التصنيفات
مدونتي

ذاكرة الفقد وتحولات الروح: قراءة نقدية في فيلم Hamnet


يقدّم فيلم Hamnet تجربة سينمائية تأملية تتجاوز حدود السيرة التاريخية لتصبح دراسة إنسانية عميقة في معنى الفقد، والذنب، والتحول الداخلي الذي يعيد تشكيل حياة الإنسان بعد الخسارة. يستند الفيلم إلى رواية الكاتبة ماغي أوفاريل، التي شاركت في كتابة السيناريو إلى جانب المخرجة كلوي تشاو، وهو تعاون منح العمل تماسكًا واضحًا بين الرؤية الأدبية واللغة السينمائية.
ومنذ اللحظة الأولى يتضح أن الفيلم لا يسعى إلى رواية حدث تاريخي بقدر ما يسعى إلى استكشاف التجربة الإنسانية للحزن وكيف يتحول الألم، عبر الزمن، إلى ذاكرة قادرة على إعادة تشكيل الهوية.
الحوار: الذنب وإمكانية تجاوزه
تشكّل الحوارات في الفيلم البنية الفكرية الأساسية التي تدور حولها الدراما، إذ تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للإنسان أن يتجاوز الشعور بالذنب بعد الفقد؟
في أحد أهم المشاهد السردية يروي الزوج أسطورة أورفيوس ويوريديس، حين يسأل:
«هل تعرف قصة أورفيوس ويوريديس؟»
وتتحول هذه الحكاية إلى استعارة مركزية في الفيلم؛ فالالتفات إلى الخلف يرمز إلى عجز الإنسان عن ترك الماضي خلفه، وإلى الصراع بين الذاكرة والاستمرار في الحياة.
كما يعبّر الفيلم عن معنى الحب بوصفه فعل اختيار واعٍ يتجاوز الخوف حين تقول أغنيس:
«أراك… وأختارك.»
وهي عبارة تؤسس للعلاقة التي ستواجه لاحقًا تجربة الفقد الكبرى، وتحوّل الحب إلى قوة مقاومة للانكسار.
لحظة التضحية والفقد
في أحد أكثر الحوارات قسوة وتأثيرًا، يقرر الطفل التضحية بنفسه لإنقاذ أخته، قائلًا:
«هذه حياتي، أهبها لك… سأكون شجاعًا.»
تمثل هذه اللحظة نقطة التحول الدرامي الكبرى في الفيلم، حيث يتحول الحدث من قصة عائلية إلى تأمل وجودي في معنى الحياة والموت، وفي قدرة البراءة الإنسانية على مواجهة المصير بشجاعة.
الإخراج واللغة البصرية
تعتمد كلوي تشاو أسلوبًا بصريًا شاعريًا يجعل الطبيعة جزءًا من السرد الدرامي؛ فالغابة والضوء والهواء ليست مجرد خلفية، بل مرآة للحالات النفسية للشخصيات. اللقطات الطويلة والإيقاع البطيء يمنحان الفيلم طابعًا تأمليًا واضحًا، حيث يتحول الصمت إلى مساحة للتفكير بدل أن يكون فراغًا دراميًا.
هذا الخيار الإخراجي ينسجم مع موضوع الفيلم الذي لا يقوم على الحدث بقدر ما يقوم على التحول النفسي التدريجي للشخصيات.
أداء الممثلين: التعبير الداخلي بدل الانفعال
اعتمد الفيلم بدرجة كبيرة على الأداء التمثيلي الداخلي الهادئ، خصوصًا أداء جيسي باكلي الذي يُعدّ محور التجربة الشعورية للعمل، بينما يقدم بول ميسكال شخصية شكسبير بصورة إنسانية بعيدة عن الصورة الأسطورية التقليدية. في حين، يؤدي الطفل جاكوبي جوبي دور هامنت، الطفل الذي يحمل الفيلم اسمه، والذي يشكل موته نقطة التحول الدرامي الأساسية في السرد.
 
الموسيقى: الذاكرة السمعية للفقد
تلعب موسيقى ماكس ريختر دورًا محوريًا في تشكيل التجربة الشعورية، إذ لا تعمل كخلفية صوتية فقط، بل كلغة موازية تعبّر عما تعجز الشخصيات عن قوله. يبدأ الفيلم بصوت أوبرالي حزين يتداخل مع مشاهد الطبيعة، معلنًا منذ البداية أن الموسيقى ستكون عنصرًا بنيويًا في السرد.
الإيقاع الموسيقي الهادئ والمتكرر يخلق إحساسًا بامتداد الزمن النفسي للحزن، بينما يتداخل الصوت مع أصوات الطبيعة ليؤكد أن الفقد ليس حدثًا منفصلًا عن دورة الحياة، بل جزء من إيقاعها المستمر.
الفكرة والمغزى
لا يقدّم الفيلم الفقد بوصفه مأساة مغلقة، بل بوصفه تجربة قادرة على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل. فالشخصيات لا تتجاوز الألم بالنسيان، بل بإدماجه في ذاكرتها اليومية حتى يصبح جزءًا من هويتها. ويعكس أحد الحوارات المسرحية التي تشاهدها الأم لاحقًا هذا المعنى حين يقال:
«إن في داخلي ما يتجاوز كل مظهر؛ فهذه ليست سوى مظاهر الحزن وأثوابه.»
وهو تأكيد على أن الحزن الحقيقي يعيش داخل الإنسان أكثر مما يظهر في الخارج.
نجح Hamnet في تقديم عمل سينمائي تأملي يجمع بين النص الأدبي العميق، والإخراج الشاعري، والأداءات التمثيلية الدقيقة، والموسيقى التي تتحول إلى صوت الذاكرة. ومن خلال هذا التكامل الفني، يتحول الفيلم إلى تأمل إنساني في معنى الألم والشفاء، مؤكدًا أن الفقد، رغم قسوته، قد يكون اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان رحلته الحقيقية نحو فهم ذاته وإعادة اكتشاف معنى الحياة.

د. فهد توفيق الهندال
 

One reply on “ذاكرة الفقد وتحولات الروح: قراءة نقدية في فيلم Hamnet”

اترك رداً على Ohoud Nasser إلغاء الرد