تحوّلت المعلومة في عصرنا الراهن من أداة للتواصل إلى سلاح استراتيجي، يُخاض به الصراع على الوعي الجمعي. فلم يعد النصر في المعارك الكبرى حكراً على من يمتلك الجيوش والأسلحة، بل بات رهيناً بمن يملك القدرة على تشكيل الرواية وضخّها في الفضاء العام. في هذا السياق، تبرز “القيمة التداولية للإعلام” بوصفها المفهوم الجوهري لفهم كيف ينتشر المحتوى ويؤثر ويُعيد تشكيل القناعات، وكيف تُوظَّف هذه القدرة في خدمة أجندات الحرب والهيمنة.
ليست القيمة التداولية مجرد مقياس لكمّ الانتشار، بل هي تعبير عن قدرة المحتوى على اختراق الوعي وتجاوز الحواجز النقدية لدى المتلقي. وقد نبّه نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان في كتابهما “Manufacturing consent: The political economy of the mass media” (1988) إلى أن وسائل الإعلام لا تنقل الواقع بقدر ما تُنتجه، إذ تعمل وفق منظومة مصالح تجعل المحتوى أداةً لتطبيع رؤى بعينها وإقصاء رؤى أخرى. وحين تدخل هذه الآلية في خدمة حروب المعلومات، تتحول وسائل الإعلام من ناقل للحقيقة إلى صانع للواقع المُراد تسويقه.
ولعل ما يجعل حرب المعلومات المعاصرة مختلفة عن سابقاتها، هو ما رصده الباحث البريطاني فيليب هاوارد في كتابه “Lie Machines” (2020)، في أن الفضاء الرقمي أتاح إنتاج المحتوى المُضلِّل بكميات هائلة وتوقيت مُحسَب وتكلفة شبه معدومة. فلم تعد الدعاية بحاجة إلى مؤسسات ضخمة أو ميزانيات باهظة، بل أصبح بمقدور جهات صغيرة أن تُطلق حملات تضليلية تُربك مجتمعات بأكملها. والأخطر من ذلك أن هذه الحملات لا تعتمد على الكذب الصريح دائماً، بل تعتمد على ما وصفته الباحثة كايت ستاربيرد في دورية Nature (2019) بـ”المعلومات المُلوَّثة”، وهي معلومات تحتوي على قدر كافٍ من الحقيقة لتبدو موثوقة، لكنها مُشوَّهة أو مجتزأة من سياقها بما يُعطي انطباعاً مغلوطاً.
أما الآلية التي تمنح هذا المحتوى قيمته التداولية العالية، فهي الاستثارة العاطفية. فقد أثبت فوسوغي وروي وأرال في دراستهم المنشورة في مجلة Science (2018) أن الأخبار الزائفة تنتشر بسرعة تفوق الأخبار الصحيحة بست مرات، لأن المحتوى الذي يثير الغضب والخوف والإثارة يدفع الناس إلى المشاركة الفورية دون دراية أو تدقيق. وتُضاعف من هذه الظاهرة خوارزميات المنصات الرقمية التي تُكافئ التفاعل لا الدقة، فتُضخّم المحتوى الأكثر إثارةً بصرف النظر عن مدى صحته. وهذا ما جعل كاس سانستيل يُحذّر في كتابه Republic” (2017)” من خطر “غرف الصدى”، تلك البيئات المغلقة التي تُعزّز القناعات المسبقة وتمنع التعرض لوجهات النظر المخالفة، فتتحول إلى بيئات حاضنة للتطرف والانقسام.
وقد أضاف الذكاء الاصطناعي التوليدي بُعداً جديداً ومُقلقاً لهذه المعادلة. فتقنيات “Deepfake” باتت قادرة على إنتاج مقاطع مُزوَّرة لشخصيات حقيقية بواقعية مذهلة، وهو ما دفع الباحثَين هنري فارل وأبراهام نيومان في دراستهما المنشورة في دورية International Security (2019) إلى التحذير من “معضلة المصادقة الجذرية”؛ فحين يعلم الناس أن أي مقطع قد يكون مزيّفاً، يفقدون الثقة في الأدلة البصرية والسمعية جميعها، وهو هدف في حد ذاته تسعى إليه بعض جهات حروب المعلومات، لأن المجتمع الذي لا يثق بشيء يُصبح عاجزاً عن التمييز والفعل.
في هذا المشهد المعقد، تجد وسائل الإعلام التقليدية نفسها في مأزق حقيقي. فبدلاً من أن تتمسك بميزتها التنافسية الوحيدة وهي الموثوقية والتحقق، راحت كثير منها تتنافس مع المنصات الرقمية على مستوى الإثارة والسرعة، فأفقدت نفسها مكانتها الأخلاقية ومنحت المحتوى المُضلِّل شرعية مقارنة. وهو ما تنبّه إليه تشارلي بيكيت في كتابه SuperMedia” (2008)” حين أكد أن الأزمة الإعلامية في جوهرها ليست أزمة معلومات بل أزمة ثقة، والفراغ الذي تتركه المؤسسات الإعلامية حين تفقد مصداقيتها لا يبقى خالياً، بل يملؤه المحتوى المُضلِّل بسرعة قياسية.
أمام هذا الواقع، لا يكفي الحديث عن إصلاح الإعلام وحده، بل المطلوب منظومة متكاملة على ثلاثة مستويات. على مستوى المؤسسات الإعلامية، المطلوب هو العودة إلى أخلاقيات التحقق والمسؤولية التي صاغها بيل كوفاش وتوم روزنستيل في “عناصر الصحافة” (2007)، والتي تضع الولاء للمواطن فوق أي اعتبار آخر. وعلى مستوى المنصات الرقمية، المطلوب ضغط تنظيمي حقيقي يُعيد توجيه الخوارزميات نحو تعزيز جودة المحتوى لا مجرد كثافة التفاعل. أما على مستوى المجتمع، فالمطلوب الأهم هو ما يُسمّيه بيتر ميديالاينين في كتابه “Civic Media Literacies” (2018) “محو الأمية الإعلامية”، أي تجهيز الفرد بأدوات التفكير النقدي التي تُمكّنه من تفكيك الرسائل الإعلامية وفهم السياقات التي أُنتجت فيها.
خلاصة القول، إن القيمة التداولية للإعلام في عصر حرب المعلومات ليست قضية نظرية أكاديمية مجردة، بل هي قضية سياسية واجتماعية راهنة تتوقف عليها طبيعة المجتمعات وقدرتها على صون تماسكها وحماية إرادتها الحرة. والرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على من يمتلك أدوات الإنتاج الإعلامي، بل على من يمتلك الوعي الكافي لمجابهة التلاعب والتمييز بين ما يُبنى على الحقيقة وما يُبنى على الوهم.
د. فهد الهندال

