التصنيفات
مدونتي

القضية المركزية الغائبة

شكلت الثقافة على مدى عقود عديدة ثُقلا فكريا وزادا معرفيا في وسائل الإعلام التقليدية عبر ما تقدمه من حوارات مع المثقفين والمبدعين ومطالعات الكتب والتراجم والتحقيقات والاستطلاعات والمقالات وكل شؤون الثقافة التي احتضنتها أعرق الصحف العربية والعالمية ، لكون الثقافة رافدا مهما في بناء المجتمعات ومحيطا لا يمكن الخروج عن نطاقه في أي حال من الأحوال .

ولأهمية الثقافة ، كانت الدول الكبرى تعدها سلاحا متطورا من أسلحة المواجهات السلمية التي بموجبها يمكن تغيير نمطية تفكير المجتمع من الاستهلاكية إلى المنتجة.

واستمرت الثقافة في كثير من المجتمعات المدنية على خطاها المستقل المعتدل برغم المحاولات المستمرة لأدلجتها واقحامها في أنواع من الصراع ، فصمدت، ولكنها بدأت تضعف مع الوقت ، فسيل الاستهلاك العرم يجرف كل ما هو على السطح ما عدا قمم المكان .

واليوم باتت مادة سهلة التناول وسريعة التداول بفضل وسائل التواصل الاجتماعي بعدما دخلت دوائر المنافسة بين الوسائل الإخبارية والبحث عن الحصرية في تبني الخبر دون أن يعني ذلك دائما  البحث حول مصادره أو التدقيق في صحتها ، فبات بعض أخبار الثقافة لا يختلف عن أخبار الفن والرياضة والمجتمع بما يهدف منها الإثارة أو ” الخبطة الصحفية ” أو ” ترند” لمدة قصيرة جدا تنتهي سريعا ، على خلاف القضية الثقافية التي تستمر أسئلتها وآثارها باستمرار أهمية طرح الموضوع على بساط الحوار والبحث عن أجوبة حقيقية ليس مؤقتة أو معلبة وهو ما يعني أن يكون القائم على العمل ينطلق من مسؤولية الكلمة واعيا بآثارها لاحقا .

فالعمل الثقافي لا يحتمل أن يكون خبرا عابرا أو ضجة مفتعلة أو إشاعة مثيرة ، وإنما يحمل في طياته قضية عميقة تحرك ما سكن وتثير الغبار عن كل الحقائق المرة . فالحقيقة يمكن اختبارها عندما لا يأخذ أي شخص على محمل الجد بأن الحقيقة تكمن في أمور صغيرة، يمكن الوثوق بها في الأمور الكبيرة ، كما يذكر اينشتاين.

اليوم، وفي زخم وقلب الحملات الانتخابية، غابت القضية الثقافية عن أجندة المرشحين، فقد اكتفى الجزء الأكبر منهم برسم طموحاته وأحلامه ونقد المشاريع السابقة والحالية دون بصيص حلول أو معالجات أو مشاريع بديلة. فقد غابت الكثير من الهموم الثقافية عن برامجهم الانتخابية وستبقى كذلك في عدم القناعة بأهمية تحويل الثقافة كذراع اقتصادي مهم، وسياحة داعمة للسياحة الاجتماعية و رديف فكري للسياسة داخل وخارج البلاد. والأمر الذي استغرب منه فعليا، هو ابتعاد جمعيات النفع العام عن التعاطي بالشأن السياسي مرغمة وهو موضوع الساعة إلا اللهم بعض الجمعيات التي حملت على عاتق مسؤوليتها دعم الوعي السياسي !

فكيف اذن تؤدي دورها المفترض في توعية وتثقيف المجتمع، لذلك غابت المناظرات المفترضة بين المرشحين، واختفى الهم الثقافي من خارطة اهتماماتهم الانتخابية. وللحديث بقية.

فهد توفيق الهندال

One reply on “القضية المركزية الغائبة”

اترك رداً على غسان بورحمه إلغاء الرد