيروت أغسطس 2020) الفصل قبل الأخير من المعاناة المستمرة لطواحين الصمت!
في كتابه “الصمت في عصر الصخب” للرحالة النرويجي إيرلنغ كيج الذي يسرد فيه رحلته نحو القطب الشمالي مشيا على الأقدام وقد استغرقت 50 يوما ودون أجهزة تواصل، حاكى فيه تفكيك التدرج الحسي والنفسي والحاجة التفاعلية بين الصمت والوجود والكون والطبيعة، ليجد أن الصمت حاجة بقاء فعليّة، لما يهبه من حسيّة الفكرة التي تبدأ من الفنان وتنتهي عند المتلقي وتخلّد اللحظة الصامتة في العمل الفني على مدى عصور، وبالتالي تخلق تلك السكونات حالة وعي لاواعية بين الفن كأثر والفن كفكرة. وهذا نوع من الصمت في مواجهة صخب العالم.
وهناك صمت آخر، تمثّل يوما في مارينا أبراموفيتش التي سمحت للعالم أن يجسّد وحشيته فيها، فانكشف القبح الساكن فينا، وهي ملتزمة بالصمت!
فالصمت إذن، ثقيل على أذن نائمة كفعل دقات الزمن المعلّق، ومؤلم بعمق، عندما نفقد القدرة على الكلام جراء صدمة الحياة فينا.
أخيرا.. وبرغم خبرتي المهنية في عملي الإذاعي، كنت وما زلت، أتهيّب من اللحظة التي يصمت فيها الجميع بانتظار صوتي، لأني بت أفكر بكل احتمالات هذا الصمت المرعب من حولي.
وربما قد يكون هذا ما أراده سليمان البسام أن يخلقه في عمله صمت.

فهد توفيق الهندال

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

أمنا الأرض

أيهما يشكل قدر الآخر .. الإنسان أم الأرض ؟

في رائعته المذهلة ( الحرام )، طرح الأديب الراحل يوسف إدريس قضية الأرض من خلال ” الترحيلة ” وقد انتشرت في زمن الاقطاعيات الزراعية في مصر، حيث يُستأجر الفلاحون من قراهم البعيدة للعمل في أراضي غيرهم في قرى أخرى، ولم تكن عزيزة تلك المرأة التي حملت سفاحا بعد الاعتداء عليها، سوى قدرا لمن تلده الأرض الغريبة بعدما نفتها أرضها الأم العاجزة عن احتضانها وتبنيها، برغم أنها ضحية الجرم الذي وقع عليها، وقد تكون متواطئة لصمتها لحظة الضعف، وهي التي هجرها زوجها بسبب مرض عضال أصابه ، فكان لها أن تدفع ثمن الخطيئة بكل الأحوال في نهاية الأمر بعدما خنقت وليدها في أرض غريبة كانت خصبة للحياة والموت، وهنا المفارقة ! 

في تشابك آخر، نجد قصة الفيلم الهندي ” أمنا الهند ” للمخرج محبوب خان الذي أخرجه سنة 1957 ، حيث تدور قصته حول امرأة تتزوج من رجل فلاح ميسور الحال، يملك أرضا خصبة، يتراجع حصاده مع مرور السنوات بعدما بذل كل ماله في خدمة قريته وأهلها، ليصبح بعدها واحدا من محتاجيها. فيقررالعمل مع زوجته في أرضه لوحده، حتى يتعرض حادث قطع ذراعيه  بسبب صخرة كبيرة اعترضت همته وحلمه في استصلاح أرضه واسترجاع وضعه السابق، لتدمر بعدها الفيضانات منزلهما، فيهجر البيت مخلفا زوجة وولدين. فتصبح الأم ربة البيت بكل همومه وأحلامه، وتعيش حياة صعبة يتقاسمها معها ولداها وقد انقسما خلقا ومنطقا في الحياة. ومثلما كانت الأم الأرض الخصبة لهما، كانت المثوى الأخير للابن الضال، الذي وجد في الشر حقا وظنا مبررا في سلب ما يريد وممن يريد.  

في حين، تأتي القصة الثالثة ( الأرض ) للكاتب عبدالرحمن الشرقاوي وقدمها للسينما يوسف شاهين، و تدور أحداثها في إحدى القرى المصريةعام 1933 عندما يفاجأ أهلها بقرار حكومي بتقليل نوبة الري إلى 5 أيام بدلا من 10 أيام، وهو مالا يتسع للجميع، فيبلغ العمدة الفلاحين أن نوبة الري أصبحت مناصفة مع أراضي الاقطاعي محمود بيك الذي يستغل الموقف وينصحهم بجمع موافقتهم لمخاطبة السلطات  للتراجع عن قرار تقليل حصص الري ، ليخدعهم ويستغل جهلهم في ابصامهم على كتاب لا يعلمون مضمونه، لينشـأ طريق لسرايته من خلال أرضهـم الزراعيـة ، الأمر الذي استلزم ثورة من الفلاحين يقودهم محمد أبو سويلم، وهو الثائر القديم زمن ثورة عرابي ، فترسل الحكومة قوات الهجانة لتبسط قبضتها ، ويتم انتزاع الأراضي منهم بالقوة ، ليسحل أبو سويلم عبر أرضه وهو يحاول التشبث بجذورها لينتهي الفيلم بهذا المشهد الرمزي . وكأن قدر البشر ، هي العقدة الأكثر تعقيدا وغموضا في كشف علاقتهم مع الأرض . 

هكذا اذن، علاقة هذا الإنسان مع الأرض، مغتربا، ثابتا، فهو معذب فيها في كلا الحالتين، فلا الأم الأرض تحنو على وليدها المغترب، بل تحاسبه على ماضيه أينما كان، ولا هي منصفة لمن بقى وصمد ضد الريح العاتية واصفرار الزمن المر. فاليباب ليس بالأرض وحدها، بل بها وبانسانها:

لا ماء هنا…لا شئ سوى الصخر

صخر ولا ماء والطريق الرمليّ

الطريق الذي يتلوى عاليا بين الجبال،

جبال من صخر ولا ماء

لوكان ثمة ماء لتوقفنا وشربنا

بين الصخور لا أحد يسطيع توقفاً أو تفكيرا

جاف هو العرق والأقدام في الرمل

لوكان ثمة ماء بين الصخور

فم جبل هامد ذو أسنان نخرة

لايمكنه البصاق

هنا، المرء لا يسطيع أن يقف

أو يتمدد أو يجلس 

ليس ثمة حتى صمت في الجبال

بل رعد جاف عقيم بلا مطر

ليس ثمة حتى عزلة في الجبال

بل وجوه حمراء منتفخة، ناخرة مزمجرة

من أبواب منازل طينية متصدعة

 لو كان ثمة ماء!

من قصيدة الأرض اليباب لإليوت ترجمة فاضل السلطاني

والعاقبة لمن يعقل ويتدبر

فهد توفيق الهندال

 

التصنيفات
مدونتي

النقد الغائب والانفجار السردي

النقد الغائب والانفجار السردي

 يمثّل الانفجار السردي في الوطن العربي تحولاً جذرياً في المشهد الثقافي والأدبي، ويعكس التغيرات العميقة التي يمر بها المجتمع العربي في العصر الحديث، لاسيما المجتمع الثقافي، والذي يشهد تضخما على مختلف المستويات التي أدت به إلى هذا الانفجار، وفقا لتفاعل عدة عوامل:

1- التطور التكنولوجي والوصول الأوسع للمعرفة

التقدم التكنولوجي، خاصة في مجال الاتصالات والإنترنت، أحدث ثورة في كيفية توزيع واستهلاك المحتوى الثقافي والأدبي. فقد فتحت منصات النشر الإلكتروني والشبكات الاجتماعية أبواباً واسعة للكتاب والقراء على حد سواء، مما سمح بظهور أصوات جديدة وتنوع في الأجناس الأدبية والموضوعات المطروحة. إضافة إلى الكتب الإلكترونية، المدونات، والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت منابر هامة للتعبير عن الذات وتبادل الأفكار.

2- التحولات الثقافية العالمية

أثرّت العولمة وتداخل الثقافات على المستوى العالمي بشكل كبير على الأدب العربي، حيث تم تبني أشكال وأساليب سردية جديدة ومبتكرة. وأصبح الكتاب العرب أكثر انفتاحاً على التجارب الأدبية العالمية، وهذا ساهم في إثراء الأدب العربي وجعله أكثر تنوعاً وغنى. فالترجمات من وإلى اللغة العربية أيضاً لعبت دوراً هاماً في هذا التحول، ما ساعد على تبادل الأفكار والتجارب الأدبية بين الثقافات المختلفة. فجاياتري سبيفاك رأت سابقا ضرورة قيام الأدب بتفكيك الهيمنة وإعادة تشكيل الهويات في مواجهة العولمة. إنه يبرز الأصوات المهمشة، وكأنها تشير إلى إمكانات التمكين من خلال السرد.

3- الأثر على الأدب العربي

أدى الانفجار السردي في الوطن العربي إلى إحياء الأدب العربي وجعله أكثر حيوية وتفاعلية مع القضايا المعاصرة. الأدب العربي اليوم يتميز بتنوعه الشديد في الأشكال السردية، مثل الرواية، القصة القصيرة، الشعر، وغيرها، وفي الموضوعات التي يتناولها، من القضايا الاجتماعية والسياسية إلى البحث في الهوية والتاريخ والعلاقات الإنسانية.

إذن، يشير الانفجار السردي في الوطن العربي إلى عصر جديد من الإبداع والتجديد في الأدب العربي، ما يعكس الديناميكية والتحولات العميقة في المجتمعات العربية. هذا التحول يوفر فرصاً جديدة للتعبير عن الذات وفهم العالم، ويعزز من مكانة الأدب العربي على الساحة العالمية.

دور النقد الأدبي

يعتبر النقد الأدبي حقلاً واسعاً يشمل تحليل وتقييم الأعمال الأدبية. يتنوع هذا الحقل إلى عدة أنواع، كل منها يركز على جوانب مختلفة من النصوص الأدبية ويستخدم مناهج متنوعة في التحليل. إليك بعض من أبرز أنواع النقد الأدبي:

1. النقد البنيوي (Structuralism)

يُركز النقد البنيوي على دراسة البنى الأساسية التي تشكل الأعمال الأدبية، مثل الأنماط اللغوية والشخصيات والمواضيع. ينظر إلى النص الأدبي كنظام مغلق يمكن فهمه من خلال تحليل هيكله الداخلي.

2. النقد النفسي (Psychoanalytic Criticism)

يعتمد النقد النفسي على نظريات علم النفس، وخصوصاً أعمال فرويد، لتحليل الشخصيات والموتيفات والأحداث في الأعمال الأدبية. يُستخدم لاستكشاف كيف تعكس الأعمال الأدبية اللاوعي والرغبات والصراعات النفسية.

3. النقد الماركسي (Marxist Criticism)

يركز النقد الماركسي على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية كما يتجلى في الأدب، مع التركيز على قضايا الطبقة والسلطة والرأسمالية. يُستخدم لتحليل كيف تعكس الأعمال الأدبية أو تتحدى الهياكل الاجتماعية والاقتصادية.

4. النقد النسوي (Feminist Criticism)

يُركز النقد النسوي على العلاقات بين الجنسين وتمثيل المرأة في الأدب. يتناول قضايا مثل الأدوار الجندرية، الهوية، والسلطة، ويهدف إلى كشف الأيديولوجيات الذكورية في الأدب.

5. النقد ما بعد الاستعماري (Postcolonial Criticism)

يتناول النقد ما بعد الاستعماري الأثر الثقافي والأدبي للاستعمار وعمليات ما بعد الاستعمار. يُستخدم لتحليل كيف تعالج الأعمال الأدبية موضوعات مثل الهوية، الانتماء، والمقاومة ضد القوى الاستعمارية.

6. النقد التاريخي (Historical Criticism)

يهتم النقد التاريخي بسياق الأعمال الأدبية في زمانها ومكانها، معتبراً النصوص الأدبية كمنتجات لظروفها التاريخية والثقافية. يتناول الأحداث التاريخية، الأعراف الاجتماعية، والاتجاهات الثقافية التي تؤثر على الكتابة الأدبية.

7. النقد الثقافي (Cultural Criticism)

يتناول النقد الثقافي الأعمال الأدبية كجزء من الثقافة الأوسع، محللاً كيف تعكس وتتفاعل مع مختلف القيم الثقافية، المعتقدات، والممارسات.

غياب النقد الأدبي

قدّم كل نوع من أنواع النقد الأدبي السابقة، منظوراً فريداً لتحليل الأعمال الأدبية، مما يغني فهمنا للأدب ويكشف عن تعددية المعاني والأبعاد في النصوص الأدبية. ومع ذلك نشهد غيابا ملحوظا للنقد الأدبي. فما هي الأسباب؟

يمكن تلخيصها بالآتي:

1. التحولات التكنولوجية:

التقدم التكنولوجي والانتشار الواسع للإنترنت قد سهل الوصول إلى النشر الذاتي والمنصات الإلكترونية، مما أدى إلى زيادة هائلة في الإنتاج الأدبي. هذه الكثافة تجعل من الصعب على النقاد مواكبة كل جديد وتقديم نقد معمق لكل عمل.

2. التفضيلات الثقافية والتجارية:

يوجد توجه نحو الأعمال الأدبية التي تحقق نجاحًا تجاريًا على حساب الأعمال ذات القيمة الأدبية العالية، مما قد يؤدي إلى إغفال النقد للأعمال التي لا تحظى بشعبية واسعة لكنها تحمل قيمة أدبية كبيرة.

3. التحديات الاقتصادية:

قد تؤثر القيود المالية على النشر النقدي، حيث قد لا تجد المجلات الأدبية ودور النشر التمويل الكافي لتغطية الأعمال الأدبية بالعمق المطلوب، مما يحد من فرص النقاد في الوصول إلى الجمهور.

4. النقص في الدُربة على الكتابة النقدية:

قد يكون هناك نقص في الكتابة النقدي المتخصص والتعليم الأدبي الذي يؤهل النقاد لتقديم تحليلات معمقة وموضوعية، مما يؤدي إلى قلة في النقد الأدبي الجاد والمتعمق.

5. المعايير النقدية والذوقية:

الخلافات حول المعايير النقدية والذوقية قد تؤدي إلى تفاوت في قيمة النقد المقدم، حيث يمكن أن تختلف الآراء حول ما يعتبر “جيدًا” أو “ذو قيمة” بشكل كبير بين النقاد، مما يصعب الوصول إلى توافق حول أهمية الأعمال الأدبية.

6. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي:

وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت منصة رئيسية لتبادل الآراء حول الأعمال الأدبية، لكنها قد لا توفر دائمًا العمق النقدي المطلوب. هذه السرعة والسطحية في التعليقات قد تعوض عن النقد الأدبي المتعمق.

7. التركيز على النقد الأكاديمي:

قد يميل النقاد إلى التركيز على النقد الأكاديمي الذي يستهدف جمهورًا محدودًا بدلاً من الجمهور العام، مما يحد من تأثير النقد الأدبي على القراء العاديين.

تعد هذه الأسباب مجتمعة عوامل مهمة تسهم في غياب النقد الأدبي أو تقليل حضوره في مواجهة الإنتاج السردي المكثف. الحاجة إلى نقد أدبي معمق ومتاح يبقى أمرًا ضروريًا لتوجيه الذوق العام وتعزيز فهم الأدب.

كيف يمكن تعويض غياب النقد الأدبي عن الإنتاج السردي الهائل؟

قد يتطلب ذلك مجموعة من الاستراتيجيات المتكاملة التي تشجع على إنتاج نقد أدبي متعمق ومتاح. إليك بعض الطرق التي يمكن من خلالها معالجة هذا الغياب:

1. تشجيع النقد الأدبي في الجامعات والمؤسسات التعليمية، وذلك بتطوير برامج أكاديمية تركز على النقد الأدبي وتحليل النصوص لتزويد الطلاب بالمهارات اللازمة.

وإنشاء ورش عمل ودورات تدريبية للنقاد الشباب لتعزيز مهاراتهم التحليلية والنقدية.

2. استخدام التكنولوجيا والمنصات الرقمية من خلال إنشاء منصات ومواقع إلكترونية مخصصة للنقد الأدبي تسمح بالتفاعل بين النقاد والقراء. وتشجيع النقاد على استخدام مدونات وقنوات يوتيوب لنشر تحليلاتهم وآرائهم حول الأعمال الأدبية.

3. دعم النشر والتوزيع، بتشجيع دور النشر والمجلات الأدبية على تخصيص قسم للنقد الأدبي وتقديم مكافآت للنقاد. وتوفير منح ودعم مالي للمشاريع النقدية التي تسعى لتغطية الأعمال الأدبية الجديدة.

4. تعزيز التفاعل بين الكتاب والنقاد، بتنظيم فعاليات وندوات تجمع بين الكتاب والنقاد لتعزيز الحوار حول الأعمال الأدبية. وإنشاء منتديات نقاش تشجع على الحوار المفتوح والبناء بين الكتاب وجمهور القراء والنقاد.

5. تشجيع النقد الجماعي والتعاوني، بتطوير مشاريع نقدية تعاونية تسمح لمجموعة من النقاد بتحليل ومناقشة عمل أدبي معين. واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإنشاء مجموعات نقدية تسهل تبادل الآراء والتحليلات.

6. التركيز على التنوع والشمولية، من خلال تشجيع النقد الذي يعالج أعمالاً من خلفيات ثقافية وجغرافية متنوعة لتعزيز التفاهم الثقافي. وتوفير مساحة للأصوات المهمشة والنقاد من خلفيات متنوعة لإثراء المشهد النقدي.

7. التركيز على التعليم والوعي الثقافي، بتعزيز أهمية النقد الأدبي من خلال التعليم والبرامج الثقافية التي تستهدف الجمهور العام. وتنظيم ورش عمل ومحاضرات حول أهمية النقد الأدبي في فهم الأعمال السردية وتقييمها.

من خلال تطبيق هذه الاستراتيجيات، يمكن تعويض غياب النقد الأدبي وتشجيع ثقافة نقدية صحية تسهم في تعزيز الحوار حول الأعمال السردية وتقديم تحليلات معمقة تثري المشهد الثقافي والأدبي.

8. تعزيز مفهوم القارئ المقاوم. ودور القارئ المقاوم يأتي في إطار النظريات الأدبية التي تركز على تفاعل القارئ مع النص الأدبي، وخاصةً في سياق النقد الثقافي والنقد ما بعد الاستعماري. القارئ المقاوم لا يتلقى النص بشكل سلبي أو يقبل المعاني المقترحة من الكاتب دون تساؤل، بل يتفاعل مع النص بشكل نقدي، مستخدماً تجربته الشخصية والسياق الثقافي والتاريخي الذي ينتمي إليه لتفسير النص وربما تحدي الأفكار والقيم التي يقدمها.

أبعاد دور القارئ المقاوم

1. تحدي القيم السائدة: القارئ المقاوم يقوم بتحليل النصوص بطريقة تتحدى القيم والأيديولوجيات السائدة، بما في ذلك التحيزات الجندرية، العنصرية، الاستعمارية، وغيرها من القضايا الاجتماعية والثقافية.

2. تفكيك الأيديولوجيا: يعمل القارئ المقاوم على تفكيك الأيديولوجيات الكامنة في النص، والتي قد تعمل على ترسيخ الأنظمة السلطوية أو القوالب النمطية.

3. إعادة تفسير النص: يمكن للقارئ المقاوم إعادة تفسير النصوص بطرق تكشف عن معاني جديدة أو مغايرة لتلك التي قد يكون الكاتب قصدها، مما يؤدي إلى تعددية التأويلات والتفاعل النقدي مع الأدب.

4. التمكين الثقافي والاجتماعي: من خلال التفاعل النقدي مع النصوص، يمكن للقارئ المقاوم أن يساهم في التمكين الثقافي والاجتماعي للمجتمعات المهمشة أو الأصوات الغائبة، بإعادة تشكيل السرديات بما يتماشى مع تجاربهم ووجهات نظرهم.

5. التحليل الذاتي: يعزز دور القارئ المقاوم من الوعي الذاتي، حيث يتعين على القارئ مراجعة تجاربه الشخصية ومواقفه الأيديولوجية عند تفسير النصوص، مما يؤدي إلى تعميق الفهم الذاتي والنقد الذاتي.

إذن، يتجاوز دور القارئ المقاوم، مجرد القراءة السطحية للنصوص الأدبية ليشمل مشاركة نشطة ونقدية في عملية التأويل، مما يسمح بتوسيع نطاق النقاش والتفكير حول القضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تعالجها الأعمال الأدبية.

أخيرا.. ما هو مستقبل النقد الأدبي ؟

يبدو أنه سيواصل التطور مع التغيرات الثقافية، التكنولوجية، والاجتماعية التي تشهدها المجتمعات حول العالم. يمكن تصور عدة اتجاهات مستقبلية استنادًا إلى التحولات الراهنة: 

1. التقاطع مع التكنولوجيا الرقمية

النقد الأدبي سيتأثر بشكل متزايد بالتكنولوجيا الرقمية، والتي تشمل منصات النشر الإلكتروني والوسائط المتعددة. قد تظهر أشكال جديدة من السرد تجمع بين النص، الصوت، والصورة بطرق مبتكرة، مما يتطلب نهجًا نقديًا يتعامل مع هذه التعددية الوسيطية.

2. التركيز على التنوع والشمولية

التحول نحو تقدير أكبر للأصوات المهمشة والتجارب الثقافية المتنوعة سيستمر في تشكيل النقد الأدبي. هذا يعني التركيز أكثر على أعمال الكتاب من خلفيات عرقية، جندرية، وجغرافية متنوعة، وكذلك تطوير مناهج نقدية تعالج هذه التنوعات.

3. النهج التعددي وما بعد الحداثي

النقد الأدبي قد يواصل الاستفادة من نهج تعددي وما بعد حداثي يجمع بين مختلف النظريات والمناهج لتحليل النصوص. هذا التعدد يتيح فهمًا أعمق وأكثر تعقيدًا للأعمال الأدبية ويعزز من التأويلات المتعددة.

4. التفاعلية والمشاركة الجماهيرية

مع تزايد استخدام الإنترنت والمنصات الرقمية، يمكن أن يصبح النقد الأدبي أكثر تفاعلية ويشجع على مشاركة القراء بشكل أوسع. منتديات النقاش، المدونات، ووسائل التواصل الاجتماعي توفر فرصًا للقراء لعرض تفسيراتهم وتحليلاتهم، مما يخلق حوارًا غنيًا حول الأعمال الأدبية.

5. التأثير العالمي والمقاربات العابرة للثقافات

النقد الأدبي سيزداد تأثرًا بالمقاربات العابرة للثقافات والسياقات العالمية، ما يعني تحليل الأعمال الأدبية في سياق تفاعلها مع ثقافات وتقاليد متنوعة. هذا يشجع على فهم أعمق للتأثيرات المتبادلة بين الثقافات والأدب العالمي.

6. النقد البيئي والأخلاقي

مع تزايد الوعي بالقضايا البيئية والأخلاقية، قد نشهد نموًا في النقد الأدبي الذي يركز على هذه الموضوعات. التحليلات التي تتناول العلاقات بين الإنسان والطبيعة، الأخلاقيات البيئية، والاستدامة قد تصبح أكثر شيوعًا.

ومستقبل النقد الأدبي للسرد يبدو واعدًا بالتطور والتجديد المستمر، مع التأكيد على الشمولية، التعددية الثقافية، والتفاعل بين الأدب والتحولات الاجتماعية والثقافية الواسعة، باستكشاف ما أسمته جوليا كريستينا العلاقات بين النص والسياق الثقافي والاجتماعي والسياسي. فمع تزايد التداخل بين الثقافات واللغات، يصبح النقد الأدبي حقلاً حيويًا للحوار والفهم المتبادل. 

فهد توفيق الهندال

معرض مسقط الدولي للكتاب 2024

التصنيفات
مدونتي

وحدهن الأمهات يعرفن..

وحدهن الأمهات يعرفن..

في نصها الأخير، تقدّم الشاعرة عائشة العبدالله، مزيجا من المشاعر الإنسانية التي جوهرها حب الأم، فقد التقطت مفردات الحياة اليومية لكل أم عاشقة لأبنائها تعلّمهم وجه الحياة الصادق النابع من الحب بعيدا عن السائد من الأفكار:

لا أظنّ أنّ أمّاً في العالمِ ستردّد مايقوله الرجال

بثقةٍ وسذاجة:

‎”الحب وحده لا يكفي

قد يعتقد من يقرأ النص، أن هناك انتصارا لفكرة نسوية ضد أخرى ذكورية، ولكن يفوت على من يعتقد ذلك أن أصل الحياة حب أنثوي، يتجسد في أدوار الأم ومن يقوم مقامها:

جروحنا أكثر انفتاحاً ووضوحاً

لا نشيرُ إلى اللسعةِ، بل نعلنُ شراسةَ الألم،

نقاط ضعفنا تمشي على قدمين،

ولذا نخافُ الشوك، والشارع، والعابرين.

ولعل الجملة السابقة هي المفتاح لكل النص، فاختصرت الفعل دون القول، والتشييد لفكرة الأمومة

التي لا تحتمل أي قناع أو استعراض:

صرنا نشبهُ أنفسنا تماماً..

لأننا نخافُ من بيتٍ يخبئ الأقنعة

فالأم الفعلية، ليست مستعدة للعب دور البطولة الاستعراضية، ميزانها الحسّاس في ذلك، ومع كل من حولها:

‎(الأمهات وحدهنّ..

يعرفن أنتأنيب الضميرهو التوأمُ

لأطفالهنّ.)

لذا ليست مستعدة لأية مباهاة غير شرف الأمومة مهما كانت متطلباتها، السهر الدائم على أطفالها في حالاتهم المختلفة، معينها في ذلك طرد كل ما قد يصعّب المهمة، بالاستئناس بوحدة مشاعر الأم في ظروفها المتعددة في وصف بليغ:

نشرب القهوة باردةً دون أن يصيبنا إحباط،

ننامُ علىالكنبةرغم تقلّص عضلاتنا،

نحتفظُ بهالاتنا السوداء في علبٍ صغيرة،

ونقاوم بأقلامِ الحمرةِ ليالٍ جففتنا بالوحدة.

ومهما تكن المقاومة فلا أجمل ما يرسمه حب الأمومة حتى في العلاقة مع الآخرين والمجتمع:

وكيف تصير وجوهنا من أثر الحب

خرائط حقيقية.

ونتاج هذه الأمومة، ما ترسمه أحلام الطفولة داخلهم، ويعيد رسمها أطفالهن وما تحقق منها وهم أمهات، بعدما كنّ أطفال أمهاتهن، لتعود الشاعرة لأول نقطة الدائرة في النص كما هي الحياة:

صرنا أمهات..

ثم لم نعد نعرفُ كيف يكون الحبّ

في غير هذا السياق.

هذا الحب غير المشروط، والبعيد عن فجاجة الواقع والطفح الذي أصاب العالم، ليس منعكسا على عالم الأم، فأبناؤها سبب وجودها وبقائها:

وحدهنّ الأمهات..

يعرفن الحبّ الخالص الذي لا تشوبهُ شروط،

الحب الذي يجعلهنّ يصفقن العالمَ

في وجهه

الحبّ الذي يجعلُ أطرافهنّ سلاحاً

وعيونهنّ رماحاً مصوّبة.

أجادت الشاعرة عائشة العبدالله في سكب هذه المشاعر المتدفقة بالحب في نفوس الجميع، وخصوصا من يعرف مثل هذا الحب المنتصر فوق كل شيء.

فهد الهندال

التصنيفات
مدونتي

فلسفة الجوائز الأدبية

اتخذت جائزة كتارا للرواية العربية مؤخرا خطوة مهمة٫ عندما أعلنت عن قائمتها الطويلة. حيث ضمت ٦٠ عملا في فئة الروايات المنشورة، و ٦٠ عملا في فئة الروايات غير المنشورة. وهذه تعتبر أطول لائحة طويلة عرفتها الجوائز الأدبية والعربية، مما يشكل بعدا إعلاميا وتسويقيا لصالح الاعمال المرشحة وبعدا موضوعيا وشفافا حول الأعمال المشاركة والمنافسة فيما بينها، وليس مجرد الإعلان عن مشاركة مئات الأعمال ومن ثم قائمة طويلة محددة بأقل من خمسة عشر عملا!

هنا أصابت كتارا ما غاب عن ذهنية بقية الجوائز الأدبية الأخرى في كسب مصداقية أكبر وحماسا لدى الكتاب في أن تحظى أعمالهم بمزيد من التسويق والاهتمام، وليس تكريسا لأسماء بعينها. والمعروف، أن جائزة كتارا للرواية العربية، تعلن بعد نهاية الدورة أسماء المحكمين تحقيقا للشفافية والموضوعية ، لاسيما أنهم من ذوي التخصصات النقدية في السرد. وهذا يكسب الجائزة سمعة مهنية وتخصصية أكثر من غيرها.

فقد اختلفت فلسفة بعض الجوائز الأدبية، وتختلف عما كانت عليه سابقا ، فيتنافس عليها المتنافسون في كل مجالات الأدب، لتختلف من مكان إلى آخر، ومن مؤسسة لأخرى، وفق آليات تصور سياسة القائمين عليها، والغاية التي تطمح للوصول إليها. فهناك جوائز المؤسسات الثقافية الراقية التي تنشد التنافس بين المبدعين لاثراء الساحة بتعدد المواهب والمنجزات، وأخرى تسعى لاتخاذ موقع مؤثر ما على الساحة الثقافية، تربطها مصالح وروابط مع مثيلاتها في شلليات التنفيع المتبادل والمصالح الضيقة.

وإذا ما استعرضنا جملة الجوائز السنوية، فأين موقعها من التصنيفين السابقين ؟

ليس لدي اعتراض على تأسيس جوائز أدبية تمنح للمتميزين في نتاجاتهم، ولست ضد تنوعها وتعددها وتناسلها إقليميا، ولكنني أتحفظ على آلية بعضها غير الواضحة مما تزيد من تهافت / تكالب الكثيرين عليها ، مما قد يساهم في تراجع دور الأدب في توعية وتنمية المجتمع، واضفاء المزيد من المحيرات حول دور الأديب ومهمته المفترضة، هل هي إبداع من أجل الإبداع . أم ابتداع من أجل المنفعة ؟

ومع ذلك ، إن من أبرز إيجابيات هذه الجوائز وأخبارها ، المتابعة الجدية من قبل القارئ العربي بنوعيه العادي والمتخصص للأعمال المرشحة والمتنافسة. ليبقى الحكمُ الحقيقي لديهما، ولو كان شخصيا بالنسبة للأول، وتخصصيا للثاني . ولكننا في النهاية قراء، يعجبنا ما نقرأ أو لا يعجبنا وفق مزاجنا الخاص. ولا يمكننا فرضه على الآخرين . في حين نشترك معا ، بأن الأثر الجمالي للعمل ودهشته يبقيان محفورين في ذهنية القارئ الباحث عن جمال النص، بعيدا عن المزاجية والشللية في توزيع الجوائز.

أخيرا، ومن باب الطرافة، أسس الشاعر عبدالمعطي حجازي ملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي، وفاز بجائزته في الدورة الثانية، وسط جدل كيف يفوز بها وقد عمل مقررا للملتقى! الامر الذي اعتبره الشعراء المشاركون بانه يخالف ابسط قواعد واحكام أي جائزة تنأى بنفسها عن شبهة الانحياز الى أي من العاملين عليها.
في حين اعتبر حجازي مقرر الملتقى فوزه بالجائزة امر يدعو للفخر والأعتزاز بها رغم أنها ليست أول اعتراف به كرائد للشعر لافتا الى ان منحه الجائزة يجيء كاعتراف حميم وبليغ له قدره وأثره ومستذكرا زملائه الشعراء الراحلين مبينا ان الجائزة ليست له فحسب وإنما لهم. أي لا شاعر ولا مبدع غيره بين صفوف الأحياء!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

تذويت النص الروائي أوتذويبه!

في كتابها النقدي المميز ( ذات المؤلف من السيرة الذاتية إلى التخييل الذاتي )الصادر عن دار الأمان المغربية عام 2013 ، تذكر الناقدة الدكتورة زهور كرام عن التجريب الروائي بأنه ” من أهم تجليات انفتاح النص الروائي على التحول . فقد أبانت الرواية التجريبية عن قدرة النص على تغيير نظام ترتيب عناصره ، وعلى التأثير في ميثاق القراءة ” . لهذا ركزت في الكتاب على التجارب الروائية التي تنزع لـ” تذويت ” النص الروائي ، وبروز ذات المؤلف باعتباره محورا نصيا ، ينبني عليه نظام الكتابة ، وفعل السرد . وهنا يجب التفريق بين الأعمال التي جاءت كسرد تخييلي عن سرد السير ذاتي، حيث يوجد اختلاف بين النوعين ، على اعتبار أن الأول تخييل لا يتطلب بالضرورة واقعية الحدث ، والثاني واقعي ينطلق من سـيرة حقيقـية ، إلا أن ذلك لا ينفي عن كونهـما نزوع نحـو أنـسـنة النـص بصـورة أكثر .

وعند تساؤلها – كرام – إن كانت التجارب الروائية الجديدة تمثل تجاوزا على أعراف السرد المألوفة ، تجيب لاحقا أن مختلف الكتاب الذين انتجوا مثل هذه النصوص هم بالأصل نقّاد ولهم كتب نقدية ، وضربت أمثلة عنهم في عدة أسماء : محمد برادة ، عبدالقادر الشاوي ، عز الدين التازي وسعيد علوش . وهي ما يجعلها تعوّل على أن يكون ذلك مساهمة في انتاج وعي معرفي حول طبيعة الكتابة السردية في المغرب ، وهو ما قد لا يستسيغه البعض هنا في المشرق !

أمام تجارب روائية حديثة ، نجد عددا منها وقد صرّح أصحابها بأنها تخييل ذاتي ، أي يصرح بعدم واقعيتها جملة ولو جاءت معظم التفاصيل واقعية ، كاقحام اسم المؤلف أوعدد من أصدقائه أو أفراد أسرته. أما المكان والزمان ، فهما غير منحصرين بكاتب دون آخر، لكونهما فضاءين متاحين للجميع في الاستناد عليهما ، كما هي أي قضية عامة إنسانية لا يمكن أن تكون ضمن ممتلكات كاتب دون آخر .

ومع ذلك، يوجد لغط كبير حول استيعاب هذا المفهوم – التخييل الذاتي – الذي مهما حاولنا الصاقه بالحداثة أو ما بعدها ، فإننا نقوم بخطأ أدبي / تاريخي لكون هذا الفن هو بالأساس حاضر في عدد من الأعمال السابقة . فنظرة لكتاب الأيام لطه حسين الذي اكتفى بالإشارة إلى نفسه على مدى بعض فصول العمل ( الصبي ) ، حتى في مقدمته التي نشرت للمرة الأولى للطبعة الخاصة للمكفوفين التي أشار فيها إلى غايته من وضع هذا الكتاب ، نجد نفسا روائيا حاضرا في السرد والوصف . كذلك الأعمال الروائية لنجيب محفوظ ، الطيب صالح ، توفيق الحكيم ، سهيل ادريس ، يحي حقي ، حنا مينة وغيرهم. وهذا ما وصل مداه إلى الكويت، وهنا من صرّح بأنها تخييل ذاتي وحضر بذاته ومن في حياته، وهناك من ترك للمتلقي حرية القراءة والتحليل، فاستبدلوا أسماءهم بأخرى مستعارة في أعمالهم مع ثبات المكان والزمان الواقعيين في الكون الروائي، حيث التكنيك الفني المعقّد.

ليطرح السؤال ذاته: ألا يعتبر ذلك سردا تخييلا أيضا ، على اعتبار أن العمل الروائي تخييلي بالأصل ؟

من وجهة نظر المقال، إن محاولة التجريب في الكتابة الروائية وفق مفاهيم نقدية حديثة، ومنها التخييل الذاتي، هي مغامرة محفوفة بالمخاطر، وربما تنحرف بالنص نحو هاوية الكتابة غير الناضجة، فتزيد العمل خفة على السطح دون التعمق في فنية العمل من ناحية بناء شخصياته ونموها، رسم المكان ورصد الزمن السردين، ولعل عدم استثمار دور السارد عليما كان أو مشاركا، ووقوع الكاتب في فخ وجهات النظر وما تحملها من أيديولوجيا محتملة، قد تخرج النص من شكله الأدبي وماهيّته كقول غير مصرّح به إلى ما هو أشبه بالخطاب خارج النص. وللأسف يغيب على كثير من النقّاد خصوصية النص الأدبي لا سيما الروائي فيقع في فخ المباشرة وماهو مصرّح ولا يستوعب وظيفة الأدب الجمالية ووظيفته الأيديولوجية. فكما يقول باختين: “المتكلم في الرواية هو دائما وبدرجات متفاوتة مُنتج أيدولوجيا وكلماته هي عينة أيديولوجية”!

وهذا ما قد يفقد العمل الروائي أو السردي عموما، أدبيته، فيذوب في خطاب آخر يرفع القبعة عن رأس الكاتب بشكل نهائي!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

تحليل الخطاب الإنتخابي 23

لم يختلف كثيرا شكل ومضمون الخطاب الانتخابي لعدد من المرشحين، عن خطابات الانتخابات السابقة. فلكل خطاب جمهوره المناسب، والمعتاد عليه، ولا يرضى بغير هذا الخطاب لدى مرشحه المطلوب، وهو ما يعيه المرشحون في تكثيف عبارات الخطاب المدغدغ لجمهورهم ومن يود جذبه إلى مخيمه الانتخابي.
في تعريف الخطاب نقديا عبر تعريف العالم اللُغوي الفرنسي إميل بنفنيست :”هو كل تلفّظ يفترض متحدثا ومستمعا، تكون للطرف الأول نية التأثير في الطرف الثاني بشكل من الأشكال، والخطاب قوامه جملة الخطابات الشفوية المتنوعة، ذات المستويات العديدة، وجملة الكتابات التي تنقل خطابات شفوية، أو تستعير طبيعتها، والخطاب يوظّف كل الأزمنة، وكل صيغ الضمائر”.
ويوجد حاليا خمسة أنواع من الخطابات الانتخابية المرصودة هنا.
١- خطاب الماضي الجميل، حيث نجد ذات الكلام المعتمد على الذاكرة الجميلة للزمن الماضي والريادة السابقة، في حضور جانب كبير من مفردات النوستولوجيا والأحلام الوردية بعيدا عن لغة الواقع التي تتطلب وقفة مع النفس بالنقد والتقييم وتقديم الرؤى المعالجة والمشاريع المقترحة.
٢- خطاب المؤامرة، فيحتوي هذا الخطاب على تلك العبارات التي تجاوزتها الأمم المُمارسة للديمقراطية العصرية، فماتزال ذات الجمل المتضمنة لفكرة التآمر والاختطاف لارادة الأمة، بعيدا عن أهمية التآزر باختلاف وجهات النظر وتعددها. ليستمر البحث في أرشيف الخصوم السابق وليس في محركات المستقبل الذي يفترض قبولا للعملية الديمقراطية.
٣- خطاب الرومانسية، وهو ما لفت انتباهي أكثر ومن خلال وجوه الحاضرين لهذه الخطاب، أننا أمام تلك الخطابات التي تلامس العواطف، إما باستعراض المقترحات التي بقيت في أدراج الزمن دون تحرك أو المشاريع التي لا تنجز فرادى بل جماعة، وهنا سلب لفكرة العمل الجماعي. فينسب كل طرف نجاح كل قانون له شخصيا دون بقية أفراد المؤسسة.
٤- خطاب الحاضر الساكن، نجد روح الخطاب الكهل المتكرر: ” الله لا يغيّر علينا ” و”الهون أبرك ما يكون” أو الخطابات التي لا تخاطب إلا الجيل السابق، المُعتاش على زمن مضى مؤمنا بأن الحكومة “أبخص”. مع زيادة جرعة الاقتباسات الدينية التي تناسب مقام هذا الخطاب.
٥-خطابات الاقصاء وهو لا يقل شراسة بالوعيد والمحاسبة برفع منصات المقصلة لكل الخصوم السياسيين، مع تحديد مفردات معينة تدخل في محاولة العزل أو الاقصاء لكل مختلف باختراع فروقات مذهبية، فئوية، مناطقية، قبلية، وكل ما يمكن استثماره في تقسيم الخصوم !
مع جملة ما استعرضنا من أنواع الخطابات المهيمنة على الانتخابات وقد تتقاطع مع بعضها عند بعض المرشحين، إلا أننا نتساءل عن تلك الخطابات السياسية الغائبة التي تحمل تصورا وحلولا ورؤى ومقترحات لمعالجة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتنموي، ولغة العصر في مخاطبة أكبر شريحة من المتلقّين المستهدفين اليوم وهم الشباب، حيث غابت قضاياهم وطموحاتهم ومشاريعهم وهم أكثر عرضة للخسارة اليوم بسبب سيادة خطاب الماضي على حساب خطاب الحاضر والمستقبل، برغم أن ما يميّز كثير من عناوين الخطابات الانتخابية، والحملات والندوات، التي اتفقت جميعها على صيغة فعل أمر المستقبل!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

بصيرة بورخيس

في كتابه الشهير ” صنعة الشعر ” يُقدم الأديب الأرجنتيني خورخي بورخيس ست محاضرات عن الشعر ألقاها في جامعة هارفرد خلال الفترة ما بين عامي1967 – 1968 ضمن برنامج نورتون لكتشرز . حيث تناول المواضيع التالية ( لغز الشعر ، الاستعارة ، فن حكاية القصص عبر الشعر الملحمي ، موسيقى الكلمات ، الفكر والشعر ، ومعتقد الشاعر ) . ليضيف اسهاما كبيرا منه في تغذية الوعي الأكاديمي قبل المتلقي العادي في عمق هذه المحاضرات التي تعتمد الفكر الإنساني وسيلة للتواصل ونقل الخبرة ، وليس مجرد أستاذ أو محاضر يجلس خلف منصة ، متحدثا عبر موجات الميكرفون المتذبذبة متسلحا بلوائح المكان في فرض رهبته . لم هكذا بورخيس ، هذا الشاعر المتكامل في كل مجال، وهو الذي فقد البصر في منتصف عمره ، نتيجة مرض ما أصاب والده قبله . لقد وجد بورخيس العمل كمحاضر عام ، يلقي المحاضرات كأستاذ زائر في عدد من الجامعات ، وجد ضالته في توعية الآخرين لتذوق الفن والجمال في العالم المختلف المدعو بالشعر. وهنا تكمن أهمية الكرسي الجامعي في تقديرهؤلاء الأدباء في استضافتهم وتقديم محاضرات ترتكز على نقل الخبرة والحواربينه وبين جيل الشباب ، ليكتسب الكرسي بهم هيبة وعلما، فمتى يبقى هذا الكرسي شاغرا في جامعاتنا العربية ؟

في هذا الكتاب الصادر عن دار المدى عام 2007 و ترجمه باقتدار وأمانة صالح علماني ، أقف عند فصل ( معتقد الشاعر ) الذي فصّل بورخيس فيه القول ، لدرجة أنه يعتبر شهادة أدبية منه ، فذكر أنه يرى نفسه قارئا بالدرجة الأولى قبل أن يكون كاتبا ، وأن ما قرأه أهم بكثير مما كتبه ، معللا ذلك : ” فالمرء يقرأ ما يرغب فيه ، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه ، وإنما ما يستطيعه ” . ليعود بذاكرته إلى ما قبل ستين عاما ، إلى مكتبة والده في بوينس آيرس ، وقراءة ألف ليلة وليلة التي يعود إليها دائما شأنها في ذلك شأن قصيدة جون كيتس المسماة ( أغنية إلى عندليب ) التي كان يرددها والده على مسامعه ، ليتذكر هذه الأبيات منها :

أنت لم تولد للموت، أيها العصفورُ الخالدْ

يجب ألا يدوسك أناس آخرون جائعون

الصوتُ الذى أسمعه عابراً هذه الليلة، هو الذىسمعه

فى الأيام القديمة، الفلاحُ والملكْ

ربما هذا الغناءُ نفسه، قد شقّ طريقاً

إلى قلب “روث” الحزين، عندما، بحنينٍ إلى المنزل

توقَّفتْ باكيةً فى حقل قمحٍ غريب .

عندما يصرّح أديب عالمي مثل بورخيس عن أهمية قراءة ما قرأه سابقا ، بل ويتذكر ما كان يسمعه ويردده مرارا وتكرارا ، فلأنه أراد البوح بما كان يعتقده بأن اللغة مثلا ، هي لقول أشياء للشكوى أو للتذمر من عدم السعادة ، إلا أنه بعد سماع هذه الأبيات أيقن أن اللغة أيضا موسيقى وعاطفة ، وهنا تكشّف له الشعر ، وتبصّر فيه . لهذا يستمتع بورخيس في كونه قارئا أكثر من كونه كاتبا ، فالقارئ غير مضطر إلى الإحساس بالقلق والغم ، إنه يتطلع إلى السعادة وحسب .

لاشك ان عودة بورخيس إلى كتب سبق له قراءتها تختلف عن غيره ، وهو بمكانته الأدبية التي وصل إليها ، هو تجديد المعنى لهذه القراءات . إلا أن هناك من تعود على مرجعية محدودة ، لا يتقبل فكرة تجاوزها مع ذاته ، لضعف ما أو عجز في استيعاب معنى الشعر أولا قبل القراءة ، وانشغال تام بما خارج الشعر وعالمه الشفيف. وفي هذه الحالة المناقضة شكلا ومضمونا لحالة بورخيس يعيش هذا البعض وهما عبّر عنه الكاتب السعودي محمد الرطيان في خاطرة مذهلة :

” يقولون لك : قراءة كتاب واحد 3 مرات خير من قراءة 3 كتب مرة واحدة . لا تصدقهم، فهذا ما يروجه ” الحفظة ” ! والأكيد أن قراءة 3 كتب مرة واحدة أفضل . لست مطالباً بحفظها ولا حتى بفهمها الفهم الكامل . هي بالنهاية ستتراكم بداخلك بشكل لا تعيه .وتقوم بتشكيلك بشكل مختلف . ” مع الكتاب الواحد ” بقراءاته الثلاث ستكون نفس الكتاب . مع قراءة 3 كتب ستكون : أنت”. هنا تكون القراءة بصيرة أكثر .

لذلك عزيزي الشاعر الشاب، عندما تجلس بقرب شاعر صاحب تجربة، ابحث عن بصيرته في القراءة وتقبله الاختلاف مع الآخر شعرا وفنا. ولا تنجرف بعواطفك نحوه دون نقده، فإن الشعر تجدد وثورة في المعنى ، لا يستكين في ظل واحد.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

Hunger

فيلم تايلندي يغوص في أعماق جوع النفس البشرية، وعدم شعورها بالشبع نتيجة الطمع المستمر، ومحاولة اشباع هذه الغريزة التي قد تتحول لجانب حيواني أكثر منه بشري. الفيلم في مدته التي تقارب ساعتين وأقل، يتناول قصة الطباخة (أوي) العاملة في مطعم ذي استثمار محدود لعائلتها، تقدم الوجبات الشعبية الرخيصة في مجتمع مسحوق طبقيا وماديا، لكنه مستقر اجتماعيا، لتدخل في تجربة مغامرة مغايرة عليها في فرصة العمل مع أشهر طباخي مدينتها (بول) الذي يقصده الطبقة المخملية وكبار علية القوم لما يجدونه من متعة فيما يطبخه وما يمثلهم كطبقة عالية وما يداعب شهيتهم المفرطة تجاه شهوة الجوع وليست حاجته، ولعل (بول) هنا يمثل الفرد الذي صعد من بيئة مسحوقة كما هي (أوي) إلا أنه تخلى عن قيمه في سبيل تحقيق مجده الشخصي وأيضا متعته السرية في رؤية الشراهة في عيون زبائنه المخمليين لما يحركه فيهم جوعهم من مشاعر اللذة، فتتحقق لذته الخاصة في ذلهم عبر الطعام الذي يطبخه لهم، سواء في سهراتهم الماجنة أو رحلات صيدهم لطرائد الحياة المحرمة. فتشكّل (أوي) الوجه الثاني للطموح نحو الخروج من الهامش، ولكن ليس على حساب القيم وشراكة الحياة مع الآخرين، ودون التخلي عن التميّز في خدمة الناس ومعاملتهم. فالجوع ليس بالضرورة يعبر عن شهوة جامحة، وإنما أيضا هو حاجة إنسانية للاستمرار على مائدة الحياة.

اعتمد الفيلم على التصوير الدقيق لتفاصيل الطبخ، على تناقضي النار /الضوء عند (أوي) والظلمة/ الغموض عند (بول)، والمقابلة بسن سرعة ايقاع الحياة المتعبة عند (أوي)، الاسترخاء والغموض المؤثث بالهدوء عند (بول) ، الانفعالات المرتسمة على ملامح (أوي) لمشاعرها المرتبكة والمتأثرة، والبرود المسيطر على (بول) غير المبالي بأي معاني الحياة سوى المجد الشخصي.

من أعمق مشاهد الفيلم تلك الحوارات بين (بول) و(أوي) وما تكشفه من تناقضات الشخصية بينهما، برغم أنهما من ذات الهامش، ولكن تكسب القيم في نهاية المطاف بين الشخصيتين. من جملة الحوارات يمكن أخرج بهذه العبارات:

1. لكي تصبح طاهياً ، فأنت بحاجة إلى دافع أقوى من الحب.

2. ليس هناك ديمقراطية في المطبخ ، فقط الدكتاتورية.

3. الفقراء يأكلون لإنهاء جوعهم ، ولكن عندما يكون لديك أكثر من ما يكفي من الطعام ، فإن جوعك لا ينتهي.

إذن، رسالة الفيلم: ليس هناك ماهو أصعب من مطبخ الحياة، يتنوع فيه الطهاة بحسب جوع زبائنهم.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

سرد الترند

هناك من يردد أن الفن هو انعكاس للمجتمع وأنه يفضح أمراضه وعوراته!
وهنا أتساءل ما هو المقياس الفعلي للفن والفنان؟
هل هو بعدد الأعمال التي قدمها الشخص القائم بدور الفنان؟
هل بعدد الجوائز التي حصل عليها وإن كان بعضها غير ذات قيمة فنية؟
هل يرتبط ذلك بحجم جماهيرية هذا الفنان، شأنه في ذلك شأن بقية المشاهير من نجوم السوشيال ميديا؟
نفس هذه الأسئلة أطرحها بخصوص المثقف المبدع، روائيا، قاصا، شاعرا أو مسرحيا؟
تختلف الإجابة من فرد لآخر بحسب الوعي الخاص به، ولكن ما قد لا يكون حاضرا، هي تلك الاجابة المرتبطة بالأثر الدائم لهذا الفن في النفس البشرية، وتعود إليه كل ما أردت اشعال قنديل وعيك أمام طريقك. فالفن شعلة الأسئلة الدائمة التي لا تقبل الإجابات القطعية أو النهائية، الفن هو أن تغلق مسامعك عن العالم حولك وتستمتع بما تسمع ويتغلغل إلى روحك فيهذبها أجمل مما كانت عليه. الفن أن يجمع ما فرقته السياسة، وما نفته النظرية من جمال الفن ودهشته.
والروائي شأنه شأن كاتب الدراما الموسمية، قد لا يعبر عن وعي جديد، وإنما قد يكون نتيجة أوعية سرود سابقة مختزنة في ذاكرته تمت إعادة تدويرها في شكل سردي جديد، لذلك لا غرابة لفقدان الذات لوحدتها الموضوعية ومسؤوليتها في عملية القول، وفقدت عمقها في مصدرية وجهات النظر.
وهذا يفسّر وجود أعمال مكتوبة بشكل أقرب لدراما الترند، في البحث عن ضجة ما، قد تلقي حجرا في مياه راكدة بسبب مشهد تافه أو كتابة ركيكة، ويدخل المجتمع في تطاحن وتلاسن في وسائل التواصل الاجتماعي بسبب تراكمات ماضوية وليس اسقاطات سياسية كما يعتقد كتّابها وتبريرهم غير المنطقي ولا واقعي حيال ذلك!
فهو ذات الجمهور الذي ينتفض باسم العيب الاجتماعي على مشهد من مسلسل خلعت فيه الممثلة ملابسها الداخلية بشكل ايحائي وليس مباشرا لتقيس وزنها، متناسين أنهم قد يفعلون ذلك في نفس الموقف، هو ذات الجمهور الذي قد ينتفض حول مشهد سردي حول دخول الفتاة لسن المراهقة وما تتطلبه من عناية صحية خاصة ليست بخافية على المجتمع الذي يشاهد دعايات وسائل تلك العناية يوميا على شاشات الفضائيات بين المسلسلات !
ليست الصورة التي تثيرنا ولا الخيال الممكن عنها، ولكنه الوهم المتضخم بالعيب الاجتماعي، وأيضا توهمنا أن الكتابة تعكس كل الواقع دون تخييل فني، أو معالجة درامية مفترضة. وهذا ما يسقط في براثنه الجمهور والكاتب معا.

فهد توفيق الهندال