التصنيفات
مدونتي

عولمة كوفيد 19

قبل مطلع الألفية الثالثة، استعد العالم لدخول عصر العولمة بمزيد من الاستعداد الثقافي والتكنولوجي مع بداية قرن جديد، يختلف في تفاصيل أحداثه عن القرنين السابقين، مع عدم اختلاف عناوين القضايا الكبرى. فحتما سيشهد ثورات مختلفة في وسائلها، ولكن تتفق في أسبابها مع الثورات السابقة. لكن الثورة الجديدة والمختلفة عنوانا وتفصيلا تتمثل في عالم المعلومات والتواصل الإجتماعي، مما مكّن المجتمعات المدنية لأن تكون خارج نطاق الوصاية والقبضة الحديدة السابقة.

ولكن هل استفاد كل العالم من ذلك؟

لاشك أن الإجابة ستكون محصورة في العالم الأول وربما الثاني، حيث تجاوزت مجتمعاتها أنظمتها ودخلت في منظومة معلومات مشتركة في حالة تحديث مستمر على مستوى العلم والانتاج.

أما العالم الثالث فما يزال قابعا تحت تأثير الثقافة الاستهلاكية والتوظيف السلبي للتكنولوجيا وثورة عالم الاتصالات.

فلا نجد اختراعا أو ابتكارا هنا إلا وقد دخلت أصابع علماء الغرب في صناعته وتوجيهه وتحريكه!

على سبيل المثال المُعاش اليوم، عندما رزح العالم تحت وطأة جائحة كورونا، دخل علماء العالم الأول والثاني في صراع مع الزمن في اكتشاف لقاح لهذا الوباء القاتل، فيما انشغل معظم منظري العالم الثالث بوجود مؤامرة جديدة عليهم!

لأتساءل، كم عدد المؤامرات التي رزح تحتها العقل هنا حتى استهلكت كل فرص التفكير الإبداعي والصناعي وحل محله “التفكير” الاستهلاكي فقط؟

الاجابة باختصار، مرد هذا التفكير الاستهلاكي الشعور الدائم لإنسان اليوم بأنه مؤقت في مكان مؤقت لا يستدعي جهدا أو طموحا نحو مستقبل دائم، مادام ينتظر طابور التحديات يمر عليه وهو ساكن في مكانه.

صحيح بأن الواقع يحمل مرارة مستمرة، ولكن عندما يتجه تركيز كل منا لاصلاح عالمه الصغير وتطوره، حتما سينعكس على العالم المحيط.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مقالات

تفكيك السرد الإجتماعي

untitled image

يذكر الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بأن أجهزة المجتمع الأيديوليجة تقوم بوظيفتين أساسيتين: الأولى هي إضفاءالمشروعية على ممارسة السلطة والجماعة المهيمنة،والأخرى هي “تشكيل هويات” الأفراد وصياغة الوعي الجماعي والذوق العام، أو ما يسميها ريكور بوظيفة”إدماج” الأفراد في أيديولوجيا الجماعة ، هدفها إضفاءالمشروعية السابقة. ويوضح أن هذه الوظيفة من خلالالطقوس الاحتفالية التخليدية التي تحيّن بواسطتها جماعةما الأحداث المعتبرة في نظرها والمؤسسة لهويتها مثل يومالاستقلال ويوم الثورة. إن وظيفة الأيديولوجيا في هذه اللحظة هي : “نشر الاقتناع بأن تلك الأحداث المؤسسة هي عناصر مكونة للذاكرة الاجتماعية، ومن خلالها للهوية نفسها” . ويعتقد ريكور أنه من الهوية الذي لا يتحقق إلا بالتأليف السردي وحده، حيث يتشكل الفرد والجماعة معاًفي هويتهما من خلال الاستغراق في السرديات والحكايات التي تصير بالنسبة لهما بمثابة تاريخهما الفعلي. ولعل الهوية القومية هنا خير مثال على تحكمها في مصير الأمة ، فإما الولاء التام  أو تواجه تهمة العمالة للإعداء حتى لو دخلت الأمة في حروب طاحنة ، تهلك الحرث والنسل ، كما دخلتها البشرية في القرن العشرين ، حتى نكون واقعيين زمنيا مطلعين ما لآثارها حتى اليوم . على الجانب الآخر ، في كتابه المذهل ( مهزلة العقل البشري ) ، ينطلق المفكر العراقي علي الوردي من فكرة ضرورة البحث و فهم الحقيقة قبل فوات الأوان، إذ أن العالم الإسلامي يمر بمرحلة انتقال قاسية، يعاني منها آلاماً تشبه آلام المخاض، ففي كل بيت من بيوت المسلمين عراكاً وجدالاً بين الجيل القديم والجيل الجديد، ذلك ينظر في الحياة بمنظار القرن العاشر، وهذا يريد أن ينظر إليها بمنظار القرن العشرين . يضيف الوردي بأنه كان ينتظر من المفكرين من رجال الدين وغيرهم، أن يساعدوا قومهم من أزمة المخاض هذه، لكنهم كانوا على العكس . وهو ما نجده اليوم في التقاتل ليس بين المذاهب وإنما في البيت الواحد ، كما ذكر الوردي . من واقع الفكرتين ، نجد أننا نعتاش منذ عقود على سرد اجتماعي متوحّد منفرد في مرجعيته و أثره ، ورثنا قوالبه الجاهزة لكل عصر ، كما هي اختلافات الأجيال السابقة ، وهو ما كان يعرّف بصراع الأجيال ، في حين أجد أنها صراع الأفكار في مدى تقبلها من العقل البشري ، ولا يكون ذلك إلا في إعادة تفكيك ذاكرة المجتمع ، وربما في بعض الأحيان نحتاج لتدمير قوالبه الجاهزة لموروثات الماضي التي تعرقل التفكير الإيجابي نحو المستقبل. معولنا في ذلك العقل ، الذي اجتمعت الأديان والفلسفات على أنه الكائن الأكثر حيوية و تحولا و قابلية في النقد والتحليل ، وتدعو لتحكيمه مقابل النقل في كل عصر . قصص كثيرة وردت على لسان الوردي في الكتاب الآخر الذي كتب عنه ( علي الوردي في ملفه الأمني ) الذي أعده سعدون هليل ، كيف أن الغرب أخذ عن المسلمين علومهم ، مقابل الخرافات التي سيطرت على تفكير العامة منهم حول كيفية نشوء الكهرباء ، وهو ما يعني سبب التفوق الفكري للغرب اليوم على العرب ، بيد العرب أنفسهم . مقابل ذلك ، ألا  يدعونا ذلك لإعادة تفكيك السرد الاجتماعي إن لم يكن تدميره ؟!

التصنيفات
مقالات

النقد والجزر الثقافية

untitled image

منذأن دخلت معترك العملالثقافي ،والكتابة النقدية تفرض نفسها عليبمرورالسنوات الماضية والملتقيات والندوات النقدية التي شاركت بها شخصيا ، ومختلف الأنشطة التي حضرتها كمشارك أو مستمع ،وما يزال سؤال يتردد صداه في بالي : هل ثمة جدوى لما نكتبمن نقد؟لا أعتقد أن الإجابة محصورة بي وحدي ، وإنما بكل المهتمين بالعمل النقدي والحركة الإبداعيةككل وسط من نشهده من انفجار سردي هائل جدا ، وسط تزاحموتنافسالأجيالالمتعددةفي عقد واحد على الكتابةالإبداعية ، حافز معظمها في ذلك الجوائز الأدبية التي تناسلت أكثر مما قبل ، دافعها الرغبة في الحضور المستمر في المشهد الثقافي ، محركها الورش المهتمة في الكتابة الإبداعية ، بصرف النظر عن رؤية القائمين أو هدفها وراء تنظيمها ، وهو ما يجعل الكثيرين يعتقدون أنه بتجاوزهذه الورش فقد امتلك الرخصة المؤهلة لممارسة الكتابةالأدبية، مادام أنها تنظمتحت إشراف شخصيات لها ثقلها الإبداعي في الساحة المحلية أو العربية .لست ضد تنظيم الورش الخاصة بالكتابةالأدبية،ولكنني مع دقة تخصصها و اتضاح نتائجها مستقبلا في الفرز بين الغث والسمين ، فلا يتحمل النقد وحده هذه المهمة ، بل والقائمين على الورش ودور النشر والمؤسسات الرسمية والأهلية في إعطاء كل ذي جهده حقه الأدبي المستحق .النقد مهمة ليستسهلة ،وليست محصورةبالفرد دون المجتمع، الذي مهما اجتهد فإنه يقاتل لوحده في ميدانيكتفي البقيةفيهبالتفرجوالتذمر.فمرارا وتكرارا تحدثنا عن دور الجامعاتوالمؤسسات العلميةفي دعم وتأسيسالنقد ،كما هو الحاصل في جامعات المغربالعربي كنموذج فعلي يحتذى به ،ليس فعّالا هنا ، بل مجرد اجتهادات شخصية من بعض العاملين في الحقل الأكاديمي ، أما السواد الأعظم فانشغل ببحوث الترقيات العلمية والمنح الأكاديمية !لهذا توجهتمجموعة من المبدعين والمتخصصين لتأسيس مختبرات خاصة بالتحليل النقدي للكتاباتالإبداعية ،وأُنشئت بيوت للشعر والسرد ، يهتم مؤسسوها وروادهافي متابعة وتحليل المشهد عبر نصوص مبدعيه ، دون أدنى دعم من المؤسسات الرسمية .ومن ثم التواصل مطلوب بين الملتقيات الثقافيةمع  المختبراتالسردية في تبادل الخبرات والمقترحات ، تتجاوز حالة الجزر الثقافية التي تعيشها معظم الملتقيات والتجمعات الثقافية في الكويت والمنطقة .