التصنيفات
مدونتي

فلسفة الجوائز الأدبية

اتخذت جائزة كتارا للرواية العربية مؤخرا خطوة مهمة٫ عندما أعلنت عن قائمتها الطويلة. حيث ضمت ٦٠ عملا في فئة الروايات المنشورة، و ٦٠ عملا في فئة الروايات غير المنشورة. وهذه تعتبر أطول لائحة طويلة عرفتها الجوائز الأدبية والعربية، مما يشكل بعدا إعلاميا وتسويقيا لصالح الاعمال المرشحة وبعدا موضوعيا وشفافا حول الأعمال المشاركة والمنافسة فيما بينها، وليس مجرد الإعلان عن مشاركة مئات الأعمال ومن ثم قائمة طويلة محددة بأقل من خمسة عشر عملا!

هنا أصابت كتارا ما غاب عن ذهنية بقية الجوائز الأدبية الأخرى في كسب مصداقية أكبر وحماسا لدى الكتاب في أن تحظى أعمالهم بمزيد من التسويق والاهتمام، وليس تكريسا لأسماء بعينها. والمعروف، أن جائزة كتارا للرواية العربية، تعلن بعد نهاية الدورة أسماء المحكمين تحقيقا للشفافية والموضوعية ، لاسيما أنهم من ذوي التخصصات النقدية في السرد. وهذا يكسب الجائزة سمعة مهنية وتخصصية أكثر من غيرها.

فقد اختلفت فلسفة بعض الجوائز الأدبية، وتختلف عما كانت عليه سابقا ، فيتنافس عليها المتنافسون في كل مجالات الأدب، لتختلف من مكان إلى آخر، ومن مؤسسة لأخرى، وفق آليات تصور سياسة القائمين عليها، والغاية التي تطمح للوصول إليها. فهناك جوائز المؤسسات الثقافية الراقية التي تنشد التنافس بين المبدعين لاثراء الساحة بتعدد المواهب والمنجزات، وأخرى تسعى لاتخاذ موقع مؤثر ما على الساحة الثقافية، تربطها مصالح وروابط مع مثيلاتها في شلليات التنفيع المتبادل والمصالح الضيقة.

وإذا ما استعرضنا جملة الجوائز السنوية، فأين موقعها من التصنيفين السابقين ؟

ليس لدي اعتراض على تأسيس جوائز أدبية تمنح للمتميزين في نتاجاتهم، ولست ضد تنوعها وتعددها وتناسلها إقليميا، ولكنني أتحفظ على آلية بعضها غير الواضحة مما تزيد من تهافت / تكالب الكثيرين عليها ، مما قد يساهم في تراجع دور الأدب في توعية وتنمية المجتمع، واضفاء المزيد من المحيرات حول دور الأديب ومهمته المفترضة، هل هي إبداع من أجل الإبداع . أم ابتداع من أجل المنفعة ؟

ومع ذلك ، إن من أبرز إيجابيات هذه الجوائز وأخبارها ، المتابعة الجدية من قبل القارئ العربي بنوعيه العادي والمتخصص للأعمال المرشحة والمتنافسة. ليبقى الحكمُ الحقيقي لديهما، ولو كان شخصيا بالنسبة للأول، وتخصصيا للثاني . ولكننا في النهاية قراء، يعجبنا ما نقرأ أو لا يعجبنا وفق مزاجنا الخاص. ولا يمكننا فرضه على الآخرين . في حين نشترك معا ، بأن الأثر الجمالي للعمل ودهشته يبقيان محفورين في ذهنية القارئ الباحث عن جمال النص، بعيدا عن المزاجية والشللية في توزيع الجوائز.

أخيرا، ومن باب الطرافة، أسس الشاعر عبدالمعطي حجازي ملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي، وفاز بجائزته في الدورة الثانية، وسط جدل كيف يفوز بها وقد عمل مقررا للملتقى! الامر الذي اعتبره الشعراء المشاركون بانه يخالف ابسط قواعد واحكام أي جائزة تنأى بنفسها عن شبهة الانحياز الى أي من العاملين عليها.
في حين اعتبر حجازي مقرر الملتقى فوزه بالجائزة امر يدعو للفخر والأعتزاز بها رغم أنها ليست أول اعتراف به كرائد للشعر لافتا الى ان منحه الجائزة يجيء كاعتراف حميم وبليغ له قدره وأثره ومستذكرا زملائه الشعراء الراحلين مبينا ان الجائزة ليست له فحسب وإنما لهم. أي لا شاعر ولا مبدع غيره بين صفوف الأحياء!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

تذويت النص الروائي أوتذويبه!

في كتابها النقدي المميز ( ذات المؤلف من السيرة الذاتية إلى التخييل الذاتي )الصادر عن دار الأمان المغربية عام 2013 ، تذكر الناقدة الدكتورة زهور كرام عن التجريب الروائي بأنه ” من أهم تجليات انفتاح النص الروائي على التحول . فقد أبانت الرواية التجريبية عن قدرة النص على تغيير نظام ترتيب عناصره ، وعلى التأثير في ميثاق القراءة ” . لهذا ركزت في الكتاب على التجارب الروائية التي تنزع لـ” تذويت ” النص الروائي ، وبروز ذات المؤلف باعتباره محورا نصيا ، ينبني عليه نظام الكتابة ، وفعل السرد . وهنا يجب التفريق بين الأعمال التي جاءت كسرد تخييلي عن سرد السير ذاتي، حيث يوجد اختلاف بين النوعين ، على اعتبار أن الأول تخييل لا يتطلب بالضرورة واقعية الحدث ، والثاني واقعي ينطلق من سـيرة حقيقـية ، إلا أن ذلك لا ينفي عن كونهـما نزوع نحـو أنـسـنة النـص بصـورة أكثر .

وعند تساؤلها – كرام – إن كانت التجارب الروائية الجديدة تمثل تجاوزا على أعراف السرد المألوفة ، تجيب لاحقا أن مختلف الكتاب الذين انتجوا مثل هذه النصوص هم بالأصل نقّاد ولهم كتب نقدية ، وضربت أمثلة عنهم في عدة أسماء : محمد برادة ، عبدالقادر الشاوي ، عز الدين التازي وسعيد علوش . وهي ما يجعلها تعوّل على أن يكون ذلك مساهمة في انتاج وعي معرفي حول طبيعة الكتابة السردية في المغرب ، وهو ما قد لا يستسيغه البعض هنا في المشرق !

أمام تجارب روائية حديثة ، نجد عددا منها وقد صرّح أصحابها بأنها تخييل ذاتي ، أي يصرح بعدم واقعيتها جملة ولو جاءت معظم التفاصيل واقعية ، كاقحام اسم المؤلف أوعدد من أصدقائه أو أفراد أسرته. أما المكان والزمان ، فهما غير منحصرين بكاتب دون آخر، لكونهما فضاءين متاحين للجميع في الاستناد عليهما ، كما هي أي قضية عامة إنسانية لا يمكن أن تكون ضمن ممتلكات كاتب دون آخر .

ومع ذلك، يوجد لغط كبير حول استيعاب هذا المفهوم – التخييل الذاتي – الذي مهما حاولنا الصاقه بالحداثة أو ما بعدها ، فإننا نقوم بخطأ أدبي / تاريخي لكون هذا الفن هو بالأساس حاضر في عدد من الأعمال السابقة . فنظرة لكتاب الأيام لطه حسين الذي اكتفى بالإشارة إلى نفسه على مدى بعض فصول العمل ( الصبي ) ، حتى في مقدمته التي نشرت للمرة الأولى للطبعة الخاصة للمكفوفين التي أشار فيها إلى غايته من وضع هذا الكتاب ، نجد نفسا روائيا حاضرا في السرد والوصف . كذلك الأعمال الروائية لنجيب محفوظ ، الطيب صالح ، توفيق الحكيم ، سهيل ادريس ، يحي حقي ، حنا مينة وغيرهم. وهذا ما وصل مداه إلى الكويت، وهنا من صرّح بأنها تخييل ذاتي وحضر بذاته ومن في حياته، وهناك من ترك للمتلقي حرية القراءة والتحليل، فاستبدلوا أسماءهم بأخرى مستعارة في أعمالهم مع ثبات المكان والزمان الواقعيين في الكون الروائي، حيث التكنيك الفني المعقّد.

ليطرح السؤال ذاته: ألا يعتبر ذلك سردا تخييلا أيضا ، على اعتبار أن العمل الروائي تخييلي بالأصل ؟

من وجهة نظر المقال، إن محاولة التجريب في الكتابة الروائية وفق مفاهيم نقدية حديثة، ومنها التخييل الذاتي، هي مغامرة محفوفة بالمخاطر، وربما تنحرف بالنص نحو هاوية الكتابة غير الناضجة، فتزيد العمل خفة على السطح دون التعمق في فنية العمل من ناحية بناء شخصياته ونموها، رسم المكان ورصد الزمن السردين، ولعل عدم استثمار دور السارد عليما كان أو مشاركا، ووقوع الكاتب في فخ وجهات النظر وما تحملها من أيديولوجيا محتملة، قد تخرج النص من شكله الأدبي وماهيّته كقول غير مصرّح به إلى ما هو أشبه بالخطاب خارج النص. وللأسف يغيب على كثير من النقّاد خصوصية النص الأدبي لا سيما الروائي فيقع في فخ المباشرة وماهو مصرّح ولا يستوعب وظيفة الأدب الجمالية ووظيفته الأيديولوجية. فكما يقول باختين: “المتكلم في الرواية هو دائما وبدرجات متفاوتة مُنتج أيدولوجيا وكلماته هي عينة أيديولوجية”!

وهذا ما قد يفقد العمل الروائي أو السردي عموما، أدبيته، فيذوب في خطاب آخر يرفع القبعة عن رأس الكاتب بشكل نهائي!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

بصيرة بورخيس

في كتابه الشهير ” صنعة الشعر ” يُقدم الأديب الأرجنتيني خورخي بورخيس ست محاضرات عن الشعر ألقاها في جامعة هارفرد خلال الفترة ما بين عامي1967 – 1968 ضمن برنامج نورتون لكتشرز . حيث تناول المواضيع التالية ( لغز الشعر ، الاستعارة ، فن حكاية القصص عبر الشعر الملحمي ، موسيقى الكلمات ، الفكر والشعر ، ومعتقد الشاعر ) . ليضيف اسهاما كبيرا منه في تغذية الوعي الأكاديمي قبل المتلقي العادي في عمق هذه المحاضرات التي تعتمد الفكر الإنساني وسيلة للتواصل ونقل الخبرة ، وليس مجرد أستاذ أو محاضر يجلس خلف منصة ، متحدثا عبر موجات الميكرفون المتذبذبة متسلحا بلوائح المكان في فرض رهبته . لم هكذا بورخيس ، هذا الشاعر المتكامل في كل مجال، وهو الذي فقد البصر في منتصف عمره ، نتيجة مرض ما أصاب والده قبله . لقد وجد بورخيس العمل كمحاضر عام ، يلقي المحاضرات كأستاذ زائر في عدد من الجامعات ، وجد ضالته في توعية الآخرين لتذوق الفن والجمال في العالم المختلف المدعو بالشعر. وهنا تكمن أهمية الكرسي الجامعي في تقديرهؤلاء الأدباء في استضافتهم وتقديم محاضرات ترتكز على نقل الخبرة والحواربينه وبين جيل الشباب ، ليكتسب الكرسي بهم هيبة وعلما، فمتى يبقى هذا الكرسي شاغرا في جامعاتنا العربية ؟

في هذا الكتاب الصادر عن دار المدى عام 2007 و ترجمه باقتدار وأمانة صالح علماني ، أقف عند فصل ( معتقد الشاعر ) الذي فصّل بورخيس فيه القول ، لدرجة أنه يعتبر شهادة أدبية منه ، فذكر أنه يرى نفسه قارئا بالدرجة الأولى قبل أن يكون كاتبا ، وأن ما قرأه أهم بكثير مما كتبه ، معللا ذلك : ” فالمرء يقرأ ما يرغب فيه ، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه ، وإنما ما يستطيعه ” . ليعود بذاكرته إلى ما قبل ستين عاما ، إلى مكتبة والده في بوينس آيرس ، وقراءة ألف ليلة وليلة التي يعود إليها دائما شأنها في ذلك شأن قصيدة جون كيتس المسماة ( أغنية إلى عندليب ) التي كان يرددها والده على مسامعه ، ليتذكر هذه الأبيات منها :

أنت لم تولد للموت، أيها العصفورُ الخالدْ

يجب ألا يدوسك أناس آخرون جائعون

الصوتُ الذى أسمعه عابراً هذه الليلة، هو الذىسمعه

فى الأيام القديمة، الفلاحُ والملكْ

ربما هذا الغناءُ نفسه، قد شقّ طريقاً

إلى قلب “روث” الحزين، عندما، بحنينٍ إلى المنزل

توقَّفتْ باكيةً فى حقل قمحٍ غريب .

عندما يصرّح أديب عالمي مثل بورخيس عن أهمية قراءة ما قرأه سابقا ، بل ويتذكر ما كان يسمعه ويردده مرارا وتكرارا ، فلأنه أراد البوح بما كان يعتقده بأن اللغة مثلا ، هي لقول أشياء للشكوى أو للتذمر من عدم السعادة ، إلا أنه بعد سماع هذه الأبيات أيقن أن اللغة أيضا موسيقى وعاطفة ، وهنا تكشّف له الشعر ، وتبصّر فيه . لهذا يستمتع بورخيس في كونه قارئا أكثر من كونه كاتبا ، فالقارئ غير مضطر إلى الإحساس بالقلق والغم ، إنه يتطلع إلى السعادة وحسب .

لاشك ان عودة بورخيس إلى كتب سبق له قراءتها تختلف عن غيره ، وهو بمكانته الأدبية التي وصل إليها ، هو تجديد المعنى لهذه القراءات . إلا أن هناك من تعود على مرجعية محدودة ، لا يتقبل فكرة تجاوزها مع ذاته ، لضعف ما أو عجز في استيعاب معنى الشعر أولا قبل القراءة ، وانشغال تام بما خارج الشعر وعالمه الشفيف. وفي هذه الحالة المناقضة شكلا ومضمونا لحالة بورخيس يعيش هذا البعض وهما عبّر عنه الكاتب السعودي محمد الرطيان في خاطرة مذهلة :

” يقولون لك : قراءة كتاب واحد 3 مرات خير من قراءة 3 كتب مرة واحدة . لا تصدقهم، فهذا ما يروجه ” الحفظة ” ! والأكيد أن قراءة 3 كتب مرة واحدة أفضل . لست مطالباً بحفظها ولا حتى بفهمها الفهم الكامل . هي بالنهاية ستتراكم بداخلك بشكل لا تعيه .وتقوم بتشكيلك بشكل مختلف . ” مع الكتاب الواحد ” بقراءاته الثلاث ستكون نفس الكتاب . مع قراءة 3 كتب ستكون : أنت”. هنا تكون القراءة بصيرة أكثر .

لذلك عزيزي الشاعر الشاب، عندما تجلس بقرب شاعر صاحب تجربة، ابحث عن بصيرته في القراءة وتقبله الاختلاف مع الآخر شعرا وفنا. ولا تنجرف بعواطفك نحوه دون نقده، فإن الشعر تجدد وثورة في المعنى ، لا يستكين في ظل واحد.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

سرد الترند

هناك من يردد أن الفن هو انعكاس للمجتمع وأنه يفضح أمراضه وعوراته!
وهنا أتساءل ما هو المقياس الفعلي للفن والفنان؟
هل هو بعدد الأعمال التي قدمها الشخص القائم بدور الفنان؟
هل بعدد الجوائز التي حصل عليها وإن كان بعضها غير ذات قيمة فنية؟
هل يرتبط ذلك بحجم جماهيرية هذا الفنان، شأنه في ذلك شأن بقية المشاهير من نجوم السوشيال ميديا؟
نفس هذه الأسئلة أطرحها بخصوص المثقف المبدع، روائيا، قاصا، شاعرا أو مسرحيا؟
تختلف الإجابة من فرد لآخر بحسب الوعي الخاص به، ولكن ما قد لا يكون حاضرا، هي تلك الاجابة المرتبطة بالأثر الدائم لهذا الفن في النفس البشرية، وتعود إليه كل ما أردت اشعال قنديل وعيك أمام طريقك. فالفن شعلة الأسئلة الدائمة التي لا تقبل الإجابات القطعية أو النهائية، الفن هو أن تغلق مسامعك عن العالم حولك وتستمتع بما تسمع ويتغلغل إلى روحك فيهذبها أجمل مما كانت عليه. الفن أن يجمع ما فرقته السياسة، وما نفته النظرية من جمال الفن ودهشته.
والروائي شأنه شأن كاتب الدراما الموسمية، قد لا يعبر عن وعي جديد، وإنما قد يكون نتيجة أوعية سرود سابقة مختزنة في ذاكرته تمت إعادة تدويرها في شكل سردي جديد، لذلك لا غرابة لفقدان الذات لوحدتها الموضوعية ومسؤوليتها في عملية القول، وفقدت عمقها في مصدرية وجهات النظر.
وهذا يفسّر وجود أعمال مكتوبة بشكل أقرب لدراما الترند، في البحث عن ضجة ما، قد تلقي حجرا في مياه راكدة بسبب مشهد تافه أو كتابة ركيكة، ويدخل المجتمع في تطاحن وتلاسن في وسائل التواصل الاجتماعي بسبب تراكمات ماضوية وليس اسقاطات سياسية كما يعتقد كتّابها وتبريرهم غير المنطقي ولا واقعي حيال ذلك!
فهو ذات الجمهور الذي ينتفض باسم العيب الاجتماعي على مشهد من مسلسل خلعت فيه الممثلة ملابسها الداخلية بشكل ايحائي وليس مباشرا لتقيس وزنها، متناسين أنهم قد يفعلون ذلك في نفس الموقف، هو ذات الجمهور الذي قد ينتفض حول مشهد سردي حول دخول الفتاة لسن المراهقة وما تتطلبه من عناية صحية خاصة ليست بخافية على المجتمع الذي يشاهد دعايات وسائل تلك العناية يوميا على شاشات الفضائيات بين المسلسلات !
ليست الصورة التي تثيرنا ولا الخيال الممكن عنها، ولكنه الوهم المتضخم بالعيب الاجتماعي، وأيضا توهمنا أن الكتابة تعكس كل الواقع دون تخييل فني، أو معالجة درامية مفترضة. وهذا ما يسقط في براثنه الجمهور والكاتب معا.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الطارئون في الكتابة للسياسة

أصبح العالم خلال فترة وجيزة أكبر منصة لتناول السياسة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، بصرف النظر عن الهوية والعمق التي تحتمها هذه الكتابات، ولكن أن تتصفح بعض الحسابات بشكل يومي، يصيبك العجب والملل في نفس الوقت من هذه المساحة الواسعة من المهتمين بالشأن السياسي، لتكون المنشورات والتغريدات مقياسك الحساس لفكرة صاحبها ومضمونها. وربما تعجبك تغريدات ومنشورات كثيرة ، في حين يصيبك مضمون بعضها بنوع من المغص المزعج . وقد ينطبق الأمر أيضا عند الآخر / القارئ !

في كتابه المختلف ، يقدم الإنجليزي جورج أورويل جملة من أفكاره وتأملاته وقراءاته التي تدور حول عالم الكتابة، وهو الروائي العتيد صاحب الأعمال المميزة والمؤثرة بقضاياها ورؤاها حتى اليوم – كرواية 1984 – لا يجد في كتابة المقال سوى رغبة ذاتية في التعبير عن بهجته عن شغفه المستمر تجاه الأسلوب النثري ، بعيدا عن التنظير السمج والرياء الفارغ . لذا ، فإن الجمهور الذي اختاره لم يكن من الطبقة الأرستقراطية بل الوسطى الدنيا غير المهنية التي لم تحظ بتعليم ثانوي والطبقة العاملة التي علّمت نفسها ذاتيا . ذلك مرده إلى أن أدب أورويل كان شعبيا في توجهه وليس نخبويا متعاليا .

في كتاب أورويل ( لماذا أكتب ) والذي ترجمه للعربية بكل اقتدار البحريني علي مدن وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ووزارة الثقافة البحرينية ، تم اختيار جملة من مقالاته التي عبّر عنها أورويل في أمنيته بأن يجعل الكتابة السياسية فناً ، برغم أن مقالاته هنا ليست منشورات سياسية وإنما تركيزها أدبي ، إلا أنه يرى أن كل كاتب هو بشكل ما داعية سياسي ، وأن مواضيعه محكومة بالرسالة التي يحاول نشرها . ولذلك كانت مقالاته نصيب دراسات محدودة لدراسة الفن الشعبي على اعتبار أنها تعبر بطريقة أو بأخرى عن المزاج العام غير الرسمي . وهنا جوهر أصل وفكرة المقال أنه تعبير عن رأي عام وفق نظرة شخصية قابلة للنقاش ومجبرة بالموضوعية مع الآخر ، على أساس أن كاتب المقال هو كاتب حقيقي متى ما فكّر باستقلالية وحرية أكثر من الأقلام المأجورة أو المروجة لأفكار حزبية ما . وهو ما قال عنه أورويل مرة : ” الكاتب ليس بامكانه أن يكون عضوا مخلصا في حزب سياسي ” . يقول ذلك وهو اليساري النشط والمؤيد لحزب العمال ، وقد يراه البعض تناقضا بقدر ما أراه شفافية ومصداقية لكاتب حقيقي ، يكتب عن واقع ملموس عليه أن يستمر في دورة حياته وأن لا تتوقف لأي سبب ، خاصة لو كان سياسيا ، لأن الحياة أشمل وأعم من هستيريا سياسية عابرة . لأختم المقال بهذا الاقتباس من مقاله ( بعض الأفكار حول العلجوم الشائع ) ليكون نصيحةلبعض المحسوبين على المقال السياسي شكلا وسطحا لا عمقا وفهما :” كم مرة وقفت وأنا أرى العلاجيم تتكاثر ، أو أرنبين بريين يقومان بمباراة ملاكمة في حقل قمح ناشئ ، وفكرت بكل الأشخاص المهمين الذين سوف يمنعونني من الاستمتاع بهذا لو أمكنهم ، لكن لحسن الحظ ليس بوسعهم عمل ذلك ، طالما أنك لست مريضا فعليا أو جائعا أو خائفا أو محبوسا في سجن أو مخيم عطلة ، الربيع ما يزال هو الربيع . القنابل النووية تتراكم في المصانع ، وافراد الشرطة يطوفون عبر المدن ، والأكاذيب تتدفق من مكبرات الصوت ، لكن الأرض ماتزال تدور حول الشمس ، لا الدكتاتوريون ولا البيروقراطيون – مهما اعترضوا بعمق على العملية – قادرون على ايقافها ” .

ما يود قوله أورويل في هذا الكتاب وأحاول اسقاطه في هذا المقال، أن من أهم أسباب تردي الكتابة للسياسة، هو هذا الزخم الكبير ممن يعتقدون أنهم كتّاب أو محللي سياسة، عبر حساباتهم الشخصية، ثم يتحولوا لضيوف دائمين في برامج سياسة وهم لا يملكون رصيدا وافرا من القراءات والمعرفة التي تؤهلهم لذلك، وهو ما تكتشفه في تعميم السطحية أو افتعال المعارك الكلامية دون أدنى قدرة على التحليل المنطقي والاقناع.

ولعل هذا ينسحب على الشأن الثقافي، فكثرة من يطلقون على أنفسهم كتّاب جعل الناس يضعون التفاح السليم مع الفاسد في نفس السلة.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

النص الروائي ومتاهته!

لاشك عند تحوّل الرواية التفاعلية إلى رواية منشورة أي مطبوعة، يعني انتفاء صفتها التفاعلية، لكونها باتت في صورة نهائية لا تقبل التعديل لاحقا، كما يظن. ولكن ألا يمكن أن تنشر منها طبعات لاحقة، قد تكون فيها استدراكات أو تعديلات عليها بعد تفاعل المتلقين معها كمطبوعة؟

من المعروف أن هناك طبعات معدّلة أو منقحة لروايات سبق لها أن صدرت في طبعات أولى، وجد الكاتب أو الناشر ضرورة في اصدار طبعات جديدة مَزيدة أو منقحة بناء على ردة فعل من القراء وآرائهم، أو أنها صدرت كأجزاء متفرقة، ثم صدرت جميعها في مجلد واحد. إذن كان هناك بالأصل تفاعل مع المتلقي، ولكنه تفاعل لاحق وليس متزامن.

ثمة أسئلة تحتاج مرانا كبيرا واطلاعا واسعا على مزاجية وانتقائية المتلقي، لأنه في الحالتين سلطة لا مناص منها و إليها.

والرواية التقليدية عانت من هذه السلطة لطبيعة التواصل اللاحق مع العمل دون أدنى فرصة للتفاعل مع النص والكاتب. وقد أتساءل هنا .. على مَن تقع مسؤولية تراجع الوظيفة التوصيلية في الرواية؟ هل تقع على عاتق المبدع (الروائي)، أم (المتلقي)، أم النص (الرواية)؟ 

بهذا السؤال انطلقت الناقدة السورية أسماء معيكل في كتابها ( الأفق المفتوح – نظريّة التوصيل في الخطاب الروائي المعاصر ) حيث أنها وصلت لنتيجة شبه نهائية ، أنه ومع ثورة المعلوماتية في عصر التكنولوجيا المتقدمة، بدأ المبدع يحسّ بتراجع دور القراءة مما جعله يهمل القارئ عموما، ويجنح إلى تغليب الجانب الذاتي في إبداعه على الجانب الموضوعي، وهذا أدّى إلى تراجع الوظيفة التواصلية ، برغم أنها الأساسية للرواية. لأنّ المبد ع – كما ترى معيكل – لم يعد يهتم بمتلقيه ، بقدر ما هو مهتم بالتعبير عن قناعاته ورؤاه بعيداً من الموضوعية، وهو ما انعكس سلبا على المتلقي الذي بدأ يشعر بإهمال المبدع له وربما تعاليه عليه ، مما جعل عدد القراء الذين ما زالوا يقرأون له في تراجع مستمر من جهة. ومن جهة ثانية، أخذ القارئ يتّهم المبدع بالغموض والإغراب وصعوبة فهمه. وبدوره رفض المبدع الاتهامات الموجهة اليه ، وراح يحض القارئ على ضرورة تسلّحه بالأدوات المعرفيّة اللازمة لفتح أبواب النص، والدخول إلى عالمه. كما بدأ يطالب بوجود قارئ خارق أو نموذجي لنصه.

خلاصة ما تحاول أن تصل إليه معيكل أنه بات بعض الكتاب يخلق لنفسه قراء خاصين به ربما بشروط معرفته وثقافته، لا يقبل  من غيرهم أي أسئلة أو ملاحظات مادام أنهم خارج حظيرته.  وهو ما يعني انغلاق أعماله عليه وعلى من حوله فقط. هل يمكن أن ننفي صفة التفاعلية مع الرواية التقليدية بهذه الحال؟ 

في حين ، يكون الأمر مغايرا للروائي الباحث عن العالمية ، الذي يرى في أعماله – وترجمتها خاصة – وسيلة للحوار مع الآخر المختلف معه ، متجاوزا لغته ومدارك ثقافته ومعرفته،  دون مواربة أو خوف من اتساع أفق الآخر . 

لعل هذا ما يمكن تلمسه مع روائي عالمي مثل جابرييل غارسيا ماركيز الذي يصرح وهو في مجده الأدبي العالمي أنه بدأ الكتابة بمحض الصدفة ، فقط ليبرهن لأحد أصدقائه أن جيله قادر على أنجاب كتّاب ، ليسقط في شرك الكتابة ويجد فيها المتعة، ثم في الشرك التالي وهو اكتشاف أن عشقه للكتابة يفوق حبه لأي شيء آخر في الدنيا. لأسرد موقفا عنه ذكره الصحافي الكولومبي أليساندرو دوكي ، الذي زار  ماركيز بينما  كان يكتب رواية ( الجنرال في متاهته) ، ولاحظ كيف توقف ماركيز عن الكتابة فجأة وأجرى مكالمة هاتفية، صدمت دوكي نفسه ، حيث اتصل ليسأل أحد علماء الفلك إن كان قد تحقّق من أن القمر كان بدراً في 10 يونيو 1813 ، فجاءت الإجابة مخيّبة لآماله ، لأن ماركيز تغيّر وجهه وطلب من متحدّثه التأكد من هذه المعلومة  في  أقرب وقت ممكن لأمر مهم وعاجل وخاص بفصل كامل  بالرواية . فسأله دوكي ( أي قارئ سيهتم بهذه المعلومة، ومن سيبحث إن كان القمر يوم 10 يونيو 1813 كاملاً أم لا ؟) فأجابه ماركيز بأهمية وجود قارئ متابع للروائي، مستشهدا باسم فرناندو غارابيتو الذي كان يمسك بأخطاء ماركيز في روايات سابقة ، وبناء على ذلك يعتبره أصعب قارئ له ، ورغم أنه لم يكن يعرفه شخصياً.  

وعندما صدرت رواية ( الجنرال في متاهته) لم يجد دوكي الفصل الذي يحتوي على ليلة العاشر من يونيو 1813 في غرناطة الجديدة ، حيث لم يكن قمرها بدراً كما تمنى ماركيز. ليكمل دوكي أنه بعد ثلاث أو أربع سنوات تعرّف إلى غارابيتو شخصيا وأخبره بلقائه بماركيز وما حدث. حينها قال غارابيتو: ( من المؤسف أن نُحرم من فصل بهذا الجمال بسببي). 

بالمقابل، كان هناك تفاعل بين الروائي امبرتو ايكو وقرائه حول بعض أعمتاله الروائية، كتغييره لاسم شخصية روائية حتى لا يكون هناك ترابط نصي سهل المعاينة والادراك مع حياة روائي يحمل ذات الإسم. فللقارئ الحق في الربط بينهما. أو عندم سأله أحد أصدقائه عن اسم امبارو في رواية (بندول فوكو)، بأنه بالأصل اسم لجبل مذكور في بعض الأغاني الشعبية، مما سبب مفاجأة لايكو، وغيرها من الحكايات التي ذكرها عن تفاعل القراء معه، فلنتخيّل لو كان هناك تفاعل بالأصل قائم بين الروائي وقراءه عبر روابط متاحة للتواصل والتعليق؟

وهذا ما نحاول الوصول إليه، بأن أثر الرواية التفاعلية من الممكن أن يكون حميدا ومنجزا للنص في حال اتصاله مع المتلقي في لحظة الخلق والتكوين للنص. 

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الرواية التفاعلية وأثرها على الرواية الواقعية

 يكاد يقترب جيرار جينيت من فكرة التفاعل ضمن إطار المناص التأليفي الخاص بالمؤلف الذي حدده بقوله: ” هو تلك المنطقة المترددة بين الداخل والخارج، المصاحبة لنصها، والعاضدة له شرحا وتفسيرا، فالمناص نص ولكن نص يوازي نصه الأصلي، محققا بذلك نصيته من خلال ميثاقه (التخييلي) مع الكاتب، ومحققا كذلك مناصيته بمعاقدته (طباعيا) مع الناشر، فالمناصية هي ما تجعل من النص كتابا يقترح نفسه (بمصاحباته: النص المحيط، والنص الفوقي)، على قرائه خاصة، وجمهوره المستهدف عامة. ” 

هذا يحيلنا بالأساس إلى مصطلح جيرار جينيت Paratext، الذي تُرجم إلى المناص أو العتبات أو النص الموازي.  

 فالمناص عند يقطين بأنها تلك “البنية النصية التي تشترك وبنية نصية أصلية في مقام وسياق معينين، وتجاورها محافظة على بنيتها كاملة ومستقلة، وهذه البنية النصية قد تكون شعرا أو نثرا، وقد تنتمي إلى خطابات عديدة، كما أنها قد تأتي هامشا أو تعليقا على مقطع سردي، أو حوار وما شابه”.

وبتعبير سابق لـ(بورخيس) البهو الذي يسمح لكل منا دخوله أو الرجوع منه”.

وهو ما قد يعني، أهمية الدور التواصلي الذي قد تلعبه البنية في توجيه القراءة.

 إضافة إلى Paratext هناك مصطلح جينيت الآخر Epitexte، أي النص الفوقي أو النص الموازي الخارجي، وهو “يكتب بمنأى عن النص، وإن كان جزءا من رؤية كاتبه، ومتصل بعوامله اتصالا وثيقا” . 

 فهذا النوع يتعلق بكل ما له صلة بالكتاب من الخارج، كنقده، وتقديم، قراءة فيه، اللقاءات مع الكاتب، الحوارات، المناقشات، ندوات، تعليقات، مراسلات، مشاركات. وهو بطبيعة الحال، متأخر زمنيا عن الكتاب، أي النص الأساس أو المتن، لأن الكتاب هنا وسيلته النشر الطباعي/الورقي/الخطي. ومع كل نقاط التلاقي، مع النص والكاتب، إلا أن العلاقة هنا بين تبقى منحصرة ضمن تفاعل غير مباشرة. ولأهمية دور التفاعل المباشرعند بعض الكتاب، وبعد ثورة المعلومات، أصبحت هناك حاجة ماسة لتنوع الوسائل والوسائط للسرد، لاسيما وأن السرد متعدد الوسائط كما ذكر جيرالد برنس بأن دانتو و غريماس و تودوروف قرروا أن السرد يجب أن يتضمن موضوعا متصلا ويشكل كلا متكاملا، والوسائط (الميديا) السردية للعرض متنوعة ( شفهية ومكتوبة ولغة من السيميائيات وصور متحركة أو ثابتة وإيماءات وموسيقى أو اية توليفة منتظمة منهم). 

وهذا يتصل بمصطلح آخر، Narrative medium  الوسط السردي، وهو بتعريف برنس: ” مادة المستوى التعبيري للسرد، ففي السرد المكتوب مثلا الوسيط هو اللغة المكتوبة، وفي السرد الشفهي فإن الوسيط هو اللغة الشفهية”. ما يعني أنه يمكن أضافة أنواع جديدة، وسط الصورة كما في الرويات المصورة (الكوميكس) ووسط الصوت (الكتاب الصوتي). 

إذن لدينا منظومة سردية يمكن أن تكون متكاملة، وتحقق خطابا روائيا جديدا يعتمد على جميع أطراف العلاقة، لأعود ثانية إلى يقطين وما يمكن أن يتجلى عن السرد: 

” يتحدد الحكي (السرد ) بالنسبة لي كتجل خطابي ، سواء كان هذا الخطاب يوظف اللغة أو غيرها. ويتشكل هذا التجلي الخطابي من توالي أحداث مترابطة، تحكمها علاقات متداخلة بين مختلف مكوناتها وعناصرها. وبما أن الحكي بهذا التحديد متعدد الوسائط التي عبرها يتجلى كخطاب أمام متلقيه، نفترض – على غرار ما ذهب إليه بارت – أنه يمكن أن يقدم بواسطة اللغة أو الحركة أو الصورة المنفـردة أو مجتمعة بحسب نوعية الخطاب الحكائي ”  . 

بهذا لم تكن التكنولوجيا، لوحدها سببا في تأسيس مفهوم الترابط النصيالذي يتصل بمفهوم التفاعل النصي سواء مطبوعا أو الكترونيا، وإنما أيضالتقديم رؤية مختلفة عن العالم، والاندماج معه، والخروج عن أي وصاية على النص، ليس بعد انتاجه، بل قبله وأثناءه، فكانت الحاجة لنص آخر، أكثر انتاحية وفعالية من قبل المتلقي.

فهل تحتاج الرواية العربية الجديدة لذلك؟

ذكر شكري عزيز الماضي في كتابه ( أنماط الرواية العربية الجديدة ) أنه من البداهة القول، إن الرواية الجديدة ، تعبير فني عن حدة الأزمات المصيرية التي تواجه الإنسان، تسعى لتأسيس ذائقة جديدة أو وعي جمالي جديد، مستندة إلى جماليات التفكك تماهياً مع تشظى الأبنية المجتمعية، وفقدان الإنسان وحدته مع ذاته.

كما يشير إلى أن الرواية الجديدة لا تمتلك لغة واحدة ، بل نلحظ أحياناً تمرداً على اللغة وتراكيبها المألوفة وقواعدها، ثم إن الشكـل في الرواية الجديدة ليس قالباً جاهزاً يلقى على التجربة  فيحتويها ، بل شكل ينمو من خلال التجربة ويخضع لمتطلباتها ، بمعنى أن الشكل تجريبي يخلقه كل من المؤلف والقارئ ، ولذلك فالتصميم المتناثر للرواية الجديدة ينطوي في داخله على دوائر دلالية جزئية تمكن القارئ من استخلاص الدلالة الكلية للرواية وأهدافها من خلال علاقتها بحركة الواقع/ العالم. 

ففي عالم بات مفتوحا على الآخر، ومتجاوزا كل حدود السلطة والرقابة، بات المبدع العربي يجد نفسها مضطرا إلى أهمية انفتاح النص والتشابك مع حرية اختيار الآخر لتلقي النص، في تحديث تقنيات الكتابة والخطاب، وتنوع الوسيلة والوسط. فوجد الفرصة متاحة في أن يمارس حريته النصية وتحرره من سلطة الرقيب والنشر، فاتجه الكاتب والمتلقي معا إلى عوالم جديدة، فبمحاذاة النص الروائي، باتت هناك بنية روائية جديدة تتطلب وعيا بأهمية النص المترابط أو التشعبي hypertext ، والفنيات المرتبطة به، حيث تحول العمل الروائي بكل تقنياته الكتابية مع تقنيات جديدة بصرية، صوتية، وغيرها إلى روابط نصية. 

وقد عرفت اللغة العربية النص المتشعب أو المتفرع في شرح المتون والحواشي المتفرعة وحاشية الحاشية، ولا يبدو النص المتشعب فقط في المتون والحواشي وأسلوب الاستطراد بل يبدو تشعب النص في المقالات المعروفة للقارئ والناقد. كما أن فكرة التفاعل متحققة فعلا في تعليقات القراء ومداخلاتهم على النصوص المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي. كما يذكر الدكتور بسيوني : “أن النص التشعبي سبق الأجهزة الحاسوبية وشبكة المعلومات عندما اقترحه فانيفار بوش عام 1945 بفكرة توفير المعلومات الجماعية والمرنة في نظام يسمح للمستخدم بتنظيم طريقة معلومات ذات طبيعة مختلفة، بمعنى أنه تنظيم من قبل فكرة القارئ بخيال أكثر حرية واقل تقييدا في القراءة.”

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، إذا كانت الرواية عملا منشورا، وقرر الكاتب إعادة إنتاجها عبر تجريب الرواية التفاعلية، هل يمكن أن نسميها بعد ذلك تفاعلية؟

كذلك، إذا كان الرواية بالأصل تفاعلية، وتحولت للنشر الطباعي، هل فقدت تفاعليتها؟

ثمة أسئلة تحتاج مرانا كبيرا واطلاعا واسعا على مزاجية وانتقائية المتلقي، لأنه في الحالتين سلطة لا مناص منها و إليها.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

كأس العالم ببشت خليجي

على مدى شهر تقريبا، قضى العالم وقتا ممتعا وحماسيا مع الساحرة المستديرة، في مهرجان رياضي دولي عبّر عن حاجة البشر إلى فسحة قصيرة لالتقاط أنفاسه وايقاف الزمن لبُرهة، لينسوا فيها الصراعات ووجوهها المختلفة، ونذر الحرب النووية، ليعيش متنفسا جميلا متمثلا بلعبة كرة القدم التي أطلق عليه الفيلسوف الايطالي غرامشي (مملكة الوفاء البشري التي تمارس في الهواء الطلق).

ما يشدك في مشهد افتتاح البطولة الدولية التي أقيمت في الدوحة، هو ذلك الحوار المُدهش بين الممثل العالمي مورجان فريمان والشاب القطري المعجزة غانم المفتاح الذي افتتح الحوار بقوله تعالى:” يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكم”.

فيقول مورغان: “أرى الآن أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا.. كيف يمكن أن نديم التوافق أكثر وأكثر”. فأجابه الشاب القطري: “بالتسامح والاحترام يمكن أن نحيا معاً تحت سقف واحد”.

وهذا ما عملت عليه دولة قطر من بداية استعدادها لتنظيم بطولة كأس العالم، وكيف يمكن أن تنسجم البطولة الدولية مع طبيعة وعادات أهل البلد والمنطقة في تحدٍ كبير لكل ما سبق من مظاهر واحتفالات الدورات السابقة للبطولة في أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا.

فبالتسامح والاحترام فرضت قطر هيبة هُويتها وثقافتها العربية والإسلامية، فلا يعلو أي اعتبار على هُويتها وخصوصيتها، سواء ما تجسّد في حفل الافتتاح أو أثناء الدورة وصولا إلى حفل الختام حيث حرصت على حضور الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي مرتديا الكوفية الفلسطينية وملقيا كلمة تعبر عن أهمية حق الشعوب في السلام والوجود.

ولأن قطر آمنت بأهمية اعتزاز الإنسان العربي بمبادئه وهويته، جعلها ذلك عرضة لهجوم كثير من الصحافة والأقلام الغربية محاولة تقليل أهمية البطولة الحالية أو مصادرة فرص نجاحها. فكان الرد الحاسم على أرض الواقع بالتنظيم المتفوق على مستوى عالمي غير مسبوق بإشراف قطري محترف جدا، ليكون مبعث فخر كبير لأبناء الخليج. وهو ما اكتمل رمزيا في نهاية تتويج المنتخب الأرجنتيني بإلباس اللاعب العالمي ليونيل ميسي البشت الخليجي كدلالة على نجاح البطولة على أرض الخليج، وردا على كل من شكك بقدرة قطر على تنظيم البطولة، ورسالة بأن دول الخليج العربية ليست فقط منتجة للنفط، بل صارت مركزا للثقافة والفن والرياضة على مستوى العالم أجمع.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

في اليوم العالمي للفلسفة

يحتفل العالم بيوم 19 نوفمبر بالفلسفة، لكونها محركة العقل البشري والحوار الحضاري بين الأمم. ويمكن اختصار الفلسفة بأنها حبُّ الحكمة، أي التوازن في التفكير والاعتدال في التعامل مع وجهات الرأي المختلفة وبعد النظر في رسم المستقبل.

وللفلسفة مجالات كثيرة، وتفرعت منها علوم شتى، لهذا عندما يصل طالب العلم إلى درجة الدكتوراه PHD فهو حاز درجة الدكتوراه في فلسفة المجال العلمي الذي تخصص به. ولكن العبرة في الاستمرار بالبحث العلمي و التحليل الفكري لقضايا البشرية، عبر بحوث ودراسات واصدارات تكون شاهدة على الإرث الفلسفي له.

ومع ذلك، ليست الفلسفة حكرا على باحثي ودارسي كليات وأقسام الفلسفة، وإنما هي مشاعة لكل من تخصص في مجاله وقدّم نظريات حديثة وساهم في تعديل مسار تحليل الفكر العلمي مما له دور في تنمية الوعي المجتمعي.

فالفيلسوف إنسان مبدع بطبعه، فهناك الفيلسوف الشاعر، الروائي، المسرحي، الفنان، الناقد.

أخيرا.. حول فكرة الفلسفة أعجبني ما قاله امبرتو ايكو عن سبب غزارة انتاجه، فرد قائلا:

“أعطاني إياها أحد أساتذتي عندما كُنت فتياً. إذ قال لي يوماً: يجب أن تعرف يا أُمبرتو أننا نولد وفي رأسنا فكرة واحدة، وأننا نعيش كل حياتنا ساعين وراء تلك الفكرة بالذات. أذكر أني أعتقدتُ يومذاك أن أستاذي هذا في غاية الرجعية لإلغائه كل احتمالات التغيير لدى الإنسان. لكني إذا رحتُ أنضج، اكتشفتُ أنه على حق، وأني طوال حياتي لم أسع إلا وراء فكرة واحدة فقط لا غير: المشكلة هي أني لم أعرف بعد ما هي تلك الفكرة! لكني متفائل وآمل في اكتشافها قبل موتي.”

إذن الفلسفة هي بحث عن فكرة واحدة تشغل عقلنا منذ ولادتنا، وقد لا نجدها، دون أن نتحول لظاهرة صوتية تجتر من الفلسفة اسمها المجرد فقط. ولعل هذا كان سبب سخط جان جاك روسو من كثير ممن انتسبوا للفلسفة أو احتسبوا عليها بقوله: “امتلأ الفكر الفلسفي بترهات يخجل منها المرء إذا نزع عنها زينتها الكلامية”!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

صناعة التفاهة -١

في مستهل الموسم الحادي عشر للملتقى الثقافي المنعقد في بيت الأديب طالب الرفاعي، أقيمت جلسة مناقشة كتاب (نظام التفاهة) للمفكر الفرنسي آلان دونو، بحضور مترجمة الكتاب أستاذة القانون في جامعة الكويت الدكتورة مشاعل الهاجري. بدأت الجلسة بورقة للدكتور حامد الحمود كمراجعة سريعة للكتاب، وضع من خلالها جملة ملاحظات على الكاتب والكتاب، ثم فتح باب النقاش لحضور الملتقى. وفي خضم هذه الجلسة المهمة، كانت جملة من الأفكار تدور في ذهني سبق لي أن أثرتها في حوارات عدة، حول نظام التفاهة كواقع جديد مفروض على المجتمعات البشرية في زمن هو أقرب لحرب نووية محتملة نتيجة صراع الأقطاب في العالم، ولعل تسيّد التفاهة بدأ مع ارهاصات ما بعد الحداثة، حيث تمت إسالة الكثير من القيم والمنظومات والمصطلحات الحداثية في بوتقة لشكل العصرية الجديدة الداعية في مجمل أطروحاتها للقطيعة مع التاريخ الفكري للإنسان و النظم الأخلاقية المؤسسة للمجتمع الإنساني و الدخول في صراعات الهويات الصغرى. ما يحدث اليوم من التسليع الاستهلاكي للزمن، هو بداية طريق نحو انهيار شكل العالم والعيش الإنساني كما يذكر زيجمونت باومان في (الحداثة السائلة) ضمن سلسلة السيولة.
إن ما نشهده في عالمنا اليوم هو صناعة الاستهلاك التي تعتمد على صناعة التفاهة في تذويب كل منصات التفكير الناقد و تقليص مساحة تداول الخطاب العقلاني في العلاقات القائمة على الفعل البشري، فباتت المادية هاجس وغاية الغالبية من الناس للحياة في ظل الشكليات والمظاهر على سطح وجودهم، وهو ما ساهم في تسطيح الكثير من الوسائل، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي التي بدأت تقود الرأي والذائقة العاميين إلى المزيد من التشتت الفكري والنفسي والاجتماعي، على المستوى الفردي والجماعي. لذلك، بدا اليوم الحديث عن التفاهة بأنها شكل من أشكال النظام الجديد، وخطاب بديل عن الثقافة المُنتجة.

فهد توفيق الهندال