التصنيفات
مدونتي

الفكر الاستعماري: من الاستشراق إلى المرايا


حين نتأمل في خطاب “إحياء الحرب الصليبية” أو استعادة الفكر الاستعماري في صور معاصرة، فإننا لا نواجه مجرد سياسات دولية، بل نواجه أيضًا بنى فكرية ومعرفية كرّست التبعية منذ زمن طويل. هنا، يبرز دور مفكرين ونقاد مثل إدوارد سعيد الذي فضح خطاب الاستشراق والثقافة الإمبريالية، وعبد العزيز حمودة الذي نقد “النقد الغربي” عبر مشروعه الثلاثي: المرايا المحدبة (1998)، المرايا المقعرة (1998)، والمرايا المستوية (2001). ولم يكن هذا المشروع مجرد تنظير نقدي، بل محاولة لإعادة بناء هوية ثقافية عربية مستقلة في مواجهة مرايا الغرب المشوهة.

المرايا المحدبة – صورة الآخر المشوهة
في هذا الجزء، قدّم حمودة نقدًا جذريًا للنقد الغربي البنيوي وما بعد البنيوي، ورأى أنه يقدم لنا صورة “محدبة” مشوهة عن أنفسنا. تشبه هذه المرآة صورة الغرب للشرق في الاستشراق؛ تكبير للعيوب، تقزيم للذات، وتقديم الشرق باعتباره كائنًا تابعًا لا يملك أدوات إنتاج المعرفة (حمودة، 1998).
إذن العلاقة هنا واضحة مع الفكر الاستعماري، فالغرب يبرر سيطرته بادعاء أن الآخر ضعيف، وأنه يحتاج إلى “وصاية حضارية”.

المرايا المقعرة – صورة الآخر المنكمشة
يتنقل حمودة في المرايا المقعرة إلى نقد التبعية الداخلية؛ أي كيف أن المثقف العربي حين يتبنى النقد الغربي دون مساءلة، يصبح أسيرًا لمرآة “مقعرة”. ولا تكبّر هذه المرآة العيوب فحسب، بل تصغر الذات حتى التلاشي، وتجعل المثقف العربي في موقع التابع الذي لا يملك إلا أن يردد ما يقوله الغرب.
بهذا تصبح “الحرب الصليبية” ليست فقط مواجهة عسكرية، بل مواجهة معرفية حيث يُفقد العربي ثقته بنفسه ويُستدرج إلى الاستلاب.

المرايا المستوية – البحث عن البديل
حاول حمّوده في الجزء الثالث المرايا المستوية أن يرسم أفقًا لخطاب نقدي عربي مستقل. فالمرآة المستوية هي التي تعكس الذات كما هي، بلا تضخيم ولا تصغير. ويشبه هذا المشروع دعوة المفكرين المناهضين للاستعمار إلى بناء لغة بديلة تقاوم المركزية الغربية. ففي سياق “إحياء الحرب الصليبية”، يصبح هذا المسار هو السبيل لمواجهة الصورة النمطية، بأن نعيد صياغة خطابنا المعرفي والثقافي بأدواتنا الخاصة، لا بمرايا الآخرين.

تقاطعات حمودة وسعيد
فضح سعيد الاستشراق باعتباره خطاب سلطة يبرر السيطرة.
ونقد حمّودة البنية النقدية والفكرية التي تجعل المثقف العربي أسيرًا للمرايا الغربية. ليتفقا بأن الاستعمار لم ينتهِ، بل تحول من مدافع وجيوش إلى خطابات، أسواق، ومرايا فكرية.

لم يكن إحياء الفكر الاستعماري فقط باستعادة لمعركة تاريخية، بل هو إعادة إنتاج متواصلة للصور المشوهة عن الشرق والعرب. لذلم، يقدّم مشروع عبد العزيز حمودة، عبر المرايا المحدبة والمقعرة والمستوية، دروسًا بليغة، أن مقاومة الاستعمار لا تكتمل إلا عبر تفكيك المرايا المشوهة وبناء مرآة مستوية تعكس الذات العربية بأصالتها وحداثتها.
بهذا المعنى، تصبح المواجهة الثقافية والمعرفية الوجه الآخر للمواجهة السياسية، ويصبح تحرير “الصورة” شرطًا لتحرير “الأرض”.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

نقد وتحليل الخطاب الإمبريالي


يشكّل إدوارد سعيد أحد أبرز أعلام النقد الثقافي في القرن العشرين. فمنذ كتابه الأشهر الاستشراق (1978) وحتى الثقافة والإمبريالية (1993)، فتح سعيد الباب أمام جيل كامل من الدراسات التي أعادت النظر في علاقة الثقافة بالسلطة، وفضحت كيف شكّلت المعرفة الأوروبية عن الشرق والعالم الثالث أداة من أدوات الإمبراطورية.
غير أن إسهامه الأكبر تجلّى في صياغة مفهوم الخطاب الإمبريالي، باعتباره نسقًا معرفيًا ولغويًا وأدبيًا منح المشروعية الثقافية للاستعمار الغربي.

1. مفهوم الخطاب الإمبريالي

ليس الخطاب عند سعيد مجرد كلمات، بل بنية فكرية وثقافية تتجاوز النصوص لتؤسس رؤية للعالم. الإمبراطورية الغربية لم تعتمد فقط على المدافع والبوارج، بل على الرواية، الشعر، الفلسفة، والعلوم الإنسانية التي أعادت إنتاج صورة “الآخر” كموضوع للهيمنة. بذلك يصبح الأدب الغربي – من جين أوستن إلى جوزيف كونراد – جزءًا من آلة الاستعمار، وإن بدا للوهلة الأولى محايدًا أو إنسانيًا.

2. الأدب كمرآة للإمبراطورية

في رواية مانسفيلد بارك لجين أوستن، يظهر ذكرٌ عابر لمزارع السكر في أنتيغوا، وهي المزارع التي قامت على استغلال العبيد. هذا الحضور الصامت يفضح كيف كانت الإمبراطورية متجذرة في تفاصيل الحياة الأدبية اليومية.
وفي قلب الظلام لكونراد، نجد نقدًا أخلاقيًا للاستعمار، لكن من داخل مركزية أوروبية ترى أفريقيا كـ”فراغ مظلم”، وتُغيب أصوات أهلها.
ويبرهن سعيد أن الأدب الغربي هو نص إمبريالي بامتياز، ليس لأنه يمجّد الاستعمار دائمًا، بل لأنه يرسّخ مركزية أوروبا في تمثيل العالم.

3. الثنائية الحضارية: “نحن” و”هم”

يقوم الخطاب الإمبريالي على تقسيم حاد:
“نحن” الغرب: العقلانية، التقدّم، النظام.
“هم” الآخرون: العاطفة، البدائية، الفوضى.
هذه الثنائية ليست بريئة، بل هي آلية أيديولوجية لتبرير السيطرة. فالشرق، في المخيال الغربي، يحتاج إلى “وصاية” أوروبية، ما يجعل الاحتلال فعلًا “حضاريًا” في نظر الأوروبي.

4. المقاومة الثقافية وإعادة الكتابة

إدوارد سعيد يرفض أن يكون المثقف مجرد قارئ خاضع. بل يدعو إلى قراءة مضادة تكشف آثار الاستعمار في النصوص الأدبية والفكرية، وتعيد سرد التاريخ من منظور الشعوب المستَعمَرة.
من هنا تأتي أهمية ربط الأدب الغربي بأدب المقاومة في فلسطين والهند وأفريقيا، حيث يصبح الكتابة نفسها فعلا مقاوما.

5. الامتداد المعاصر للخطاب الإمبريالي

يحذر سعيد من الاعتقاد بأن الخطاب الإمبريالي انتهى بانتهاء الاستعمار الكلاسيكي. بل هو يعيد إنتاج نفسه اليوم عبر:

– وسائل الإعلام الغربية التي تهيمن على تمثيل العرب والمسلمين (خصوصًا بعد 11 سبتمبر).

– الخطاب الأكاديمي في الجامعات الغربية.

– السينما والأدب الحديثين.
بذلك، فإن المعركة مع الإمبريالية مستمرة ثقافيًا، وإن تغيّرت أدواتها.

هكذا، فإن الفكر العربي النقدي وجد في سعيد مرجعية عالمية، وفي الوقت نفسه قدّم مقاربات محلية أكثر التصاقًا بالسياق العربي. ويمكن قراءة مشروع سعيد بوصفه تفكيكًا لمفهوم الحقيقة الكونية في الفكر الغربي. فالخطاب الإمبريالي ادّعى امتلاك الحقيقة حول “العالم الآخر”، بينما في جوهره هو خطاب قوة. وهنا يلتقي مع فوكو في ربط المعرفة بالسلطة، لكنه يذهب أبعد بالتركيز على الاستعمار كتجسيد لهذه العلاقة.

إذن، الخطاب الإمبريالي الذي حلّله إدوارد سعيد ليس مجرد دراسة أدبية، بل مشروع تحرري يسعى إلى إعادة كتابة العلاقة بين الثقافة والسلطة. وهو مشروع ما يزال حاضرًا اليوم في مواجهة الصور النمطية والعنف الرمزي الذي تمارسه وسائل الإعلام والسياسة العالمية على الشرق والعالم العربي.
لإن مقاومة الاستعمار – كما يقول سعيد-  لا تبدأ بالبندقية، بل تبدأ بـ الكلمة، وبفضح كيف صيغت الحكاية ومن يملك حق روايتها.

التصنيفات
مدونتي

الفكر العربي بين نقد المفهوم والتكرار : قراءة في الندوات الثقافية



في النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن العشرين، عقدت في الكويت ندوة بعنوان ( ندوة الفكر العربي المعاصر)* في أكتوبر من العام 1997. أتذكر الندوة بكل تفاصيلها، الأوراق المقدمة والمداخلات والمشاحنات التي رافقتها، في حدث استثنائي لأهمية الأسماء المشاركة، والمحاور الفكرية الجريئة التي تضمنتها، فكانت حدثا ثقافيا استثنائيا وقتها، ووعيا ناضجا بالثقافة العربية وروادّها.
استمرت الندوة لمدة أربعة ايام على فترتين، وشارك فيها عدد من المثقفين والمفكرين العرب، عولجت فيها ثلاثة محاور أساسية هي:

المحور الأول: “اتجاهات الخطاب الفكري العربي المعاصر: تقييم نقدي” ، وتوزع على خمسة أبحاث هي:
1- الاتجاه السلفي، قدمها: د. حيدر ابراهيم، د. سليم العوا، د. فهمي جدعان، د. رضوان السيد.  2- الاتجاه الليبرالي، قدمها:  د. علي الدين هلال، د. عبد الخالق عبدالله، المستشار طارق البشري، د. جابر عصفور. 3- الاتجاه القومي، قدمها: د. علي حرب ود. علي اومليل. 4- الاتجاه التوفيقي، قدمها: د. محمد جابر الأنصاري ود. ناصيف نصار. 5- الاتجاه الماركسي، قدمها: شوقي جلال وأحمد الديني.

وتضمن المحور الثاني: “إشكاليات الفكر العربي المعاصر: تقييم واستشراف”، ضمت اربعة أبحاث هي:
1- التحولات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية وانعكاساتها الفكرية، قدمها: د. محمد السيد سعيد ود. باقر النجار. 2- اشكاليات الفكر العربي المجتمعية والسلطوية، قدمها: د. خلدون النقيب ود. أحمد أبو زيد. 3- الفكر العربي والجماهير (إشكالية النخبة)، قدمها: د. تركي الحمد ود.فؤاد زكريا. 4- الفكر العربي بين النظرية والواقع، قدمها: د. محمود أمين العالم وأياد مدني.

في حين جاء عنوان المحور الثالث: “استشراف المستقبل”، وتضمن العناوين:
1- الفكر العربي والزمن: أين نحن من نهضة مطلع القرن، قدمها:  د. السيد يسين ود. الحبيب الجنحاني.  2 -الفكر العربي والمستجدات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية في العالم، قدمها: د. اسماعيل صبري عبدالله ود. رمزي زكي. 3- الفكر العربي وجدلية التقدم والتأخر، قدمها: جورج طرابيشي ود. محمد الرميحي.
تخيّل معي هذه الأسماء الجليلة والأوراق التي قدموها، والأفكار التي طرحت، وأثارت الحوار والنقاش والجدل والخلاف حولها.
وقد نشرت الأوراق في عدد يناير من مجلة عالم الفكر العام 1998.
وجدير بالذكر، أنه سبق الندوة بعامين عددٌ خاص من المجلة العربية للعلوم الإنسانية الصادرة عن جامعة الكويت بالتعاون مع مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عن ندوة نُظمت في عنوان مشابه، تناولت بعض المواضيع مبكرا قبل عقد الندوة، وهو أمر لا ننتقده، بل نشيد به كثيرا لكونه من جهة أكاديمية كجامعة الكويت مما يوضح دورها الطليعي آنذاك في طرح هذه القضايا. فلا ضير بأن تكمل الندوات مشاريع بعضها البعض، على خلاف اليوم. إذ أن هناك الكثير من الندوات الثقافية العربية التي تُطرح فيها عناوين كبرى برّاقة ومثقلة بالمصطلحات، لكن حين يُرفع الستار، سرعان ما نكتشف أن العنوان أكبر من المتن، وأن الطرح يراوح مكانه بين التعميم والإنشاء، دون تفكيك حقيقي، بل مجرد نسخ للمفاهيم، بلا مواجهة صادقة للأسئلة. ناهيك عن تكرار الأسماء، مما يفيد ثبات الآراء والأفكار دون تجديدهما.
سنحاول أبراز ملامح الخلل، وهي:

1. التهويل المفاهيمي:
كثير من العناوين توظّف مصطلحات فلسفية أو فكرية معقدة، لا يتم تفكيكها داخل الجلسات، وكأنها ديكور خطابي لشدّ الانتباه لا أكثر، وكأن عناوين الأوراق اجتمعت واتفقت على ذات العنوان!

2. التكرار والتدوير:
نفس العناوين تعود كل عام، بصياغات مختلفة، ولكن بالمحتوى ذاته، دون طرح جديد أو زوايا مغايرة.

3. الانفصال عن الواقع:
الندوات تناقش “الهوية” أو “ما بعد الحداثة”، بينما لا علاقة لها بتجربة المتلقي أو المبدع اليوم، ولا تقدّم توصيات أو حلول قابلة للتنفيذ.

4. غياب سؤال “لماذا؟”
إذ تُطرح العناوين من أجل الندوة، لا من أجل حاجة فكرية أو جدل مجتمعي حقيقي، فتغيب الأسئلة الجذرية وتحضر الشعارات.

5- عدم التنسيق بين الجهات المنظمة، بحيث تكون الندوات أشبه بسلسلة فكرية، تكمل بعضها البعض، وليس تغريدا في كل عنوان يهيمون، المهم سد ثغرة جدول، دون بحث في أرشيف الندوات ومحاولة امساك خيط ما من ندوة سابقة، ليكون أساس أخرى لاحقة.

نحن لا نرفض العناوين الكبرى بذاتها، بل ننتقد تحويلها إلى قوالب بلاغية فارغة بدل أن تكون مداخل لمساءلة الواقع وتوسيع أفق الفهم. فالعنوان، في الندوة كما في النص، يجب أن يكون وعدًا بالمضمون. لا بديلاً عنه.

*نقلت تفاصيل الندوة من جريدة السفير اللبنانية عدد 7834 بتاريخ 1997-10-29

د. فهد توفيق الهندال

#نقد_ثقافي #الندوات_الثقافية #خطاب_ثقافي #العناوين_الكبرى #فكر_نقدي

التصنيفات
مدونتي

جدلية الفنون في الخطاب الإعلامي الجديد



في عالم يتقاطع فيه الفن والإعلام على نحو غير مسبوق، تبرز جدلية الفنون في الخطاب الإعلامي الجديد كإحدى الإشكاليات الثقافية والفكرية المعاصرة. فلم يعد الفن ذلك الكيان المستقل الذي يعيش في صالات العرض أو صفحات الكتب، بل صار اليوم أداة مركزيّة داخل المنظومة الإعلامية الرقمية، يُعاد تشكيله باستمرار لخدمة أجندات، أو التأثير في وجدان الجمهور، أو حتى بوصفه لغة خطابية بحد ذاتها.

1. تحولات المشهد: من الجماليات إلى الوظيفة
مع صعود الإعلام الجديد القائم على التفاعلية والبصرية الفائقة، تغيّر مفهوم “الفن” من كونه تعبيرًا عن الذات أو الجماعة، إلى أداة توصل الرسائل وتبني الرأي العام. وهنا تبرز إشكالية: هل ما يُنتَج اليوم فن، أم دعاية؟
قد يجيب مارشال ماكلوهان، المفكر الكندي في وسائل الإعلام:
“الفن هو رادار المجتمع، يكشف عنه قبل أن يعي هو ذاته ما يحدث.” وهذا يكشف كيف بات الفن مستبقًا لتحولات الواقع، لكنه حين يدخل دائرة الإعلام يتحول أحيانًا إلى أداة استهلاك لحظي، لا كشف مستقبلي. ورغم جاذبية الصورة الاستعارية التي يقدمها ماكلوهان، إلا أن تشبيه الفن بـ”الرادار” يحمل نزعة حتمية مفرطة. لا يكون الفن دومًا استباقيًا لتحولات المجتمع، بل في أحيان كثيرة يكون ارتكاسيًا أو حنينيًا، يعيد إنتاج الماضي أو يحاول مقاومة الحاضر لا كشف مستقبله.
كما أن هذا التصور يتجاهل البعد الفردي والذاتي للفن، باعتباره ممارسة شخصية أو حدسية، لا تُختزل في وظيفة استشرافية.


2. الفن كخطاب: هل يمكن أن يكون محايدًا؟
في عالم اليوم، تُستخدم الصور، الموسيقى، وحتى تصميم الشعارات، كأدوات إقناع أو مقاومة. ومع ذلك، لا يمكن للفن أن يكون محايدًا حين يُستخدم ضمن خطابٍ إعلامي مصمم للتأثير والتوجيه. وربما هو ما حدا بالإعلامية الأميركية سوزان سونتاغ لأن تصرّح:
“كل صورة هي أيضًا تلاعب بالواقع… ليست الصورة محايدة، إنها إعلان موقف.”
في ظل هذا، يصبح الفن في الإعلام حقلًا ملغومًا بالنيات والسياقات، لا مجرد تعبير حر. في هذا القول، تميل سونتاغ إلى تسييس الصورة بوصفها أداة موقف، ما قد يُفضي إلى إفراغ الفن البصري من إمكاناته التجريبية أو التأملية. فلا يمكن اختزال كل صورة في موقف. فبعض الأعمال الفنية تعمد إلى الغموض، الإيهام، أو حتى العبث، دون نية مسبقة لصناعة موقف أو خطاب.
كما أن هذا الرأي قد يُستخدم لتجريم الصور بحسن نية، فيتحول الفنانون إلى متهمين بالرسائل المضمَنة حتى إن لم يقصدوها.

3. المنصات الرقمية: ساحة جدل وأداة انتقاء
فرضت المنصات الرقمية إيقاعًا جديدًا للفنون، من خلال: السرعة، القابلية للمشاركة، والتفاعل اللحظي. ليصبح العمل الفني مطالبًا بالإيجاز والجاذبية البصرية أكثر من العمق.
فيقول الناقد الإعلامي نيل بوستمان: “نحن نمرح أنفسنا حتى الموت. الثقافة المرئية تستهلك المعنى لتحوله إلى ترفيه.”
وهنا يكمن الخطر: أن يصبح الفن مجرّد عنصر تسويقي في صناعة المحتوى، لا مساحة للتأمل الجمالي. وبوستمان – رغم دقته في رصد ظاهرة ترفيهية طاغية – يتبنى لهجة تشاؤمية قاتمة تُخفي احتمالات مهمة:
فالثقافة المرئية ليست دومًا استهلاكية، بل يمكنها أن تكون أداة للتحفيز المعرفي أو إثارة التساؤلات الكبرى بصيغة مختزلة.
ثم إن تحويل المعنى إلى ترفيه لا يعني بالضرورة سقوط القيمة، بل ربما هو تحوّل في أدوات التأثير لا في عمقه.


4. الفن الشعبي والإعلام الجماهيري
باتت الفنون الشعبية – مثل الرقصات، الأغاني القصيرة، والميمات البصرية – تُقدَّم كجزء من الهوية الإعلامية، لكنها غالبًا تفقد بعدها التاريخي العميق وتُختصر في الاستعراض.
لتقول آريانا هافينغتون، مؤسسة “هافينغتون بوست”:
“في عصر الإعلام الجديد، يتم اختزال الفكرة في ما يمكن مشاركته، لا في ما يمكن التفكير فيه.” وتمثّل رؤية آريانا هافينغتون موقفًا نقديًا صحيحًا تجاه التفاهة المُنتشرة في بعض منصات الإعلام الجديد، لكنها تُعمّم بشكل يُهمّش جهود المبدعين الرقميين الذين يبنون محتوىً عميقًا ضمن شروط العصر.
كذلك، المشاركة ليست نقيضًا للتفكير، بل يمكن أن تكون مدخلًا له، خاصة لدى الأجيال التي تتعلم من خلال التفاعل الرقمي، لا القراءة التأملية وحدها.


5. هل نحن أمام إعلام فني أم فن إعلامي؟
كتب المفكر الفرنسي رولان بارت مرة: “الصور ليست أشياء تُرى فحسب، بل أشياء تُقرأ”. في هذا الطرح البنيوي، يُحمّل بارت الصورة عبئًا تأويليًا لغويًا، كأنما الفن لا يكتمل إلا إذا خضع لسلطة القراءة والنقد. لكن هذه النظرة تتناسى أن بعض الصور أو الأعمال الفنية لا تُقرأ بل تُحسّ، تُعاش، وتُتذوق دون حاجة إلى تحليل لغوي أو تأويلي.
بمعنى آخر، ليست كل تجربة جمالية بحاجة إلى “قراءة”، وبعض الفن ينتصر للصمت لا للنص. واليوم، تذوب الحدود، ويزداد التداخل، وبات الفن أحد أدوات تشكيل الخطاب الإعلامي، ليس كزينة بل كمكوّن جوهري في البنية السردية. فالمتلقي اليوم يُطلب منه أن يفكك الرسائل الفنية كما يفكك خطابًا إعلاميًا، لأن الجمال بات يحمل وظيفة، والدلالة تتجاوز الشكل.

في ظل هذا التداخل، تبرز الحاجة إلى نقد ثقافي يُحلل كيف تُستخدم الفنون في الخطاب الإعلامي: هل تُستنبت لأجل التأثير العاطفي فقط، أم تُستثمر في بناء وعي جماعي؟

إن جدلية الفنون في الخطاب الإعلامي الجديد لا تُحسم بإجابات قاطعة، لكنها تستدعي يقظة فكرية تقاوم الانزلاق نحو الاستهلاك الخالي من المعنى.
وكما قال الناقد الإعلامي الأميركي هربرت شيلر في كتابه الشهير (المتلاعبون بالعقول):
“من يتحكم بالثقافة، يتحكم بالعقول”. وهنا تعبير عن قلق مشروع تجاه سلطة الإعلام وصناعة الثقافة الجماهيرية، لكنها قد تقود إلى نظرية مؤامرة شمولية مبالغ فيها. فالثقافة – رغم التوجيه – ليست فضاءً خاضعًا بالكامل للسلطة، بل تمتلك طاقة مقاومة كامنة، تتجلى في الفن المتمرد، والمحتوى التفاعلي، والخيال الشعبي.
كما أن العقول لا تُستَعبد فقط، بل تُبدع وتنتقد وتُسائل.

د. فهد توفيق الهندال

مارشال ماكلوهان – فيلسوف كندي متخصص في الإعلام

رولان بارت – ناقد فرنسي

سوزان سونتاغ – كاتبة وناقدة أميركية

نيل بوستمان – ناقد ثقافي أميركي

آريانا هافينغتون – مؤسسة موقع “هافينغتون بوست”

هربرت شيلر – ناقد إعلامي أمريكي





التصنيفات
مدونتي

لابوبو العصر: ثقافة عادة الاستهلاك



في زمن تغمرنا فيه المنصات، وتتدفق المحتويات من كل اتجاه، يُخيّل إلينا أننا نعيش في عصر الثقافة المتوهجة. لكن الحقيقة الصامتة تقول شيئًا آخر، إذ تَحوّلت الثقافة من ممارسة إنتاجية وفضاء للتفكير إلى سلوك استهلاكي سريع، أشبه بوجبة مجمدة تُسخَّن على عجل ثم تُنسى.

أصبحت ثقافة العالم اليوم في كثير من مظاهره، نشاطًا استهلاكيًا مكررًا. نتابع، نُعجب، نُشارك، ثم ننسى. لا أثر يُترك، ولا معرفة تُبنى، ولا ذائقة تُصقل. لقد تحوّل القارئ إلى متابع، والمبدع إلى محتوى، والفكرة إلى ترند. ثقافة اللحظة قتلت التأمل، وسرعة النشر أجهزت على عمق المعنى.
إنها حالة تُشبه سباق الأرنب والسلحفاة، لكن مع فارق قاتل. فالأرنب ما زال نائمًا في وهم تفوقه، والسلحفاة لم تعد تتحرك. أصبح السباق نفسه مسرحًا للشكليات، لا مساحة للإبداع. فتحول الفعل الثقافي إلى استعراض منصّات، لا صناعة مضمون، فتُعلن الريادة في الشعارات، لكنها غائبة في العمق.
ولأن ثقافة الفرد قائمة على التفاعل اللحظي، وليس على البناء المعرفي، انعكست على الثقافة العامة، فأصبحنا رهائن حلقة استهلاكية لا تتيح وقتًا للتفكير أو لإنتاج جديد.

بل إن هذا الانحدار لا يقتصر على الأفراد، بل ينسحب على المؤسسات التي تُروّج الاستهلاك الثقافي تحت مسمى “الوصول السريع” أو “الانتشار”. في حين أن الثقافة الفعلية، كما كان يُمارسها غازي القصيبي في حياته الإدارية، تتطلب صبرًا وتخطيطًا ومثابرة، لا بهرجة:
“الإنسان الذي يرفض التغيير، إنسان يعيش في الماضي، والماضي لا يُنتج شيئًا.”

ويقبع العالم اليوم في حاضرٍ بلا إنتاج، نكرّر الأفكار ذاتها، ونتداول الوجوه ذاتها، حتى أصبح المبدع غريبًا في سوق الثقافة المصنّعة. فثقافة الاستهلاك، إن لم تُقاوَم، تتحوّل من وسيلة انتشار إلى وسيلة إلغاء. تُلغي التميّز، وتُفرّغ الجمال، وتحوّل الجمهور إلى متلقٍّ بلا وعي. والأسوأ، أنها تُغري بالعجز، فكل شيء “جاهز”، وكل مجهود “مؤجل”.

لابوبو العصر هو اسم ساخر، لكنه يحكي مأساة حقيقية، مأساة ثقافة تتجمّل بالحداثة، لكنها تفقد روحها كلما كرّرت ذاتها دون تفكير. بات اليوم سلعة ثقافية. ستجدها يوما إلى جانب موسيقى بتهوفن وجون ويليامز، ولوحات فان جوخ وبيكاسو، وكتب أرسطو وابن رشد!
لا نريد تغيير العالم، بل تغيير عادتنا اليومية في جوهر الاهتمام، علّها تخرجنا من حالة وجوم العادة المكررة وادمان الاستهلاك العبثي إلى عالم مليء بالتجدد والابتكار الفردي.

لأسرد عليكم هذه القصة التي أوردها جيمس كلير في كتابه (العادات الذرية)، وليسمح لي وقت القارئ:
في أحد أحياء طوكيو، اعتاد سائق حافلة يُدعى “سايتو” أن يُقلّ الركاب في نفس الطريق كل يوم، بنفس التوقيت، وبنفس الروتين. ومع مرور الوقت، لاحظ أن أغلب الركاب كانوا يجلسون صامتين، يحدّقون في هواتفهم أو يغطّون في النوم. بدا له المشهد آليًا، بلا حياة.
فقرر في أحد الأيام أن يُجري تغييرًا بسيطًا. لم يكن الأمر إعلانًا كبيرًا، ولا حملة ترويجية، بل عادة صغيرة: كل صباح، يرحّب بالركاب باسم الحي الذي ينطلقون منه، ويضيف جملة تحفيزية قصيرة.
“صباح الخير من شينجوكو… تذكّروا اليوم أن تبتسموا لمن بجواركم.”
في البداية، لم يُعره أحد انتباهًا. لكن بعد أسابيع، بدأ بعض الركاب يردّون التحية، ثم ظهرت على النوافذ رسائل مكتوبة من الركاب تشكره على كلماته. البعض تغيّر مزاجه طوال اليوم بسببه.
بعد عام، عُرف “سايتو” في الإعلام الياباني بلقب سائق الأمل، وتحول فعله البسيط إلى حركة اجتماعية: مؤسسات بدأت تضع عبارات تحفيزية يومية في مداخلها، ووسائل النقل تبنّت فكرة “كلمة صباحية”. كل هذا… بدأ بعادة واحدة.
يعلّق جيمس كلير على هذا النوع من القصص قائلاً:
“العادات الصغيرة تُعيد تشكيل هويتك ببطء. كل فعل هو صوت تقول به لنفسك: هذا أنا.”
وهكذا، لم يكن سايتو يحاول “تغيير العالم”، بل فقط أن يكون إنسانًا أفضل في مكانه. وكانت النتيجة: عدوى إيجابية، غيّرت المشهد بأكمله.
فكما يقول جيمس كلير:
“النجاح هو نتاج العادات اليومية، لا التحولات الدراماتيكية.”
فلنُراجع عاداتنا الثقافية. لعلنا بذلك نكتب نهاية لابوبو العصر، وبداية عصر يستحق أن نُسميه: عصر الإبداع الحقيقي، لا عصر الإعادة والتسلق على منجزات سابقة.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

النقد الثقافي وأرخبيل الخطابات “المُفرّغة” !



يخبرنا فوكو أن النقد ليس تمرينًا على التفكيك بقدر ما هو ممارسة للحرية. حرية التفكير خارج الأطر الجاهزة، وحرية النظر إلى الواقع من زوايا غير مأهولة. فالنقد عنده لا يهدف إلى الهدم، بل إلى كشف البُنى الخفية التي تُنتج أفكارنا، وتشكّل وعينا دون أن نشعر.

ولهذا، لا يشترط أن يكون النقد انعكاسًا لرغبات الجمهور أو أهوائهم، بل قد يتقاطع معها أو يناقضها، لأن وظيفته ليست الإرضاء، بل الإضاءة. زاوية النقد ليست مرآةً لما أحبه الناس أو كرهوه، بل عدسة تُعيد ترتيب المشهد وتُبرز ما خفي تحت سطح الخطاب.

وإذا ما رأى صاحب النص أن النقد عبءٌ أو تطفّلٌ أو تسلّقٌ على جهده، فهو بذلك يكشف عن رفضٍ ضمني للمساءلة، وتمسّكٍ مريح بالسلطة التي يعتقد أنها حصرية له. كأن النص ينبغي أن يُقرأ بإجلال لا باشتباك، وأن يُترك معصومًا لا معروضًا على طاولة السؤال.

لكن الحقيقة أن النص الذي لا يُستدعى إلى ساحة النقد، نصٌ محكومٌ عليه بالعزلة. فكما أن الفكر لا يتطور دون صراع، فإن الكتابة لا تنضج دون أن تمر بمحكّ الفحص. وفقط حين يتقبل صاحب النص هذا الامتحان، يُصبح شريكًا في مشروع المعرفة، لا مجرد صدى لها.

في عالم يفيض بالخطابات والصور والرموز، لا يكفي أن ننظر إلى الظواهر من سطحها، بل علينا أن نسبر أعماقها لنكشف ما تُخفيه من سلطات ومعانٍ خفية. وهنا يأتي دور النقد الثقافي كما يُعرّفه الدكتور عبد الله الغذامي، بوصفه أداة لكشف البُنى الفكرية والسلطوية الكامنة وراء المنتجات الثقافية، سواء كانت نصوصًا أدبية أو مظاهر اجتماعية أو حتى أنماطًا استهلاكية.

لا يرى الغذامي في النقد مجرد تحليل جمالي أو لغوي، بل يرى فيه تفكيكًا للخطاب وكشفًا للعلاقات غير المرئية بين النص والمجتمع، بين اللغة والسلطة، بين الهوية والتمثيل. إنه يحرّكنا من سؤال “كيف كُتب النص؟” إلى سؤال “لماذا كُتب بهذا الشكل؟ ولصالح من؟”.

من هذا المنظور، تصبح كل ظاهرة ثقافية قابلة للقراءة بوصفها نصًا اجتماعيًا، يحمل في طياته تمثيلات طبقية، جندرية، أيديولوجية. سواء كانت إعلانًا تجاريًا، أو مهرجانًا، أو حتى لبسًا شائعًا، فإنها تحوي في داخلها خطابًا يُشكّل وعينا ويعيد إنتاج النظام الرمزي للمجتمع.

لذا، فدراسة الظاهرة من منظور النقد الثقافي لا تهدف إلى إدخالها في قوالب جامدة، بل إلى تحرير وعينا منها، وفهم كيف نُشكَّل نحن من خلالها. وكما يؤكد الغذامي، فإن هذا النوع من النقد ليس ترفًا معرفيًا، بل ضرورة لفهم أنفسنا والواقع الذي نعيشه، بعيدًا عن الانبهار الساذج أو الرفض الغاضب.

إن ظاهرة “الجزر الثقافية”، بحسب توصيف الغذامي، تُشير إلى تَشظّي الخطاب الثقافي إلى دوائر مغلقة، كل منها تتكلم مع ذاتها وتُعيد إنتاج قيمها، دون انفتاح فعلي على الآخر. وهي ظاهرة تتفاقم في المجتمعات التي تُهيمن فيها الهويات الضيقة، سواء كانت فئوية أو مناطقية أو أيديولوجية.

هذا التشظي يُفضي إلى انحسار الثقافة العامة بوصفها فضاءً مشتركًا للحوار والتفاعل. إذ لم تَعُد الثقافة في هذا السياق مشروعًا جامعًا أو حوارًا نقديًا يطمح إلى تشكيل وعي جماعي، بل تحوّلت إلى أرخبيل من الخطابات المتوازية، لاسيما المفرّغة، التي لا تتقاطع إلا لتصطدم.

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أمرين:

1. تفريغ الثقافة من بعدها الجدلي: إذ تضعف قيم الحوار والنقاش المفتوح، ويتم استبدالها بالتكرار داخل الدائرة المغلقة، مما يؤدي إلى جمود الفكرة وركود الذائقة.

2. تراجع دور المثقف النقدي: لأن المثقف الذي يخرج من نسقه الضيق يُتَّهم غالبًا بالتخلي عن “الهوية”، فيُقصى أو يُشكك في دوافعه، فتخسر الثقافة صوتًا حيويًا كان يمكن أن يُحدث الأثر المطلوب.

وهكذا، فإن الجزر الثقافية لا تنعزل فقط عن بعضها، بل تُعزل الثقافة ذاتها عن أفقها الأوسع، وتحاصرها داخل قوالب الهويات الفرعية. وبمرور الزمن، تُصبح الثقافة هامشية في حياة المجتمع، غير قادرة على التأثير أو التغيير، لأن سلطة الانتماء تتغلب على سلطة السؤال، وسلطة العُرف تتغلب على حرية النقد.

إن تفكيك هذه الجزر وإعادة وصل الحقول الثقافية ببعضها، هو أحد أهم أهداف النقد الثقافي. لأنه لا يدافع عن ثقافة “موحَّدة” بل عن ثقافة متداولة، حرة، ومتقاطعة، تُنتج ذاتها من خلال الاختلاف لا الانعزال.

في هذا الإطار، يصبح النقد الثقافي ضرورة لفهم هذه الظواهر لا كمشكلات طارئة، بل كبُنى مترسّخة تُعيد إنتاج نفسها داخل المنظومة الثقافية. فالنقد هنا لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يُسائل علاقتها بالهوية، والتاريخ، والخطاب السائد، في محاولة لتفكيك أسباب تشكّل هذه الجزر، وتحليل آليات اشتغالها ضمن النسيج الاجتماعي الأشمل.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

هوبال.. المسير والمصير!

فيلم “هوبال” دراما سعودية أُنتجت عام 2024، من إخراج عبدالعزيز الشلاحي وتأليف مفرج المجفل. ويضم فريق العمل مجموعة من الممثلين البارزين والواعدين.

يتميّز فيلم “هوبال” بقصة عميقة تستعرض الصراع بين الإنسان والطبيعة، وكذلك الصراعات الداخلية للشخصيات. تدور أحداث الفيلم حول عائلة الجد “ليام”، الذي قرّر الانتقال إلى الصحراء ليعيش في عزلة مع أبنائه وأحفاده، سعيًا للهروب من ضوضاء المدينة وما يصفه بـ”ذنوب الحداثة”، والفكرة الشائعة باقتراب “أشراط الساعة” بعد الغزو العراقي للكويت في أغسطس ١٩٩٠.

يستخدم الفيلم هذا الإطار ليتناول مواضيع إنسانية واجتماعية تعكس تجربة البحث عن الطهارة والسكينة بعيدًا عن صخب العالم.
تبدأ قصة الفيلم حول القرار الغامض من الجد ليام بالابتعاد عن حياة المدينة، ويجبر عائلته على مرافقته إلى عمق الصحراء. وبينما يحاول الجميع التأقلم مع البيئة القاسية، تبدأ الخلافات بين أفراد الأسرة بالظهور. كل شخصية تحمل أعباءها وخلافاتها الداخلية، مما يضيف طبقات درامية معقدة. ومع مرور الوقت، يظهر أن الجد ليس مجرد رجل هارب من الواقع، بل هو شخص يبحث عن تكفير عن خطايا قديمة. ومن خلال بعض الحوارات والتلميحات، يكتشف المشاهد أن اختياره للعزلة له علاقة بحدث مأساوي من ماضيه، وهو ما يثير تساؤلات حول معنى الغفران والهروب من المسؤولية.

شخصيات الفيلم:
• الجد ليام: الشخصية المحورية، يمثل الحكمة الممزوجة بالعزلة. صراعه الداخلي بين ماضيه ورغبته في حياة نقية يجعل شخصيته عميقة وملهمة.
• سارة: زوجة الابن الأكبر، التي تمثل صوت العقل والواقعية في القصة. تعاني من صراع داخلي بين رغبتها في دعم العائلة وبين شكوكها حول قرار الجد.
• الأحفاد: يمثلون الجيل الجديد الذي يشعر بالضياع بين عالمين مختلفين: حياة المدينة المتحضرة وعزلة الصحراء القاسية. ويبرز هنا الحفيدان عسّاف وريفة، ولعل عسّاف يمثل الجيل الذي يتبع أثر الجيل السابق، بكل تناقضاته.
يمتاز الفيلم بالرمزية المكثفة التي تعكس صراعات إنسانية وجودية:
• الصحراء: تمثل العزلة والتنقية، لكنها أيضًا تعكس القسوة والخطر. الصحراء في الفيلم ليست مجرد مكان، بل هي شخصية بحد ذاتها، تختبر صبر العائلة وقوة روابطها.
• المدينة مقابل الصحراء: المدينة تمثل الحداثة والتكنولوجيا والذنب، بينما الصحراء ترمز إلى البساطة والطهارة، لكنها أيضًا مليئة بالمخاطر.
• الحيوانات البرية: تظهر في الفيلم كرموز للحرية والقوة، لكنها تعكس أيضًا التحديات التي تواجهها العائلة في التكيف مع الطبيعة، كما هي الجمال التي ينادونها ب (هوبال)، فهي تحمل قدرا من الطاعة والصبر على العطش، وربما الحقد على الواقع.
فيلم “هوبال” ليس مجرد دراما عائلية، بل هو عمل سينمائي يعكس قضايا إنسانية ووجودية، ويستحق أن يُشاهد بتأنٍ لفهم أبعاده الرمزية والفلسفية.

فريق العمل:
• إبراهيم الحساوي: قام بدور الجد “ليّام”، الشخصية المحورية التي تقود العائلة وتفرض عليها العزلة في الصحراء، وبقيت رمزية حتى في غيابها الغامض.
• مشعل المطيري: جسّد دور “شنار بن ليّام”، أحد أبناء الجد ليّام، يسير على خطى الأب ليّام في التشدد بالبقاء بالصحراء، مع جانب أناني انتهازي في قنص الفرص والمتع والذهاب للمدينة بحجة جلب الماء الذي يهرقه قبل أن ينفذ.
• ميلا الزهراني: لعبت دور “سرّا”، وهي شخصية الأم التي تهتم بأبنائها وتواجه تحديات الحياة في الصحراء.
• حمدي الفريدي: أدى دور “بتال بن ليّام”، أحد أفراد العائلة، شخصية تعيش واقعا مترددا بين الصحراء وطاعة الأب ليّام والمدينة حيث بنت مرزوق التي يهواها.
• دريعان الدريعان: قام بدور “سطّام بن ليّام”، أحد أبناء الجد ليّام، الذي ترك الصحراء،وذهب للمدينة ثم عاد طالبا الغفران قبل حلول نهاية العالم.
• عبدالرحمن عبدالله: جسّد شخصية “نهار بن ليّام”، أحد أفراد العائلة، الشخصية الغامضة والحمل الثقيل بما رمز إليه ارتدائه الفروة طوال الفيلم حتى لحظة ما.
• حمد فرحان: لعب دور “عسّاف”، الشاب الذي يسعى لإنقاذ ابنة عمه “ريفة” المصابة بالحصبة، ويمتلك قدرة على قص الأثر وأجوبة الأسئلة الصعبة.
• أمل سامي: أدت دور “ريفة”، ابنة العم المصابة بالحصبة، تمثل الحياة المثقلة والمحبوسة في الظل خوفا من الضوء بحجة المرض.
• فايز بن جريس: شارك في دور “ماجد” القصير.
• ريم فهد: لعبت دور “صيتة”.
• نورة الحميدي: جسّدت دور “الجدة نورة”، الشخصية الصلبة بعد الأب ليّام ومرشدة العائلة بعده.
• راوية أحمد: أدت دور “معتوقة”، الابنة التي احتضنتها وربتها نورة.
ويحسب للفيلم الكتابة العميقة لمفرح المجفل وتمكنه من لغة البيئة ومعتقداتها وأفكار شخصياتها. وما كان لهذه القصة أن تخرج لولا الرؤية البصرية المذهلة للمخرج عبدالعزيز الشلاحي في تقديم النص على مستويات اللقطات البانورامية، إلى جانب الموسيقى المؤثرة للفنانة سعاد بشناق التي تعتبر نصًا موازيا.

أخيرا .. يقدّم الفيلم تساؤلات فلسفية عميقة حول:
• هل يمكن للإنسان الهروب من ماضيه؟
• إلى أي مدى يمكن للعائلة أن تبقى متماسكة في وجه التحديات؟
• هل العزلة هي الحل لإيجاد السلام الداخلي، أم أنها هروب من الواقع؟

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

مائة عام من العزلة.. تحدي الرواية والدراما

أصدرت منصة “نتفليكس” في ديسمبر 2024 مسلسل “مائة عام من العزلة”، المقتبس من رواية الكاتب العالمي والكولومبي الأصل غابرييل غارسيا ماركيز، بعد حصول “نتفليكس” على حقوق تحويل الرواية إلى مسلسل عام 2019، بمباركة من ورثة ماركيز، خاصة ابنيه رودريغو وغونزالو، اللذين شاركا كمنتجين منفذين.
تم تصوير المسلسل في كولومبيا، حيث بُنيت أربع نسخ من بلدة ماكوندو المُتخيّلة لتجسيد تطور الزمن عبر الأجيال.

تميّز العمل بميزانية ضخمة، تُعد من أكبر الميزانيات المخصصة لإنتاج غير أمريكي على المنصة. لهذا يُعد هذا العمل من أكثر المشاريع الطموحة للمنصة، حيث تم تصويره بالكامل في كولومبيا وباللغة الإسبانية، مع فريق عمل كولومبي، تماشيًا مع رؤية ماركيز الأصلية.
حصل المسلسل على تقييمات إيجابية من النقاد، حيث نال نسبة 94% على موقع “Rotten Tomatoes” ، إذ أشاد النقاد بالتمثيل، والإخراج، والقدرة على نقل روح الرواية إلى الشاشة، مع الحفاظ على عناصر الواقعية السحرية التي تميزت بها.
كما تميز المسلسل بأداء قوي من الممثلين الكولومبيين، خاصة مارليدا سوتو في دور أورسولا، وكلاوديو كاتانيو في دور أوريليانو بوينديا. ليتولى الإخراج كل من لورا مورا، الحائزة على جائزة “الصدفة الذهبية” في مهرجان سان سيباستيان السينمائي عام 2022، والأرجنتيني أليكس غارسيا لوبيز.
استطاع المسلسل تقديم عناصر الواقعية السحرية بمهارة، معتمدًا على المؤثرات البصرية الحية بدلاً من التكنولوجيا الرقمية، مما أضفى مصداقية وجمالية على المشاهد. على سبيل المثال، في مشهد سقوط الأزهار من السماء، تم استخدام أزهار حقيقية بدلاً من المؤثرات الرقمية.
وكما هو معروف، تعدّ رواية مائة عام من العزلة، التي صدرت عام 1967، من أعظم روائع الأدب العالمي، إذ تمزج بين الواقعية والسحر في سرد ملحمي لحياة عائلة بوينديا في قرية ماكوندو الخيالية. أما مسلسل “نتفليكس”، الذي تم إنتاجه في 2024، فهو محاولة طموحة لتقديم هذه الرواية المعقدة بصريًا إلى جمهور عالمي. فيما يلي مقارنة بين الرواية والمسلسل من عدة جوانب:
1. السرد:
اعتمدت الرواية على أسلوب السرد الشامل، حيث يروي غابرييل غارسيا ماركيز أحداث الرواية بلهجة شبه خرافية، ممزوجة بالواقعية السحرية. وجاء تسلسل أحداث الرواية بشكل دائري وغير خطي، مما يعكس فكرة الحتمية التاريخية والتكرار في حياة العائلة.
في حين اعتمد المسلسل على سرد خطي أكثر وضوحًا، ما يسهل على المشاهدين متابعة تطور الأحداث، خاصة مع تشابك الأجيال. كما حاول المسلسل الحفاظ على الواقعية السحرية، فإنه فقد أحيانًا العمق الفلسفي الذي تميز به السرد الأصلي، مما يبرهن على صعوبة تحويل السرد اللّفظي المكتنز بالمعنى إلى سرد بصري يعتمد الصورة في كثير من الجوانب.

2. الواقعية السحرية :
تعدّ الرواية المثال الأبرز للواقعية السحرية؛ حيث تم تقديم الأحداث الخارقة للطبيعة كجزء طبيعي من حياة الشخصيات. مثل صعود ريميديوس إلى السماء وسقوط الزهور من السماء تعكس السحرية بسلاسة دون تفسيرات.
ونقل المسلسل الواقعية السحرية باستخدام مؤثرات بصرية متقنة، مثل سقوط الأزهار أو المشاهد المرتبطة بشبح برودينثيو أغيلار.

3. الشخصيات:

تتيمز الرواية بكثرة الشخصيات التي تنتمي لعائلة بوينديا، مع تكرار الأسماء مثل أوريليانو وخوسيه أركاديو، مما يعكس موضوع التكرار والقدر. وتم تقديم الشخصيات بطريقة رمزية، بما تمثله من أفكار أو حالات إنسانية.
لذلك، قام المسلسل بتقليل عدد الشخصيات والتعمق في بعضها لتسهيل السرد البصري، مما جعل الشخصيات أكثر “إنسانية” وأقل رمزية. وتم تطوير بعض الشخصيات بشكل يختلف عن الرواية، مثل أورسولا، التي حصلت على دور أكثر تأثيرًا.

4. الحبكة:

جاءت الحبكة معقدة ومليئة بالتشابكات العائلية والأحداث العجائبية التي قد تربك القارئ أحيانًا. لتنتهي الرواية بنبوءة عن نهاية عائلة بوينديا، مما يعكس عبثية الجهد الإنساني.
في حين اختصر المسلسل بعض الأحداث وتجنب التكرار المبالغ فيه، لجعل القصة أكثر جاذبية للمشاهدين.
لتكون النهاية جاءت مشابهة للرواية، لكنها أقل حدة في التأكيد على الحتمية والزوال.

ولأن الرواية تعالج موضوعات كبرى مثل القدر، العزلة، الحتمية التاريخية، والاغتراب الإنساني وما طرحته من تساؤلات عميقة عن معنى الحياة ودورة الزمن، ركّز المسلسل على الشخصيات الرئيسية في الرواية متمثلة أولا بخوسيه أركاديو بوينديا مؤسس ماكوندو، القرية الخيالية التي تدور فيها أحداث الرواية. يمثل الطموح البشري والرغبة في الابتكار والاكتشاف. ولعل قراره بتأسيس القرية في منطقة مجهولة يعكس الروح الريادية التي تحاول تحدي المجهول. كذلك اهتمامه بالعلوم والخيمياء، بالتعاون مع الغجري ميليسيديس، يظهر بحثه المستمر عن الحقيقة والخلود، رغم أنه يقوده إلى الجنون في النهاية.
ولعل خوسيه أركاديو يمثل الحلم الإنساني الطموح الذي ينهار تحت وطأة العزلة والهوس. عزلته الجسدية والعقلية في نهاية حياته تجسد فشل الإنسان في مواجهة عبثية العالم.
أما شخصية الأم أورسولا إيغواران، فقد مثلت رمز الثبات والحكمة في دورها كعمود للعائلة، وهي الشخصية الأكثر ثباتًا واستمرارية في الرواية، حيث تعيش عبر أجيال متعددة. كرمز  للقيم التقليدية والأخلاقية التي تحاول توجيه العائلة وحمايتها من الانهيار. ولعل دورها في إدارة شؤون الأسرة والاقتصاد يجعلها القوة الحقيقية وراء استمرار عائلة بوينديا، رغم كونها أمية، إلا أنها تتميز ببصيرة عميقة وقدرة على استشراف مصير عائلتها. تحذر من تكرار الأخطاء، لكنها ترى تلك الأخطاء تتكرر جيلاً بعد جيل. لتمثل أورسولا الحكمة التقليدية والصمود الإنساني في مواجهة الحتمية التاريخية. حياتها الطويلة تعكس محاولتها عبثًا كسر دورة الزمن والقدر.
الشخصية الثالثة، الابن الثاني أوريليانو بوينديا، رمز الصراع والانعزال، ويُعد أحد أكثر الشخصيات تعقيدًا في الرواية.
ليتحول من شاب حالم إلى قائد عسكري يخوض 32 حربًا أهلية، لكنه يفشل في تحقيق أهدافه.ليمثل الوجه السياسي للرواية، حيث يعكس الصراعات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها أمريكا اللاتينية. وبالرغم
من شهرته كقائد، يعيش أوريليانو عزلة داخلية عميقة. فهو دائمًا بعيد عن عائلته ومجتمعه، ويبدو وكأنه يسعى للهرب من ذاته. وكأن أوريليانو رمز العبثية في السعي وراء السلطة والمعرفة. يصنع أسماكًا ذهبية خلال عزله، في إشارة إلى عدم جدوى جهوده وخيبات أمله.
تكمن العزلة في رواية مائة عام من العزلة في عدة مستويات، وهي ليست مجرد حالة فيزيائية أو اجتماعية، بل تمتد إلى عمق نفسي وفلسفي يشمل الشخصيات، العائلة، والمجتمع ككل. غابرييل غارسيا ماركيز يعالج مفهوم العزلة باعتباره جزءًا أساسيًا من الطبيعة الإنسانية والحياة. فماكوندو تمثلت رمزا للعزلة الاجتماعية والجغرافية والتاريخية. إذ بقيت معزولة عن العالم الخارجي في بدايتها، ولا تتواصل مع الحضارة إلا من خلال الغجر والتجار. ومع مرور الزمن، أصبحت القرية مرهونة للصراعات السياسية والأزمات، لكنها تفقد هويتها وتُنسى في النهاية، حيث تصل العزلة الاجتماعية ذروتها عندما تفقد القرية سكانها وتتلاشى تدريجيًا، معبرة عن انهيار المجتمع. وأن العزلة ليست فقط حالة شخصية أو اجتماعية، بل هي مصير محتوم لكل من يحاول كسر قيود الزمن والقدر، مما يجعل الرواية تأملًا عميقًا في عبثية السعي الإنساني كما صوّرها ماركيز. من أجل ذلك، جاءت رؤية المخرج البصرية للرواية معتمدة على المزج بين الواقعية والسحر، مع احترام العناصر الرمزية للرواية. فاستُخدمت تقنيات سينمائية متطورة لتقديم ماكوندو كعالم نابض بالحياة، لكن في نفس الوقت يكتنفه الغموض والقدرية. وربما نجح المسلسل في تقديم تجربة بصرية غنية تُبرز روح الرواية، مع الحفاظ على توازن دقيق بين العناصر الأدبية والمرئية. وهو ما يشكّل تحديا كبيرا للمشاريع الروائية المطروحة على طاولة التجريب الدرامي، إن كانت ستمثّل الرواية المُختارة ساحةً خصبة للتخييل الدرامي أم صدمة على سطحية العمل الروائي نفسه!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

البطريق.. بناء العالم من الأسفل!



قدمت سلسلة البطريق  التي تم عرضها لأول مرة على قناة max قبل أسابيع، فصلاً جديدًا ومثيرًا في عالم باتمان المتوسع باستمرار. المسلسل من بطولة كولين فاريل في دور أوزوالد كوبلبوت، المعروف باسم البطريق، إذ يتعمق هذا الجزء الفرعي في عالم جوثام سيتي السفلي القاسي، ويستكشف موضوعات القوة والطموح والجريمة.

تعدّ شخصية البطريق أحد أكثر الأشرار شهرة في عالم باتمان، وغالبًا ما يتم تصويره على أنه زعيم جريمة لديه ميل إلى المخططات المعقدة. على عكس الأشرار الآخرين في تراث باتمان، فإن كوبلبوت مبني على الواقع، ويعتمد على دهائه وطموحه وذكائه بدلاً من القوى العظمى. تلقى تصوير كولين فاريل للبطريق في فيلم باتمان (2022) استحسان النقاد، حيث أظهر نسخة أكثر دقة وطبقية للشخصية.  تهدف هذه السلسلة إلى البناء على هذا الأساس، مما يمنح المعجبين فهمًا أعمق لصعود كوبلبوت إلى السلطة.

يحمل اسم أوزوالد كوبلبوت، الأنا البديلة للبطريق في عالم باتمان، دلالات مميزة تتوافق مع شخصيته.

فيشير اسم أوزوالد والذي معناه “قوة الإله” أو ” الحاكم الإلهي” إلى شخص يتمتع بالسلطة أو القوة، مما يعكس طموح كوبلبوت في السيطرة على العالم السفلي في جوثام.

أما كوبلبوت، فهو اسم مركب من كوبل، أي الحجارة الصغيرة أو أحجار الرصف، والتي غالبًا ما ترتبط بالشوارع أو السطح الخشن غير المستوي. وبوت بمعنى الوعاء، ويمكن أن يشير إلى حاوية، ترمز إلى التراكم أو الجمع. ليستحضر  اسم “كوبلبوت” صورة شخص متجذر في عالم قاسٍ وصعب – مثل شوارع جوثام المظلمة – والذي يجمع القوة والنفوذ بمرور الوقت.
إذن  فالجمع بين أوزوالد و كوبلبوت يشير إلى شخصية تطمح إلى السلطة والسيطرة، ولكنها تعمل في بيئة قاسية وواقعية. وهذا يتماشى مع شخصية البطريق باعتباره زعيم جريمة ماكر وذكي ينهض من بدايات متواضعة أو صعبة ليصبح قوة في التسلسل الهرمي الإجرامي في جوثام.

دارت  أحداث المسلسل حول أوزوالد كوبلبوت وهو يتنقل بين فراغ السلطة الذي خلفه سقوط كارمين فالكون، زعيم الجريمة السابق في جوثام. ومع فوضى المدينة، ليرى كوبلبوت فرصة لتأكيد نفسه باعتباره الزعيم الجديد لعالم جوثام السفلي. يعد العرض باستكشاف تحوله من ملازم ماكر إلى زعيم لا يرحم، وتفصيل صراعاته وتحالفاته وخياناته على طول الطريق.

لعبت مدينة جوثام، كما هي الحال دائمًا، دورًا حاسمًا. تشتهر المدينة بجمالياتها المظلمة والجوية، وستكون بمثابة خلفية وشخصية في حد ذاتها، مما يؤكد على الطبيعة القاسية والفاسدة للعالم الذي يسكنه كوبلبوت.

توّلت الكاتبة لورين ليفرانك إدارة المسلسل، مع مات ريفز، مخرج فيلم The Batman، كمنتج تنفيذي، ليضمن هذا التعاون نغمة وأسلوبًا متسقين، يتماشى مع النهج الواقعي المستوحى من أفلام الجريمة الذي تم تأسيسه في الفيلم. يهدف الفريق الإبداعي إلى مزج الدراما الإجرامية مع سرد القصص التي تحركها الشخصية، مما يوفر منظورًا فريدًا للجانب الإجرامي في جوثام.

وقد أعرب كولين فاريل عن حماسه لإعادة تمثيل الدور، مشيرًا إلى أن المسلسل سمح له باستكشاف تعقيدات أوزوالد كوبلبوت بشكل أكبر. لتتعمق رحلة البطريق في نفسيته، وتكشف عن نقاط ضعفه ودوافعه، مما يجعله أكثر من مجرد شرير ولكنه بطل مضاد مقنع.

ويمكن لمن لم يشاهد الفيلم، أن يتوقع مزيجًا من الحركة المكثفة والمكائد السياسية والدراما التي تحركها شخصية البطريق في المسلسل. وقد ضمّ العرض وجوهًا جديدة ومألوفة من الدوائر الإجرامية ورجال إنفاذ القانون في جوثام، مما قد يمهد الطريق لقصص مستقبلية في عالم باتمان.  وقد يشهد صعود البطريق إلى السلطة تنافسات شديدة وغموضًا أخلاقيًا، مما يوفر نظرة خام وغير مفلترة لتكلفة الطموح.

كما يعد المسلسل بتوسيع بناء العالم الذي تم إنشاؤه في The Batman، مما يوفر تجربة أكثر ثراءً وغامرة للمشاهدين. مع التركيز على واحدة من أكثر شخصيات Gotham إثارة للاهتمام، فإن سلسلة Penguin على استعداد لأن تكون من الأشياء التي يجب مشاهدتها لمحبي القصص المظلمة والمتطورة. وسلسلة Penguin هي أكثر من مجرد منتج فرعي؛ إنها فرصة للخوض بشكل أعمق في تعقيدات النظام البيئي الإجرامي في Gotham ونفسية واحدة من أكثر شخصياتها غموضًا. مع وجود فريق عمل موهوب وفريق إبداعي، يعد العرض بتقديم سرد مشوق يكمل ويوسع عالم Batman. مع طمس الخط الفاصل بين البطل والشرير، سيتم جذب الجمهور إلى عالم حيث لا يعرف الطموح حدودًا، وتأتي البقاء على قيد الحياة بتكلفة عالية.

بقي أن نشير إلى الأداء المذهل للممثلة كريستن ميليوتي التي أبدعت في تجسيد شخصية صوفيا (الجلاد) في سلوكيات الإجرام من رحم البراءة، وأداء الممثل الواعد رينزي فيليز في دور فيكتور التابع المخلص لأوز، فكان مثلا للولاء مقابل النكران. وأيضا أداء الممثلة ديدري أوكونيل في دور فرانسيس والدة أوز، وتجسيد حب الأم والكراهية معا لابنها، لكونه المتبقي لها بعد غرق ولديها الآخربن بسبب غيرة أوز منها، وكانت شرارة الشر الأولى، ولكن دوما يغلب حس الأمومة على الكراهية، ولعل الكاتبة فسرت ذلك نفسيا بحالة الزهايمر التي تمر بها فرانسيس.

قدمت سلسلة Penguin نظرة عميقة على صعود أوزوالد كوبلبوت داخل عالم الجريمة في جوثام، وتتضمن العديد من الاقتباسات التي لا تُنسى والتي تسلط الضوء على شخصيته وموضوعات العرض. فيما يلي بعض السطور البارزة:

أوزوالد كوبلبوت (The Penguin): “العالم ليس مهيئًا لنجاح الرجل الصادق. يجب أن يكون هذا هو الحلم الأمريكي. هل تعلم؟ قصة جميلة بنهاية سعيدة. لكن هذه ليست الطريقة التي يعمل بها العالم. أمريكا هي الاحتيال. ليس لأنني أشتكي.”

أوزوالد كوبلبوت: “العالم لم يُبنى من أجل أشخاص مثلنا. لهذا السبب يتعين علينا أن نأخذ أي شيء نقرر أنه ملكنا. لأن لا أحد سيمنحنا إياه، أعني، ليس بدون قتال.”

صوفيا فالكون: “لقد كذب عليّ الرجال لمدة عشر سنوات. ثم عدت إلى المنزل، ولم أجد أي شيء. لقد اعتقدوا أنني مكسورة. أنا لست مكسورة. أنا لست المريضة. وأنت لست كذلك. العالم هو المريض.”

أوزوالد كوبلبوت: “هل تريد البقاء على قيد الحياة؟ عليك التكيف. عليك الاستجابة للبيئة والموقف، عليك التفكير بسرعة، عليك أن تكون سريعًا.”

تلخص هذه الاقتباسات استكشاف المسلسل للطموح والبقاء وتعقيدات المشهد الإجرامي في جوثام.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

أمنا الأرض

أيهما يشكل قدر الآخر .. الإنسان أم الأرض ؟

في رائعته المذهلة ( الحرام )، طرح الأديب الراحل يوسف إدريس قضية الأرض من خلال ” الترحيلة ” وقد انتشرت في زمن الاقطاعيات الزراعية في مصر، حيث يُستأجر الفلاحون من قراهم البعيدة للعمل في أراضي غيرهم في قرى أخرى، ولم تكن عزيزة تلك المرأة التي حملت سفاحا بعد الاعتداء عليها، سوى قدرا لمن تلده الأرض الغريبة بعدما نفتها أرضها الأم العاجزة عن احتضانها وتبنيها، برغم أنها ضحية الجرم الذي وقع عليها، وقد تكون متواطئة لصمتها لحظة الضعف، وهي التي هجرها زوجها بسبب مرض عضال أصابه ، فكان لها أن تدفع ثمن الخطيئة بكل الأحوال في نهاية الأمر بعدما خنقت وليدها في أرض غريبة كانت خصبة للحياة والموت، وهنا المفارقة ! 

في تشابك آخر، نجد قصة الفيلم الهندي ” أمنا الهند ” للمخرج محبوب خان الذي أخرجه سنة 1957 ، حيث تدور قصته حول امرأة تتزوج من رجل فلاح ميسور الحال، يملك أرضا خصبة، يتراجع حصاده مع مرور السنوات بعدما بذل كل ماله في خدمة قريته وأهلها، ليصبح بعدها واحدا من محتاجيها. فيقررالعمل مع زوجته في أرضه لوحده، حتى يتعرض حادث قطع ذراعيه  بسبب صخرة كبيرة اعترضت همته وحلمه في استصلاح أرضه واسترجاع وضعه السابق، لتدمر بعدها الفيضانات منزلهما، فيهجر البيت مخلفا زوجة وولدين. فتصبح الأم ربة البيت بكل همومه وأحلامه، وتعيش حياة صعبة يتقاسمها معها ولداها وقد انقسما خلقا ومنطقا في الحياة. ومثلما كانت الأم الأرض الخصبة لهما، كانت المثوى الأخير للابن الضال، الذي وجد في الشر حقا وظنا مبررا في سلب ما يريد وممن يريد.  

في حين، تأتي القصة الثالثة ( الأرض ) للكاتب عبدالرحمن الشرقاوي وقدمها للسينما يوسف شاهين، و تدور أحداثها في إحدى القرى المصريةعام 1933 عندما يفاجأ أهلها بقرار حكومي بتقليل نوبة الري إلى 5 أيام بدلا من 10 أيام، وهو مالا يتسع للجميع، فيبلغ العمدة الفلاحين أن نوبة الري أصبحت مناصفة مع أراضي الاقطاعي محمود بيك الذي يستغل الموقف وينصحهم بجمع موافقتهم لمخاطبة السلطات  للتراجع عن قرار تقليل حصص الري ، ليخدعهم ويستغل جهلهم في ابصامهم على كتاب لا يعلمون مضمونه، لينشـأ طريق لسرايته من خلال أرضهـم الزراعيـة ، الأمر الذي استلزم ثورة من الفلاحين يقودهم محمد أبو سويلم، وهو الثائر القديم زمن ثورة عرابي ، فترسل الحكومة قوات الهجانة لتبسط قبضتها ، ويتم انتزاع الأراضي منهم بالقوة ، ليسحل أبو سويلم عبر أرضه وهو يحاول التشبث بجذورها لينتهي الفيلم بهذا المشهد الرمزي . وكأن قدر البشر ، هي العقدة الأكثر تعقيدا وغموضا في كشف علاقتهم مع الأرض . 

هكذا اذن، علاقة هذا الإنسان مع الأرض، مغتربا، ثابتا، فهو معذب فيها في كلا الحالتين، فلا الأم الأرض تحنو على وليدها المغترب، بل تحاسبه على ماضيه أينما كان، ولا هي منصفة لمن بقى وصمد ضد الريح العاتية واصفرار الزمن المر. فاليباب ليس بالأرض وحدها، بل بها وبانسانها:

لا ماء هنا…لا شئ سوى الصخر

صخر ولا ماء والطريق الرمليّ

الطريق الذي يتلوى عاليا بين الجبال،

جبال من صخر ولا ماء

لوكان ثمة ماء لتوقفنا وشربنا

بين الصخور لا أحد يسطيع توقفاً أو تفكيرا

جاف هو العرق والأقدام في الرمل

لوكان ثمة ماء بين الصخور

فم جبل هامد ذو أسنان نخرة

لايمكنه البصاق

هنا، المرء لا يسطيع أن يقف

أو يتمدد أو يجلس 

ليس ثمة حتى صمت في الجبال

بل رعد جاف عقيم بلا مطر

ليس ثمة حتى عزلة في الجبال

بل وجوه حمراء منتفخة، ناخرة مزمجرة

من أبواب منازل طينية متصدعة

 لو كان ثمة ماء!

من قصيدة الأرض اليباب لإليوت ترجمة فاضل السلطاني

والعاقبة لمن يعقل ويتدبر

فهد توفيق الهندال