التصنيفات
مدونتي

الفكر الاستعماري: من الاستشراق إلى المرايا


حين نتأمل في خطاب “إحياء الحرب الصليبية” أو استعادة الفكر الاستعماري في صور معاصرة، فإننا لا نواجه مجرد سياسات دولية، بل نواجه أيضًا بنى فكرية ومعرفية كرّست التبعية منذ زمن طويل. هنا، يبرز دور مفكرين ونقاد مثل إدوارد سعيد الذي فضح خطاب الاستشراق والثقافة الإمبريالية، وعبد العزيز حمودة الذي نقد “النقد الغربي” عبر مشروعه الثلاثي: المرايا المحدبة (1998)، المرايا المقعرة (1998)، والمرايا المستوية (2001). ولم يكن هذا المشروع مجرد تنظير نقدي، بل محاولة لإعادة بناء هوية ثقافية عربية مستقلة في مواجهة مرايا الغرب المشوهة.

المرايا المحدبة – صورة الآخر المشوهة
في هذا الجزء، قدّم حمودة نقدًا جذريًا للنقد الغربي البنيوي وما بعد البنيوي، ورأى أنه يقدم لنا صورة “محدبة” مشوهة عن أنفسنا. تشبه هذه المرآة صورة الغرب للشرق في الاستشراق؛ تكبير للعيوب، تقزيم للذات، وتقديم الشرق باعتباره كائنًا تابعًا لا يملك أدوات إنتاج المعرفة (حمودة، 1998).
إذن العلاقة هنا واضحة مع الفكر الاستعماري، فالغرب يبرر سيطرته بادعاء أن الآخر ضعيف، وأنه يحتاج إلى “وصاية حضارية”.

المرايا المقعرة – صورة الآخر المنكمشة
يتنقل حمودة في المرايا المقعرة إلى نقد التبعية الداخلية؛ أي كيف أن المثقف العربي حين يتبنى النقد الغربي دون مساءلة، يصبح أسيرًا لمرآة “مقعرة”. ولا تكبّر هذه المرآة العيوب فحسب، بل تصغر الذات حتى التلاشي، وتجعل المثقف العربي في موقع التابع الذي لا يملك إلا أن يردد ما يقوله الغرب.
بهذا تصبح “الحرب الصليبية” ليست فقط مواجهة عسكرية، بل مواجهة معرفية حيث يُفقد العربي ثقته بنفسه ويُستدرج إلى الاستلاب.

المرايا المستوية – البحث عن البديل
حاول حمّوده في الجزء الثالث المرايا المستوية أن يرسم أفقًا لخطاب نقدي عربي مستقل. فالمرآة المستوية هي التي تعكس الذات كما هي، بلا تضخيم ولا تصغير. ويشبه هذا المشروع دعوة المفكرين المناهضين للاستعمار إلى بناء لغة بديلة تقاوم المركزية الغربية. ففي سياق “إحياء الحرب الصليبية”، يصبح هذا المسار هو السبيل لمواجهة الصورة النمطية، بأن نعيد صياغة خطابنا المعرفي والثقافي بأدواتنا الخاصة، لا بمرايا الآخرين.

تقاطعات حمودة وسعيد
فضح سعيد الاستشراق باعتباره خطاب سلطة يبرر السيطرة.
ونقد حمّودة البنية النقدية والفكرية التي تجعل المثقف العربي أسيرًا للمرايا الغربية. ليتفقا بأن الاستعمار لم ينتهِ، بل تحول من مدافع وجيوش إلى خطابات، أسواق، ومرايا فكرية.

لم يكن إحياء الفكر الاستعماري فقط باستعادة لمعركة تاريخية، بل هو إعادة إنتاج متواصلة للصور المشوهة عن الشرق والعرب. لذلم، يقدّم مشروع عبد العزيز حمودة، عبر المرايا المحدبة والمقعرة والمستوية، دروسًا بليغة، أن مقاومة الاستعمار لا تكتمل إلا عبر تفكيك المرايا المشوهة وبناء مرآة مستوية تعكس الذات العربية بأصالتها وحداثتها.
بهذا المعنى، تصبح المواجهة الثقافية والمعرفية الوجه الآخر للمواجهة السياسية، ويصبح تحرير “الصورة” شرطًا لتحرير “الأرض”.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

نقد وتحليل الخطاب الإمبريالي


يشكّل إدوارد سعيد أحد أبرز أعلام النقد الثقافي في القرن العشرين. فمنذ كتابه الأشهر الاستشراق (1978) وحتى الثقافة والإمبريالية (1993)، فتح سعيد الباب أمام جيل كامل من الدراسات التي أعادت النظر في علاقة الثقافة بالسلطة، وفضحت كيف شكّلت المعرفة الأوروبية عن الشرق والعالم الثالث أداة من أدوات الإمبراطورية.
غير أن إسهامه الأكبر تجلّى في صياغة مفهوم الخطاب الإمبريالي، باعتباره نسقًا معرفيًا ولغويًا وأدبيًا منح المشروعية الثقافية للاستعمار الغربي.

1. مفهوم الخطاب الإمبريالي

ليس الخطاب عند سعيد مجرد كلمات، بل بنية فكرية وثقافية تتجاوز النصوص لتؤسس رؤية للعالم. الإمبراطورية الغربية لم تعتمد فقط على المدافع والبوارج، بل على الرواية، الشعر، الفلسفة، والعلوم الإنسانية التي أعادت إنتاج صورة “الآخر” كموضوع للهيمنة. بذلك يصبح الأدب الغربي – من جين أوستن إلى جوزيف كونراد – جزءًا من آلة الاستعمار، وإن بدا للوهلة الأولى محايدًا أو إنسانيًا.

2. الأدب كمرآة للإمبراطورية

في رواية مانسفيلد بارك لجين أوستن، يظهر ذكرٌ عابر لمزارع السكر في أنتيغوا، وهي المزارع التي قامت على استغلال العبيد. هذا الحضور الصامت يفضح كيف كانت الإمبراطورية متجذرة في تفاصيل الحياة الأدبية اليومية.
وفي قلب الظلام لكونراد، نجد نقدًا أخلاقيًا للاستعمار، لكن من داخل مركزية أوروبية ترى أفريقيا كـ”فراغ مظلم”، وتُغيب أصوات أهلها.
ويبرهن سعيد أن الأدب الغربي هو نص إمبريالي بامتياز، ليس لأنه يمجّد الاستعمار دائمًا، بل لأنه يرسّخ مركزية أوروبا في تمثيل العالم.

3. الثنائية الحضارية: “نحن” و”هم”

يقوم الخطاب الإمبريالي على تقسيم حاد:
“نحن” الغرب: العقلانية، التقدّم، النظام.
“هم” الآخرون: العاطفة، البدائية، الفوضى.
هذه الثنائية ليست بريئة، بل هي آلية أيديولوجية لتبرير السيطرة. فالشرق، في المخيال الغربي، يحتاج إلى “وصاية” أوروبية، ما يجعل الاحتلال فعلًا “حضاريًا” في نظر الأوروبي.

4. المقاومة الثقافية وإعادة الكتابة

إدوارد سعيد يرفض أن يكون المثقف مجرد قارئ خاضع. بل يدعو إلى قراءة مضادة تكشف آثار الاستعمار في النصوص الأدبية والفكرية، وتعيد سرد التاريخ من منظور الشعوب المستَعمَرة.
من هنا تأتي أهمية ربط الأدب الغربي بأدب المقاومة في فلسطين والهند وأفريقيا، حيث يصبح الكتابة نفسها فعلا مقاوما.

5. الامتداد المعاصر للخطاب الإمبريالي

يحذر سعيد من الاعتقاد بأن الخطاب الإمبريالي انتهى بانتهاء الاستعمار الكلاسيكي. بل هو يعيد إنتاج نفسه اليوم عبر:

– وسائل الإعلام الغربية التي تهيمن على تمثيل العرب والمسلمين (خصوصًا بعد 11 سبتمبر).

– الخطاب الأكاديمي في الجامعات الغربية.

– السينما والأدب الحديثين.
بذلك، فإن المعركة مع الإمبريالية مستمرة ثقافيًا، وإن تغيّرت أدواتها.

هكذا، فإن الفكر العربي النقدي وجد في سعيد مرجعية عالمية، وفي الوقت نفسه قدّم مقاربات محلية أكثر التصاقًا بالسياق العربي. ويمكن قراءة مشروع سعيد بوصفه تفكيكًا لمفهوم الحقيقة الكونية في الفكر الغربي. فالخطاب الإمبريالي ادّعى امتلاك الحقيقة حول “العالم الآخر”، بينما في جوهره هو خطاب قوة. وهنا يلتقي مع فوكو في ربط المعرفة بالسلطة، لكنه يذهب أبعد بالتركيز على الاستعمار كتجسيد لهذه العلاقة.

إذن، الخطاب الإمبريالي الذي حلّله إدوارد سعيد ليس مجرد دراسة أدبية، بل مشروع تحرري يسعى إلى إعادة كتابة العلاقة بين الثقافة والسلطة. وهو مشروع ما يزال حاضرًا اليوم في مواجهة الصور النمطية والعنف الرمزي الذي تمارسه وسائل الإعلام والسياسة العالمية على الشرق والعالم العربي.
لإن مقاومة الاستعمار – كما يقول سعيد-  لا تبدأ بالبندقية، بل تبدأ بـ الكلمة، وبفضح كيف صيغت الحكاية ومن يملك حق روايتها.

التصنيفات
مدونتي

فبركة الصورة في زمن الفراغ القيمي


في أطروحته المثيرة للجدل عن الحداثة السائلة، ذكر المفكر البولندي زيغمونت باومان، أن العلاقات والقيم باتت هشة وسريعة الزوال. الشهرة المفبركة هنا تجسيد مباشر لهذه “السيولة”، فهي شهرة لحظية، بلا جذور، تختفي بمجرد أن يظهر مشهد آخر أكثر جاذبية.
في عالم اليوم، إذ تتحوّل الهواتف إلى منصّات عرض، وتختصر العدسات الرقمية الطريق إلى قلوب الجماهير، صار حبّ الشهرة هوسًا متفشّيًا لدى كثيرين. لم يعد يكفي أن يكون الإنسان موهوبًا، أو صاحب فكرة لامعة، أو حتى ذو تأثير حقيقي في محيطه، بل بات بعضهم يلجأ إلى صناعة المواقف المفبركة واللحظات المصطنعة لاقتناص لفتة إعجاب، أو “إعجاب”.
لم يعد مفهوم الشهرة، في زمن التواصل الاجتماعي، مرتبطًا بالمنجز الفكري أو الإبداعي أو الإسهام المجتمعي الحقيقي. بل تحوّل – في كثير من الحالات – إلى مسرح من المواقف المصطنعة والمشاهد المفبركة التي تُدار بعناية لتثير تعاطف الجمهور أو إعجابه. إننا أمام تحوّل خطير: من الشهرة بوصفها نتيجة طبيعية لعمل حقيقي، إلى الشهرة باعتبارها سلعة يمكن صناعتها والتسويق لها، بل وبيعها مقابل هدايا ودعوات مجانية.
المواقف التي نراها يوميًا على منصات التواصل لا تخلو من مشاعر، لكنها مشاعر محسوبة ومصوّرة، تخضع لقوانين الإخراج أكثر مما تخضع لصدق العفوية. تقديم مساعدة لمحتاج، مفاجأة أحد الوالدين، أو القيام بعمل خيري، كلها أفعال نبيلة، لكنها حين تُعاد مرارًا أمام الكاميرا، وتُزيَّن بمؤثرات بصرية وصوتية، فإنها تتحول إلى عرض استهلاكي يفقد جوهره الأخلاقي.
في هذا السياق الجديد، أصبحت الشهرة عملة لها مقابل مادي مباشر: وجبات مجانية من المطاعم، إقامات فندقية، منتجات تُهدى مقابل “منشور”، ودعوات حصرية إلى فعاليات. بهذا، يغدو المؤثر جزءًا من اقتصاد تجاري يقوم على استثمار صورته، لا على قيمة حقيقية يقدّمها. إننا أمام تبادل واضح، مشهد مصطنع يولّد شهرة، والشهرة تستجلب الهدايا والامتيازات.
غير أن الثمن الأكبر يُدفع في مستوى القيم. إذ تتعرض القيم الإنسانية الأساسية – كالكرم، والإيثار، والتعاطف – لخطر التشويه، حين تتحول إلى أدوات للتسويق، أو تُستثمر كوسائل لتحقيق مكاسب آنية. هنا يفقد الفعل الأخلاقي أصالته، وتصبح النية الصادقة مشكوكًا فيها. ومع الزمن، قد ينشأ جيل ينظر إلى العطاء بوصفه مشهدًا إعلاميًا، لا التزامًا إنسانيًا.
الفارق الجوهري بين الشهرة المفبركة والشهرة الحقيقية يكمن في الصدق والاستمرارية. الأولى سريعة الزوال، مثل ومضة فلاش تنطفئ بمجرد انتهاء العرض، أما الثانية فتنمو ببطء، لكنها تترسخ في الوعي الجمعي بفضل أثرها العميق. إن المجتمعات التي تنساق وراء مشاهد مصطنعة، تُخاطر بأن تُربّي أبناءها على قيم وهمية، بينما المجتمعات التي تحتفي بالفعل الحقيقي، تُرسّخ نموذجًا إنسانيًا أصيلًا.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الفكر العربي بين نقد المفهوم والتكرار : قراءة في الندوات الثقافية



في النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن العشرين، عقدت في الكويت ندوة بعنوان ( ندوة الفكر العربي المعاصر)* في أكتوبر من العام 1997. أتذكر الندوة بكل تفاصيلها، الأوراق المقدمة والمداخلات والمشاحنات التي رافقتها، في حدث استثنائي لأهمية الأسماء المشاركة، والمحاور الفكرية الجريئة التي تضمنتها، فكانت حدثا ثقافيا استثنائيا وقتها، ووعيا ناضجا بالثقافة العربية وروادّها.
استمرت الندوة لمدة أربعة ايام على فترتين، وشارك فيها عدد من المثقفين والمفكرين العرب، عولجت فيها ثلاثة محاور أساسية هي:

المحور الأول: “اتجاهات الخطاب الفكري العربي المعاصر: تقييم نقدي” ، وتوزع على خمسة أبحاث هي:
1- الاتجاه السلفي، قدمها: د. حيدر ابراهيم، د. سليم العوا، د. فهمي جدعان، د. رضوان السيد.  2- الاتجاه الليبرالي، قدمها:  د. علي الدين هلال، د. عبد الخالق عبدالله، المستشار طارق البشري، د. جابر عصفور. 3- الاتجاه القومي، قدمها: د. علي حرب ود. علي اومليل. 4- الاتجاه التوفيقي، قدمها: د. محمد جابر الأنصاري ود. ناصيف نصار. 5- الاتجاه الماركسي، قدمها: شوقي جلال وأحمد الديني.

وتضمن المحور الثاني: “إشكاليات الفكر العربي المعاصر: تقييم واستشراف”، ضمت اربعة أبحاث هي:
1- التحولات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية وانعكاساتها الفكرية، قدمها: د. محمد السيد سعيد ود. باقر النجار. 2- اشكاليات الفكر العربي المجتمعية والسلطوية، قدمها: د. خلدون النقيب ود. أحمد أبو زيد. 3- الفكر العربي والجماهير (إشكالية النخبة)، قدمها: د. تركي الحمد ود.فؤاد زكريا. 4- الفكر العربي بين النظرية والواقع، قدمها: د. محمود أمين العالم وأياد مدني.

في حين جاء عنوان المحور الثالث: “استشراف المستقبل”، وتضمن العناوين:
1- الفكر العربي والزمن: أين نحن من نهضة مطلع القرن، قدمها:  د. السيد يسين ود. الحبيب الجنحاني.  2 -الفكر العربي والمستجدات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية في العالم، قدمها: د. اسماعيل صبري عبدالله ود. رمزي زكي. 3- الفكر العربي وجدلية التقدم والتأخر، قدمها: جورج طرابيشي ود. محمد الرميحي.
تخيّل معي هذه الأسماء الجليلة والأوراق التي قدموها، والأفكار التي طرحت، وأثارت الحوار والنقاش والجدل والخلاف حولها.
وقد نشرت الأوراق في عدد يناير من مجلة عالم الفكر العام 1998.
وجدير بالذكر، أنه سبق الندوة بعامين عددٌ خاص من المجلة العربية للعلوم الإنسانية الصادرة عن جامعة الكويت بالتعاون مع مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عن ندوة نُظمت في عنوان مشابه، تناولت بعض المواضيع مبكرا قبل عقد الندوة، وهو أمر لا ننتقده، بل نشيد به كثيرا لكونه من جهة أكاديمية كجامعة الكويت مما يوضح دورها الطليعي آنذاك في طرح هذه القضايا. فلا ضير بأن تكمل الندوات مشاريع بعضها البعض، على خلاف اليوم. إذ أن هناك الكثير من الندوات الثقافية العربية التي تُطرح فيها عناوين كبرى برّاقة ومثقلة بالمصطلحات، لكن حين يُرفع الستار، سرعان ما نكتشف أن العنوان أكبر من المتن، وأن الطرح يراوح مكانه بين التعميم والإنشاء، دون تفكيك حقيقي، بل مجرد نسخ للمفاهيم، بلا مواجهة صادقة للأسئلة. ناهيك عن تكرار الأسماء، مما يفيد ثبات الآراء والأفكار دون تجديدهما.
سنحاول أبراز ملامح الخلل، وهي:

1. التهويل المفاهيمي:
كثير من العناوين توظّف مصطلحات فلسفية أو فكرية معقدة، لا يتم تفكيكها داخل الجلسات، وكأنها ديكور خطابي لشدّ الانتباه لا أكثر، وكأن عناوين الأوراق اجتمعت واتفقت على ذات العنوان!

2. التكرار والتدوير:
نفس العناوين تعود كل عام، بصياغات مختلفة، ولكن بالمحتوى ذاته، دون طرح جديد أو زوايا مغايرة.

3. الانفصال عن الواقع:
الندوات تناقش “الهوية” أو “ما بعد الحداثة”، بينما لا علاقة لها بتجربة المتلقي أو المبدع اليوم، ولا تقدّم توصيات أو حلول قابلة للتنفيذ.

4. غياب سؤال “لماذا؟”
إذ تُطرح العناوين من أجل الندوة، لا من أجل حاجة فكرية أو جدل مجتمعي حقيقي، فتغيب الأسئلة الجذرية وتحضر الشعارات.

5- عدم التنسيق بين الجهات المنظمة، بحيث تكون الندوات أشبه بسلسلة فكرية، تكمل بعضها البعض، وليس تغريدا في كل عنوان يهيمون، المهم سد ثغرة جدول، دون بحث في أرشيف الندوات ومحاولة امساك خيط ما من ندوة سابقة، ليكون أساس أخرى لاحقة.

نحن لا نرفض العناوين الكبرى بذاتها، بل ننتقد تحويلها إلى قوالب بلاغية فارغة بدل أن تكون مداخل لمساءلة الواقع وتوسيع أفق الفهم. فالعنوان، في الندوة كما في النص، يجب أن يكون وعدًا بالمضمون. لا بديلاً عنه.

*نقلت تفاصيل الندوة من جريدة السفير اللبنانية عدد 7834 بتاريخ 1997-10-29

د. فهد توفيق الهندال

#نقد_ثقافي #الندوات_الثقافية #خطاب_ثقافي #العناوين_الكبرى #فكر_نقدي

التصنيفات
مدونتي

جدلية الفنون في الخطاب الإعلامي الجديد



في عالم يتقاطع فيه الفن والإعلام على نحو غير مسبوق، تبرز جدلية الفنون في الخطاب الإعلامي الجديد كإحدى الإشكاليات الثقافية والفكرية المعاصرة. فلم يعد الفن ذلك الكيان المستقل الذي يعيش في صالات العرض أو صفحات الكتب، بل صار اليوم أداة مركزيّة داخل المنظومة الإعلامية الرقمية، يُعاد تشكيله باستمرار لخدمة أجندات، أو التأثير في وجدان الجمهور، أو حتى بوصفه لغة خطابية بحد ذاتها.

1. تحولات المشهد: من الجماليات إلى الوظيفة
مع صعود الإعلام الجديد القائم على التفاعلية والبصرية الفائقة، تغيّر مفهوم “الفن” من كونه تعبيرًا عن الذات أو الجماعة، إلى أداة توصل الرسائل وتبني الرأي العام. وهنا تبرز إشكالية: هل ما يُنتَج اليوم فن، أم دعاية؟
قد يجيب مارشال ماكلوهان، المفكر الكندي في وسائل الإعلام:
“الفن هو رادار المجتمع، يكشف عنه قبل أن يعي هو ذاته ما يحدث.” وهذا يكشف كيف بات الفن مستبقًا لتحولات الواقع، لكنه حين يدخل دائرة الإعلام يتحول أحيانًا إلى أداة استهلاك لحظي، لا كشف مستقبلي. ورغم جاذبية الصورة الاستعارية التي يقدمها ماكلوهان، إلا أن تشبيه الفن بـ”الرادار” يحمل نزعة حتمية مفرطة. لا يكون الفن دومًا استباقيًا لتحولات المجتمع، بل في أحيان كثيرة يكون ارتكاسيًا أو حنينيًا، يعيد إنتاج الماضي أو يحاول مقاومة الحاضر لا كشف مستقبله.
كما أن هذا التصور يتجاهل البعد الفردي والذاتي للفن، باعتباره ممارسة شخصية أو حدسية، لا تُختزل في وظيفة استشرافية.


2. الفن كخطاب: هل يمكن أن يكون محايدًا؟
في عالم اليوم، تُستخدم الصور، الموسيقى، وحتى تصميم الشعارات، كأدوات إقناع أو مقاومة. ومع ذلك، لا يمكن للفن أن يكون محايدًا حين يُستخدم ضمن خطابٍ إعلامي مصمم للتأثير والتوجيه. وربما هو ما حدا بالإعلامية الأميركية سوزان سونتاغ لأن تصرّح:
“كل صورة هي أيضًا تلاعب بالواقع… ليست الصورة محايدة، إنها إعلان موقف.”
في ظل هذا، يصبح الفن في الإعلام حقلًا ملغومًا بالنيات والسياقات، لا مجرد تعبير حر. في هذا القول، تميل سونتاغ إلى تسييس الصورة بوصفها أداة موقف، ما قد يُفضي إلى إفراغ الفن البصري من إمكاناته التجريبية أو التأملية. فلا يمكن اختزال كل صورة في موقف. فبعض الأعمال الفنية تعمد إلى الغموض، الإيهام، أو حتى العبث، دون نية مسبقة لصناعة موقف أو خطاب.
كما أن هذا الرأي قد يُستخدم لتجريم الصور بحسن نية، فيتحول الفنانون إلى متهمين بالرسائل المضمَنة حتى إن لم يقصدوها.

3. المنصات الرقمية: ساحة جدل وأداة انتقاء
فرضت المنصات الرقمية إيقاعًا جديدًا للفنون، من خلال: السرعة، القابلية للمشاركة، والتفاعل اللحظي. ليصبح العمل الفني مطالبًا بالإيجاز والجاذبية البصرية أكثر من العمق.
فيقول الناقد الإعلامي نيل بوستمان: “نحن نمرح أنفسنا حتى الموت. الثقافة المرئية تستهلك المعنى لتحوله إلى ترفيه.”
وهنا يكمن الخطر: أن يصبح الفن مجرّد عنصر تسويقي في صناعة المحتوى، لا مساحة للتأمل الجمالي. وبوستمان – رغم دقته في رصد ظاهرة ترفيهية طاغية – يتبنى لهجة تشاؤمية قاتمة تُخفي احتمالات مهمة:
فالثقافة المرئية ليست دومًا استهلاكية، بل يمكنها أن تكون أداة للتحفيز المعرفي أو إثارة التساؤلات الكبرى بصيغة مختزلة.
ثم إن تحويل المعنى إلى ترفيه لا يعني بالضرورة سقوط القيمة، بل ربما هو تحوّل في أدوات التأثير لا في عمقه.


4. الفن الشعبي والإعلام الجماهيري
باتت الفنون الشعبية – مثل الرقصات، الأغاني القصيرة، والميمات البصرية – تُقدَّم كجزء من الهوية الإعلامية، لكنها غالبًا تفقد بعدها التاريخي العميق وتُختصر في الاستعراض.
لتقول آريانا هافينغتون، مؤسسة “هافينغتون بوست”:
“في عصر الإعلام الجديد، يتم اختزال الفكرة في ما يمكن مشاركته، لا في ما يمكن التفكير فيه.” وتمثّل رؤية آريانا هافينغتون موقفًا نقديًا صحيحًا تجاه التفاهة المُنتشرة في بعض منصات الإعلام الجديد، لكنها تُعمّم بشكل يُهمّش جهود المبدعين الرقميين الذين يبنون محتوىً عميقًا ضمن شروط العصر.
كذلك، المشاركة ليست نقيضًا للتفكير، بل يمكن أن تكون مدخلًا له، خاصة لدى الأجيال التي تتعلم من خلال التفاعل الرقمي، لا القراءة التأملية وحدها.


5. هل نحن أمام إعلام فني أم فن إعلامي؟
كتب المفكر الفرنسي رولان بارت مرة: “الصور ليست أشياء تُرى فحسب، بل أشياء تُقرأ”. في هذا الطرح البنيوي، يُحمّل بارت الصورة عبئًا تأويليًا لغويًا، كأنما الفن لا يكتمل إلا إذا خضع لسلطة القراءة والنقد. لكن هذه النظرة تتناسى أن بعض الصور أو الأعمال الفنية لا تُقرأ بل تُحسّ، تُعاش، وتُتذوق دون حاجة إلى تحليل لغوي أو تأويلي.
بمعنى آخر، ليست كل تجربة جمالية بحاجة إلى “قراءة”، وبعض الفن ينتصر للصمت لا للنص. واليوم، تذوب الحدود، ويزداد التداخل، وبات الفن أحد أدوات تشكيل الخطاب الإعلامي، ليس كزينة بل كمكوّن جوهري في البنية السردية. فالمتلقي اليوم يُطلب منه أن يفكك الرسائل الفنية كما يفكك خطابًا إعلاميًا، لأن الجمال بات يحمل وظيفة، والدلالة تتجاوز الشكل.

في ظل هذا التداخل، تبرز الحاجة إلى نقد ثقافي يُحلل كيف تُستخدم الفنون في الخطاب الإعلامي: هل تُستنبت لأجل التأثير العاطفي فقط، أم تُستثمر في بناء وعي جماعي؟

إن جدلية الفنون في الخطاب الإعلامي الجديد لا تُحسم بإجابات قاطعة، لكنها تستدعي يقظة فكرية تقاوم الانزلاق نحو الاستهلاك الخالي من المعنى.
وكما قال الناقد الإعلامي الأميركي هربرت شيلر في كتابه الشهير (المتلاعبون بالعقول):
“من يتحكم بالثقافة، يتحكم بالعقول”. وهنا تعبير عن قلق مشروع تجاه سلطة الإعلام وصناعة الثقافة الجماهيرية، لكنها قد تقود إلى نظرية مؤامرة شمولية مبالغ فيها. فالثقافة – رغم التوجيه – ليست فضاءً خاضعًا بالكامل للسلطة، بل تمتلك طاقة مقاومة كامنة، تتجلى في الفن المتمرد، والمحتوى التفاعلي، والخيال الشعبي.
كما أن العقول لا تُستَعبد فقط، بل تُبدع وتنتقد وتُسائل.

د. فهد توفيق الهندال

مارشال ماكلوهان – فيلسوف كندي متخصص في الإعلام

رولان بارت – ناقد فرنسي

سوزان سونتاغ – كاتبة وناقدة أميركية

نيل بوستمان – ناقد ثقافي أميركي

آريانا هافينغتون – مؤسسة موقع “هافينغتون بوست”

هربرت شيلر – ناقد إعلامي أمريكي





التصنيفات
مدونتي

لابوبو العصر: ثقافة عادة الاستهلاك



في زمن تغمرنا فيه المنصات، وتتدفق المحتويات من كل اتجاه، يُخيّل إلينا أننا نعيش في عصر الثقافة المتوهجة. لكن الحقيقة الصامتة تقول شيئًا آخر، إذ تَحوّلت الثقافة من ممارسة إنتاجية وفضاء للتفكير إلى سلوك استهلاكي سريع، أشبه بوجبة مجمدة تُسخَّن على عجل ثم تُنسى.

أصبحت ثقافة العالم اليوم في كثير من مظاهره، نشاطًا استهلاكيًا مكررًا. نتابع، نُعجب، نُشارك، ثم ننسى. لا أثر يُترك، ولا معرفة تُبنى، ولا ذائقة تُصقل. لقد تحوّل القارئ إلى متابع، والمبدع إلى محتوى، والفكرة إلى ترند. ثقافة اللحظة قتلت التأمل، وسرعة النشر أجهزت على عمق المعنى.
إنها حالة تُشبه سباق الأرنب والسلحفاة، لكن مع فارق قاتل. فالأرنب ما زال نائمًا في وهم تفوقه، والسلحفاة لم تعد تتحرك. أصبح السباق نفسه مسرحًا للشكليات، لا مساحة للإبداع. فتحول الفعل الثقافي إلى استعراض منصّات، لا صناعة مضمون، فتُعلن الريادة في الشعارات، لكنها غائبة في العمق.
ولأن ثقافة الفرد قائمة على التفاعل اللحظي، وليس على البناء المعرفي، انعكست على الثقافة العامة، فأصبحنا رهائن حلقة استهلاكية لا تتيح وقتًا للتفكير أو لإنتاج جديد.

بل إن هذا الانحدار لا يقتصر على الأفراد، بل ينسحب على المؤسسات التي تُروّج الاستهلاك الثقافي تحت مسمى “الوصول السريع” أو “الانتشار”. في حين أن الثقافة الفعلية، كما كان يُمارسها غازي القصيبي في حياته الإدارية، تتطلب صبرًا وتخطيطًا ومثابرة، لا بهرجة:
“الإنسان الذي يرفض التغيير، إنسان يعيش في الماضي، والماضي لا يُنتج شيئًا.”

ويقبع العالم اليوم في حاضرٍ بلا إنتاج، نكرّر الأفكار ذاتها، ونتداول الوجوه ذاتها، حتى أصبح المبدع غريبًا في سوق الثقافة المصنّعة. فثقافة الاستهلاك، إن لم تُقاوَم، تتحوّل من وسيلة انتشار إلى وسيلة إلغاء. تُلغي التميّز، وتُفرّغ الجمال، وتحوّل الجمهور إلى متلقٍّ بلا وعي. والأسوأ، أنها تُغري بالعجز، فكل شيء “جاهز”، وكل مجهود “مؤجل”.

لابوبو العصر هو اسم ساخر، لكنه يحكي مأساة حقيقية، مأساة ثقافة تتجمّل بالحداثة، لكنها تفقد روحها كلما كرّرت ذاتها دون تفكير. بات اليوم سلعة ثقافية. ستجدها يوما إلى جانب موسيقى بتهوفن وجون ويليامز، ولوحات فان جوخ وبيكاسو، وكتب أرسطو وابن رشد!
لا نريد تغيير العالم، بل تغيير عادتنا اليومية في جوهر الاهتمام، علّها تخرجنا من حالة وجوم العادة المكررة وادمان الاستهلاك العبثي إلى عالم مليء بالتجدد والابتكار الفردي.

لأسرد عليكم هذه القصة التي أوردها جيمس كلير في كتابه (العادات الذرية)، وليسمح لي وقت القارئ:
في أحد أحياء طوكيو، اعتاد سائق حافلة يُدعى “سايتو” أن يُقلّ الركاب في نفس الطريق كل يوم، بنفس التوقيت، وبنفس الروتين. ومع مرور الوقت، لاحظ أن أغلب الركاب كانوا يجلسون صامتين، يحدّقون في هواتفهم أو يغطّون في النوم. بدا له المشهد آليًا، بلا حياة.
فقرر في أحد الأيام أن يُجري تغييرًا بسيطًا. لم يكن الأمر إعلانًا كبيرًا، ولا حملة ترويجية، بل عادة صغيرة: كل صباح، يرحّب بالركاب باسم الحي الذي ينطلقون منه، ويضيف جملة تحفيزية قصيرة.
“صباح الخير من شينجوكو… تذكّروا اليوم أن تبتسموا لمن بجواركم.”
في البداية، لم يُعره أحد انتباهًا. لكن بعد أسابيع، بدأ بعض الركاب يردّون التحية، ثم ظهرت على النوافذ رسائل مكتوبة من الركاب تشكره على كلماته. البعض تغيّر مزاجه طوال اليوم بسببه.
بعد عام، عُرف “سايتو” في الإعلام الياباني بلقب سائق الأمل، وتحول فعله البسيط إلى حركة اجتماعية: مؤسسات بدأت تضع عبارات تحفيزية يومية في مداخلها، ووسائل النقل تبنّت فكرة “كلمة صباحية”. كل هذا… بدأ بعادة واحدة.
يعلّق جيمس كلير على هذا النوع من القصص قائلاً:
“العادات الصغيرة تُعيد تشكيل هويتك ببطء. كل فعل هو صوت تقول به لنفسك: هذا أنا.”
وهكذا، لم يكن سايتو يحاول “تغيير العالم”، بل فقط أن يكون إنسانًا أفضل في مكانه. وكانت النتيجة: عدوى إيجابية، غيّرت المشهد بأكمله.
فكما يقول جيمس كلير:
“النجاح هو نتاج العادات اليومية، لا التحولات الدراماتيكية.”
فلنُراجع عاداتنا الثقافية. لعلنا بذلك نكتب نهاية لابوبو العصر، وبداية عصر يستحق أن نُسميه: عصر الإبداع الحقيقي، لا عصر الإعادة والتسلق على منجزات سابقة.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

سرديةُ أثينا المعاصرة: الخطابُ بوصفِه وعيا موازيا

جمعت الأساطير الاغريقية القديمة، النقيضين (الحكمة والحرب) في شخصية واحدة كأثينا، ولم يأت ذلك اعتباطًا، بل يكشف عن بنية رمزية مركبة في المخيال الإغريقي، حيث لا تُفهم الآلهة كمجرد كائنات فوق بشرية، بل كمرايا للأسئلة الكبرى في الوجود الإنساني.
فأثينا ليست إلهة الحرب بمعناها العنيف مثل الإله آريس (Ares)، الذي يمثل العنف الأهوج، والشهوة للدم، والحرب الفوضوية، بل أثينا تمثل الحرب بوصفها خيارًا استراتيجيًا، عقلانيًا، تكتيكيًا.
فالحرب هنا، عند أثينا، ليست جنونًا… بل امتدادًا للحكمة عندما تفشل السياسة. لتمثل أثينا العدل أيضًا، فهي تدخل المعارك حين يكون الحق مهددًا. فتحمل درعًا وتحمي الأبطال (مثل أوديسيوس وبيرسيوس) ولكن بعقلٍ لا بعاطفة.
لهذا تُرسم غالبًا وهي تُمسك برمح بيد وبكتاب أو بومة بالأخرى، وكأنها تقول ما قاله أفلاطون في الجمهورية:
«لا يحرس المدينة إلا من امتلك الفلسفة والشجاعة معًا».

في زمنٍ معاصر، تتقاطعُ فيه الجبهاتُ العسكرية مع نشراتِ الأخبار وخيوطِ التواصل الاجتماعي ومنابرِ الفكر، لم تَعُد الحربُ محصورةً في ميدانٍ ماديٍّ وحسب، بل أضحت صراعًا على المعنى، وعلى من يكتبه ومن يَحقُّ له أن يرويه. وكما يقول المؤرخ إريك هوبزباوم:
«الذين يروون الحكاية، يملكون العالم»
يمكن تفصيل ذلك عبر النقاط التالية:
1. الحربُ بوصفِها سرديّة: من الوقائعِ إلى التأويل
ليس السرد مجرّد نقلٍ للأحداث، بل هو إعادةُ بناءٍ معرفيٌّ وأخلاقيٌّ لها؛ إذ يُنتقى ما يُروى، ويُضخَّم أو يُخفَّف، ويُوجَّه إلى جمهورٍ بعينه. لذلك يؤكّد الفيلسوف بول ريكور: «كلُّ سردٍ هو تأويل، وكلُّ تأويلٍ هو شكلٌ من أشكال السلطة»
وبينما تُهدَّم البيوت على الأرض، تُعاد هندسةُ الذاكرة في الفضاءات الرقمية. هنا تُصبح الكتابةُ، كما يعبّر محمود درويش، فعلَ بقاء: «أكتبُ كي لا يسرق أحدٌ صمتي»
2. الخطابُ السياسيّ: شرعنةُ العنف أم تجميلُ العدالة؟
تُعيد اللغةُ الرسمية تحديدَ الحرب عبر مصطلحاتٍ بديلة، مثل: «عمليةٌ عسكرية» بدل «حرب»، و«أضرار جانبية» بدل «ضحايا مدنيين». وفي ذلك يحذّر جان بول سارتر:
«أخطرُ الكائنات ليس الذي يحمل السلاح، بل مَن يكتب ليُبرّره». فالخطابُ هنا لا يُبلِّغ وحسب، بل يسعى إلى تهذيبِ القسوة وإضفاءِ مشروعيّةٍ أخلاقيةٍ عليها.

3. الخطابُ الإعلاميّ: بين الاستقطابِ والتزييف
تتنافس شاشاتُ العالم على صياغة صورةٍ «موضوعيّة»، لكنها كثيرًا ما تُخفي بنياتٍ استعماريةً أو تحشيديّة. يقول جورج أورويل:
«في زمنِ الكذب، يصبح قولُ الحقيقة فعلًا ثوريًّا».
بينما يذكّرنا الشاعر سليم بركات بمرآة البثّ:
«الدمُ لا يُرى في البثّ المباشر، يُغطّيه التعليقُ الصوتي»
وهكذا تتأرجح الرواية بين خطابٍ يوازن شكلًا ويُقصي جوهرًا، وخطابٍ آخر مقاومٍ يلجأ إلى التاريخ والصراع المستمر، وخطابٍ ثالث فوضويٍّ يُنتج سرديّاتٍ بديلةً قد تكون ملهمةً أو مضلّلة.

4. الخطابُ الثقافيّ والفنّي: فالحربُ كجرحٍ لا يلتئم
في الهامش المشتعل، يكتب الفنّان ما تعجزُ البياناتُ العسكريّة عن إظهاره؛ يكتب وجعَ الإنسان، لا وجاهةَ المنتصر. تقول نازك الملائكة:
«في الحرب لا ينتصرُ أحد؛ الجميعُ يخسر: الأم، الطفل، اللغة، وحتى الشعر».
وتضيف سوزان سونتاغ في حول الألم والآخرين:
«لقد فقدنا القدرةَ على الحزن كما ينبغي، لأنّ الصور سبقت المشاعر».
لتتحول الرواية، والمسرح، والسينما إلى سجلٍّ عاطفيٍّ مضاد، تبني ذاكرةً أعمق من العنوان العاجل.

5. سؤالُ الحياد: هل يمكن كتابةُ سرديّةٍ بلا انحياز؟
الحيادُ في ذاته موقف؛ فلا يوجد سرد محايد، لأن اختيار زاوية السرد هو بحد ذاته موقف. وبالتالي، كل خطاب عن الحرب، إن لم يكن منحازًا للحقيقة، فهو منحاز لوجهة نظر ما.
فما نختارُ أن نصمتَ عنه يُرسّخ ظلمًا ما؟
يقرِّر إدوارد سعيد بصرامة:
«الحياد في وجه الظلم خيانةٌ للمعنى».
بذلك يصبحُ المبدع بين خيارَين: إمّا أن يُؤرِّخ للضحية، أو يُنظّر للجلّاد؛ فحتى الصمتُ اصطفافٌ ضمنيّ.
لذلك، السردُ سلاحُ مَن لا سلاحَ له.فحين تسيطر القوى الكبرى على العتاد، يبقى الخطابُ حقلَ الضعيف الأخير. من لا يروي تجربتَه سيجد مَن يكتبُ عنه بما يَخدم مصلحتَه. يقول الطاهر بن جلّون:
«الكتابةُ فعلُ نجاة، لا رفاهية»
ويصرخ إلياس خوري:
«أكتبُ، لأنهم لا يكفّون عن القتل»
هكذا يغدو السردُ وطنًا بديلًا، وذاكرةً مضادةً للنسيان، وجبهةً لا بدَّ أن تُخاض بالكلمة، قبل أن تُخاض بالسلاح.
وأن نُعيد رسم الحرب لا كغريزةٍ، بل كمسؤوليةٍ فكرية وأخلاقية، وأن نُدافع عن السرد بوصفه مجالًا لمقاومة العنف، لا فقط للتوثيق.
وكأنّ أثينا، في نسختها المعاصرة، تنادينا عبر شاشات الأخبار وصفحات الكتابة، لتقول:
«لا تدعوا الجنون ينفرد بالسرد. فكروا، ثم احموا تفكيركم.»
وهكذا، يصبح الوعي النقدي والكتابة الحيّة درع أثينا الجديد في وجه طغيان الخطاب الواحد.

د. فهد توفيق الهندال

لوحة أثينا المعاصرة عبر AI








التصنيفات
مدونتي

النقد الثقافي وأرخبيل الخطابات “المُفرّغة” !



يخبرنا فوكو أن النقد ليس تمرينًا على التفكيك بقدر ما هو ممارسة للحرية. حرية التفكير خارج الأطر الجاهزة، وحرية النظر إلى الواقع من زوايا غير مأهولة. فالنقد عنده لا يهدف إلى الهدم، بل إلى كشف البُنى الخفية التي تُنتج أفكارنا، وتشكّل وعينا دون أن نشعر.

ولهذا، لا يشترط أن يكون النقد انعكاسًا لرغبات الجمهور أو أهوائهم، بل قد يتقاطع معها أو يناقضها، لأن وظيفته ليست الإرضاء، بل الإضاءة. زاوية النقد ليست مرآةً لما أحبه الناس أو كرهوه، بل عدسة تُعيد ترتيب المشهد وتُبرز ما خفي تحت سطح الخطاب.

وإذا ما رأى صاحب النص أن النقد عبءٌ أو تطفّلٌ أو تسلّقٌ على جهده، فهو بذلك يكشف عن رفضٍ ضمني للمساءلة، وتمسّكٍ مريح بالسلطة التي يعتقد أنها حصرية له. كأن النص ينبغي أن يُقرأ بإجلال لا باشتباك، وأن يُترك معصومًا لا معروضًا على طاولة السؤال.

لكن الحقيقة أن النص الذي لا يُستدعى إلى ساحة النقد، نصٌ محكومٌ عليه بالعزلة. فكما أن الفكر لا يتطور دون صراع، فإن الكتابة لا تنضج دون أن تمر بمحكّ الفحص. وفقط حين يتقبل صاحب النص هذا الامتحان، يُصبح شريكًا في مشروع المعرفة، لا مجرد صدى لها.

في عالم يفيض بالخطابات والصور والرموز، لا يكفي أن ننظر إلى الظواهر من سطحها، بل علينا أن نسبر أعماقها لنكشف ما تُخفيه من سلطات ومعانٍ خفية. وهنا يأتي دور النقد الثقافي كما يُعرّفه الدكتور عبد الله الغذامي، بوصفه أداة لكشف البُنى الفكرية والسلطوية الكامنة وراء المنتجات الثقافية، سواء كانت نصوصًا أدبية أو مظاهر اجتماعية أو حتى أنماطًا استهلاكية.

لا يرى الغذامي في النقد مجرد تحليل جمالي أو لغوي، بل يرى فيه تفكيكًا للخطاب وكشفًا للعلاقات غير المرئية بين النص والمجتمع، بين اللغة والسلطة، بين الهوية والتمثيل. إنه يحرّكنا من سؤال “كيف كُتب النص؟” إلى سؤال “لماذا كُتب بهذا الشكل؟ ولصالح من؟”.

من هذا المنظور، تصبح كل ظاهرة ثقافية قابلة للقراءة بوصفها نصًا اجتماعيًا، يحمل في طياته تمثيلات طبقية، جندرية، أيديولوجية. سواء كانت إعلانًا تجاريًا، أو مهرجانًا، أو حتى لبسًا شائعًا، فإنها تحوي في داخلها خطابًا يُشكّل وعينا ويعيد إنتاج النظام الرمزي للمجتمع.

لذا، فدراسة الظاهرة من منظور النقد الثقافي لا تهدف إلى إدخالها في قوالب جامدة، بل إلى تحرير وعينا منها، وفهم كيف نُشكَّل نحن من خلالها. وكما يؤكد الغذامي، فإن هذا النوع من النقد ليس ترفًا معرفيًا، بل ضرورة لفهم أنفسنا والواقع الذي نعيشه، بعيدًا عن الانبهار الساذج أو الرفض الغاضب.

إن ظاهرة “الجزر الثقافية”، بحسب توصيف الغذامي، تُشير إلى تَشظّي الخطاب الثقافي إلى دوائر مغلقة، كل منها تتكلم مع ذاتها وتُعيد إنتاج قيمها، دون انفتاح فعلي على الآخر. وهي ظاهرة تتفاقم في المجتمعات التي تُهيمن فيها الهويات الضيقة، سواء كانت فئوية أو مناطقية أو أيديولوجية.

هذا التشظي يُفضي إلى انحسار الثقافة العامة بوصفها فضاءً مشتركًا للحوار والتفاعل. إذ لم تَعُد الثقافة في هذا السياق مشروعًا جامعًا أو حوارًا نقديًا يطمح إلى تشكيل وعي جماعي، بل تحوّلت إلى أرخبيل من الخطابات المتوازية، لاسيما المفرّغة، التي لا تتقاطع إلا لتصطدم.

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أمرين:

1. تفريغ الثقافة من بعدها الجدلي: إذ تضعف قيم الحوار والنقاش المفتوح، ويتم استبدالها بالتكرار داخل الدائرة المغلقة، مما يؤدي إلى جمود الفكرة وركود الذائقة.

2. تراجع دور المثقف النقدي: لأن المثقف الذي يخرج من نسقه الضيق يُتَّهم غالبًا بالتخلي عن “الهوية”، فيُقصى أو يُشكك في دوافعه، فتخسر الثقافة صوتًا حيويًا كان يمكن أن يُحدث الأثر المطلوب.

وهكذا، فإن الجزر الثقافية لا تنعزل فقط عن بعضها، بل تُعزل الثقافة ذاتها عن أفقها الأوسع، وتحاصرها داخل قوالب الهويات الفرعية. وبمرور الزمن، تُصبح الثقافة هامشية في حياة المجتمع، غير قادرة على التأثير أو التغيير، لأن سلطة الانتماء تتغلب على سلطة السؤال، وسلطة العُرف تتغلب على حرية النقد.

إن تفكيك هذه الجزر وإعادة وصل الحقول الثقافية ببعضها، هو أحد أهم أهداف النقد الثقافي. لأنه لا يدافع عن ثقافة “موحَّدة” بل عن ثقافة متداولة، حرة، ومتقاطعة، تُنتج ذاتها من خلال الاختلاف لا الانعزال.

في هذا الإطار، يصبح النقد الثقافي ضرورة لفهم هذه الظواهر لا كمشكلات طارئة، بل كبُنى مترسّخة تُعيد إنتاج نفسها داخل المنظومة الثقافية. فالنقد هنا لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يُسائل علاقتها بالهوية، والتاريخ، والخطاب السائد، في محاولة لتفكيك أسباب تشكّل هذه الجزر، وتحليل آليات اشتغالها ضمن النسيج الاجتماعي الأشمل.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

أخوة ليلى.. المجتمع في مواجهة المرأة


يُعد فيلم “أخوة ليلى” لكاتبه ومخرجه سعيد روستايي أحد أبرز الأفلام الإيرانية الحديثة التي تعكس الصراعات العائلية في ظل التغيرات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالمجتمع الإيراني. 

يدور الفيلم حول ليلى، المرأة القوية التي تحاول إنقاذ عائلتها من الفقر المدقع، وسط إخوة يتصارعون فيما بينهم بسبب الطموحات الشخصية والميراث.
يتناول الفيلم بواقعية لاذعة المشكلات الاجتماعية مثل البطالة، الفساد، والصراع بين القيم العائلية والتغيرات الاقتصادية. ومن خلال سيناريو متقن، يبرز الفيلم العلاقة المتوترة بين أفراد الأسرة، حيث تحاول ليلى جاهدةً إقناع إخوتها بمشروع استثماري قد يكون طوق النجاة لهم، لكن الطمع والتقاليد يقفان عقبة أمام ذلك.
جاء الحوار في الفيلم عميقا وواقعيا، يعكس التوتر النفسي والاجتماعي الذي يعيشه الأفراد. لا توجد مبالغات أو خطب مفتعلة، بل تسلسل درامي ينساب بسلاسة، مما يجعل المشاهد ينغمس في تفاصيل الحياة اليومية
لشخصيات الفيلم.

الشخصيات
يتميز فيلم “أخوة ليلى” بشخصياته المعقدة التي تمثل جوانب مختلفة من المجتمع الإيراني. من خلال هذه الشخصيات، يقدم الفيلم دراسة نفسية واجتماعية للعائلة الإيرانية، حيث يتصارع كل فرد مع ظروفه وطموحاته في ظل القيود الاقتصادية والثقافية.
1. ليلى (ترانه عليدوستي) – المرأة القوية والمهمشة
• الدور: البطلة ومحور القصة، تمثل العقل المدبر للعائلة.
• التحليل: ليلى هي شخصية قوية، ذكية، وعملية، لكنها تعاني من التهميش بسبب كونها امرأة في مجتمع ذكوري. تحمل على عاتقها مسؤولية إنقاذ إخوتها من الفقر، لكنها تواجه عقبات بسبب تقاليد العائلة والطمع الداخلي.
• الرمزية: تمثل المرأة الإيرانية العصرية التي تسعى للاستقلال والنجاح، لكنها تُحاصر بين المسؤوليات الأسرية والتقاليد الاجتماعية التي تعيق تقدمها.
2. الأب (سعيد بورصميمي) – رمز السلطة والتقاليد القديمة
• الدور: الأب المتسلط الذي يتمسك بالماضي ويرفض التغيير.
• التحليل: يرى الأب أن الميراث العائلي مرتبط بالشرف والمكانة الاجتماعية أكثر من كونه وسيلة للنجاة الاقتصادية. يصر على استخدام المال بطريقة تعزز نفوذه التقليدي بدلاً من التفكير في مستقبل أولاده.
• الرمزية: يمثل الأبوية التقليدية التي تعرقل التقدم من خلال التمسك بالهيبة الفارغة بدلاً من التفكير الواقعي في التحديات الاقتصادية.
3. بيمان معادي (منوشهر) – الفشل القيادي
• الدور: الأخ الأكبر الذي يفترض أن يكون قائد العائلة، لكنه ضعيف وغير قادر على اتخاذ قرارات صحيحة.
• التحليل: يتمتع بصفات قيادية شكلية لكنه يفتقر إلى البصيرة الاقتصادية، مما يجعله مجرد واجهة للسلطة العائلية دون تأثير حقيقي.
• الرمزية: يجسد القيادات الفاشلة في المجتمع، حيث يحاول التمسك بالمكانة التقليدية دون امتلاك القدرة على مواجهة التحديات الحديثة.
4. نويد محمد زاده (علي رضا) – الغضب والاندفاع
• الدور: أحد الإخوة الذي يعاني من الغضب وعدم الاستقرار النفسي.
• التحليل: شخص متمرد، لا يؤمن بالسلطة العائلية، لكنه يفتقر إلى استراتيجية واضحة لتغيير وضعه. يعبر عن إحباطه بالتصرفات العدوانية بدلاً من البحث عن حلول عملية.
• الرمزية: يمثل الشباب الغاضب في إيران، الذين يشعرون بأنهم ضحايا للنظام الاجتماعي والاقتصادي، لكنهم غير قادرين على إيجاد طريق واضح للخروج من الأزمة.
5. الإخوة الآخرون – الطمع والانقسام الداخلي
• الدور: شخصيات ثانوية لكنها تعكس التشرذم داخل العائلة.
• التحليل: كل واحد منهم يسعى لتحقيق مكاسب شخصية على حساب العائلة، مما يعكس كيف تؤدي الأنانية والطمع إلى تدمير الروابط العائلية.
• الرمزية: يمثلون الانقسامات الداخلية في المجتمع، حيث يسعى كل فرد لتحقيق مصالحه الخاصة بدلاً من التفكير في الحل الجماعي.
6. الأم مثلت العاطفة والصبر والتضحية، لكنها في الوقت ذاته شخصية سلبية لا تملك قوة التأثير على قرارات العائلة. رغم حضورها الهادئ، إلا أنها تعكس مأساة المرأة الإيرانية التقليدية التي تجد نفسها وسط صراعات لا تملك القدرة على التحكم فيها.
هي الركيزة العاطفية للعائلة، تحاول تهدئة الأوضاع بين الأب والأبناء، لكنها لا تمتلك سلطة حقيقية. تعيش دور المراقِبة الصامتة، فهي ترى كيف تنهار العائلة لكنها تكتفي بالتحسر دون القدرة على التدخل الحاسم. وتحمل في طيات شخصيتها الاستسلام والخضوع للتقاليد، مما يجعلها نموذجًا للأمهات اللواتي كبرن في ظل نظام أبوي لا يمنحهن القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية. المفارقة أن الأم كانت في صراع مستمر مع المرأة / ابنتها ليلى، لكونها ترى فيها القوة الغائبة عنها
الرمزية:
• تمثل أفكار المجتمع القديمة التي تراقب التغيرات من دون أن تتدخل، تمامًا كما تفعل بعض الأجيال الأكبر سنًا التي تشهد انهيار القيم الاجتماعية دون محاولة التغيير. كما تعكس التهميش النسوي في المجتمع التقليدي، حيث يُنظر إلى النساء كداعمين للعائلة لكن دون منحهن السلطة الفعلية في صنع القرار.
ورغم أن شخصية الأم ليست المحرك الرئيسي في القصة، إلا أنها تعكس مصير الأمهات في العائلات المحافظة، حيث يتحملن عبء المشكلات العائلية لكن دون امتلاك القدرة على التصرف. هي مثال للمرأة التي فقدت صوتها وسط نظام أبوي صارم، مما يجعل شخصيتها حزينة وعميقة في الوقت ذاته.
أبرز الحوارات في فيلم “أخوة ليلى”
يتميز الفيلم بحوارات قوية ومؤثرة تعكس الصراعات العائلية والاجتماعية التي يمر بها الأبطال. الحوارات ليست مجرد كلمات، بل هي صراعات مصغرة تجسد الانقسامات بين الشخصيات، سواء بين ليلى وإخوتها، أو ليلى ووالدها، أو حتى بين الإخوة أنفسهم.
1. مواجهة ليلى مع إخوتها – الحلم الضائع
ليلى: “أنتم لا تفهمون! هذه ليست مجرد فكرة، إنها فرصتنا الأخيرة للخروج من هذا المستنقع!”
المعنى: هنا، تعكس ليلى إحباطها من إخوتها الذين يرفضون الاستماع إليها، وهي لحظة تكشف الفرق بين التفكير العملي (ليلى) والعاطفة والطمع (الإخوة).
2. صراع الأب مع ليلى – سطوة التقاليد
الأب: “الشرف لا يُشترى بالمال يا ليلى، لكنه يُحفظ به!”
ليلى (بغضب): “ما فائدته إذا كنا جوعى؟!”
المعنى: يوضح هذا الحوار التناقض بين الأب، الذي يقدس القيم التقليدية والمظهر الاجتماعي، وليلى التي ترى الواقع بعيون عملية. إنه صراع بين جيلين، بين ماضٍ متجمد ومستقبل يتطلب التغيير.
3. الإخوة وصراعهم حول الذهب – الأنانية والخذلان
أحد الإخوة (باحتقار): “لماذا علينا أن نسمع لامرأة؟ أنتِ تحلمين، ولن نصبح خدامًا لكِ!”
ليلى (بهدوء جارح): “أنا فقط أحاول إنقاذكم من أنفسكم، لكنكم تفضلون الغرق.”
المعنى: في هذه اللحظة، نرى مدى تجذر العقلية الذكورية، حيث لا يستطيع الإخوة تقبل فكرة أن تكون ليلى أذكى منهم، حتى لو كانت محاولاتها لصالحهم.
4. لحظة الانهيار – اعتراف ليلى بالهزيمة
ليلى (بصوت مكسور): “لقد حاولت، لكن لا أحد يريد أن يُنقَذ.”
المعنى: هذه الجملة تلخص مأساة ليلى كشخصية عالقة في بيئة ترفض التغيير، رغم حاجتها الماسة إليه. إنها لحظة الاستسلام، حيث تدرك أن عقلانيتها وذكائها لن يكونا كافيين ضد عائلة تحكمها الأنانية والعادات البالية.
لماذا الحوارات قوية؟
كان كل حوار يحمل انفعالات حقيقية، من الغضب إلى الاستسلام. وتعبر عن الشخصيات بوضوح. فلا يوجد حوار زائد أو عشوائي، بل كل جملة تخدم الحبكة.

التصوير والإخراج
يبرع سعيد روستايي في تقديم فيلمه بأسلوب واقعي وحاد، حيث يركز على التفاصيل الحياتية التي تجعل المشاهد يشعر وكأنه يعيش داخل الأحداث. يعتمد على السرد البطيء المتصاعد، مما يمنح الشخصيات مساحة للتطور ويجعل التوتر العائلي ملموسًا في كل مشهد. من خلال:
التصعيد الدرامي التدريجي: يبدأ الفيلم بمشكلات يومية، لكنه يتطور إلى صراع عائلي واقتصادي مكثف، مما يعكس عبثية الحياة في ظل الفقر والصراعات الاجتماعية.
التحكم في الإيقاع: رغم أن بعض المشاهد تبدو طويلة، إلا أنها تساهم في خلق إحساس بالضغط النفسي الذي يعيشه الأبطال.
إبراز الشخصيات: يستخدم روستايي زوايا تصوير خاصة تجسد الشخصيات وكأنها عالقة في مصيرها، مثل اللقطات القريبة التي تكشف تفاصيل الوجوه والانفعالات بدقة.
التصوير – المرآة البصرية للواقع الكئيب، ليعتمد التصوير في الفيلم على الألوان الباردة والداكنة، مما يعكس الواقع القاسي الذي تعيشه الشخصيات. المصور السينمائي هادي بهزاد نجح في جعل الكاميرا جزءًا من الصراع النفسي والاجتماعي، وذلك من خلال:
اللقطات القريبة (Close-ups): تُظهر وجوه الشخصيات بانفعالاتها الحقيقية، مما يعزز الشعور بالعجز والغضب.
التصوير اليدوي (Handheld Camera): يضفي إحساسًا بالعفوية والواقعية، كأن المشاهد يشاهد وثائقيًا عن معاناة عائلة إيرانية.
الإضاءة الطبيعية: غياب الأضواء الاصطناعية يجعل المشاهد تبدو أكثر واقعية، مما يزيد الإحساس بالقسوة الاجتماعية والاقتصادية.
زوايا الكاميرا الضيقة والمغلقة: تعكس شعور الشخصيات بالاختناق داخل أوضاعهم المأزومة، حيث تبدو البيوت والشوارع وكأنها سجون غير مرئية.

الموسيقى والمؤثرات
جاءت الموسيقى التصويرية للموسيقار رامن كوشا  هادئة لكنها مؤثرة، تدعم المشاهد العاطفية دون أن تفرض نفسها بقوة. لعبت المؤثرات الصوتية دورًا مهمًا في تعميق الإحساس بالمكان، خاصةً في المشاهد التي تعكس صخب المدينة والفوضى الاجتماعية.

“أخوة ليلى”  فيلم إنساني بامتياز، يعكس قضايا اجتماعية وسياسية دون خطاب مباشر، ويعتمد على الشخصيات القوية والدراما العائلية العميقة لإيصال رسالته. بإخراج محكم وأداء استثنائي، يستحق الفيلم أن يكون من بين أفضل الأعمال الإيرانية الحديثة.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

هوبال.. المسير والمصير!

فيلم “هوبال” دراما سعودية أُنتجت عام 2024، من إخراج عبدالعزيز الشلاحي وتأليف مفرج المجفل. ويضم فريق العمل مجموعة من الممثلين البارزين والواعدين.

يتميّز فيلم “هوبال” بقصة عميقة تستعرض الصراع بين الإنسان والطبيعة، وكذلك الصراعات الداخلية للشخصيات. تدور أحداث الفيلم حول عائلة الجد “ليام”، الذي قرّر الانتقال إلى الصحراء ليعيش في عزلة مع أبنائه وأحفاده، سعيًا للهروب من ضوضاء المدينة وما يصفه بـ”ذنوب الحداثة”، والفكرة الشائعة باقتراب “أشراط الساعة” بعد الغزو العراقي للكويت في أغسطس ١٩٩٠.

يستخدم الفيلم هذا الإطار ليتناول مواضيع إنسانية واجتماعية تعكس تجربة البحث عن الطهارة والسكينة بعيدًا عن صخب العالم.
تبدأ قصة الفيلم حول القرار الغامض من الجد ليام بالابتعاد عن حياة المدينة، ويجبر عائلته على مرافقته إلى عمق الصحراء. وبينما يحاول الجميع التأقلم مع البيئة القاسية، تبدأ الخلافات بين أفراد الأسرة بالظهور. كل شخصية تحمل أعباءها وخلافاتها الداخلية، مما يضيف طبقات درامية معقدة. ومع مرور الوقت، يظهر أن الجد ليس مجرد رجل هارب من الواقع، بل هو شخص يبحث عن تكفير عن خطايا قديمة. ومن خلال بعض الحوارات والتلميحات، يكتشف المشاهد أن اختياره للعزلة له علاقة بحدث مأساوي من ماضيه، وهو ما يثير تساؤلات حول معنى الغفران والهروب من المسؤولية.

شخصيات الفيلم:
• الجد ليام: الشخصية المحورية، يمثل الحكمة الممزوجة بالعزلة. صراعه الداخلي بين ماضيه ورغبته في حياة نقية يجعل شخصيته عميقة وملهمة.
• سارة: زوجة الابن الأكبر، التي تمثل صوت العقل والواقعية في القصة. تعاني من صراع داخلي بين رغبتها في دعم العائلة وبين شكوكها حول قرار الجد.
• الأحفاد: يمثلون الجيل الجديد الذي يشعر بالضياع بين عالمين مختلفين: حياة المدينة المتحضرة وعزلة الصحراء القاسية. ويبرز هنا الحفيدان عسّاف وريفة، ولعل عسّاف يمثل الجيل الذي يتبع أثر الجيل السابق، بكل تناقضاته.
يمتاز الفيلم بالرمزية المكثفة التي تعكس صراعات إنسانية وجودية:
• الصحراء: تمثل العزلة والتنقية، لكنها أيضًا تعكس القسوة والخطر. الصحراء في الفيلم ليست مجرد مكان، بل هي شخصية بحد ذاتها، تختبر صبر العائلة وقوة روابطها.
• المدينة مقابل الصحراء: المدينة تمثل الحداثة والتكنولوجيا والذنب، بينما الصحراء ترمز إلى البساطة والطهارة، لكنها أيضًا مليئة بالمخاطر.
• الحيوانات البرية: تظهر في الفيلم كرموز للحرية والقوة، لكنها تعكس أيضًا التحديات التي تواجهها العائلة في التكيف مع الطبيعة، كما هي الجمال التي ينادونها ب (هوبال)، فهي تحمل قدرا من الطاعة والصبر على العطش، وربما الحقد على الواقع.
فيلم “هوبال” ليس مجرد دراما عائلية، بل هو عمل سينمائي يعكس قضايا إنسانية ووجودية، ويستحق أن يُشاهد بتأنٍ لفهم أبعاده الرمزية والفلسفية.

فريق العمل:
• إبراهيم الحساوي: قام بدور الجد “ليّام”، الشخصية المحورية التي تقود العائلة وتفرض عليها العزلة في الصحراء، وبقيت رمزية حتى في غيابها الغامض.
• مشعل المطيري: جسّد دور “شنار بن ليّام”، أحد أبناء الجد ليّام، يسير على خطى الأب ليّام في التشدد بالبقاء بالصحراء، مع جانب أناني انتهازي في قنص الفرص والمتع والذهاب للمدينة بحجة جلب الماء الذي يهرقه قبل أن ينفذ.
• ميلا الزهراني: لعبت دور “سرّا”، وهي شخصية الأم التي تهتم بأبنائها وتواجه تحديات الحياة في الصحراء.
• حمدي الفريدي: أدى دور “بتال بن ليّام”، أحد أفراد العائلة، شخصية تعيش واقعا مترددا بين الصحراء وطاعة الأب ليّام والمدينة حيث بنت مرزوق التي يهواها.
• دريعان الدريعان: قام بدور “سطّام بن ليّام”، أحد أبناء الجد ليّام، الذي ترك الصحراء،وذهب للمدينة ثم عاد طالبا الغفران قبل حلول نهاية العالم.
• عبدالرحمن عبدالله: جسّد شخصية “نهار بن ليّام”، أحد أفراد العائلة، الشخصية الغامضة والحمل الثقيل بما رمز إليه ارتدائه الفروة طوال الفيلم حتى لحظة ما.
• حمد فرحان: لعب دور “عسّاف”، الشاب الذي يسعى لإنقاذ ابنة عمه “ريفة” المصابة بالحصبة، ويمتلك قدرة على قص الأثر وأجوبة الأسئلة الصعبة.
• أمل سامي: أدت دور “ريفة”، ابنة العم المصابة بالحصبة، تمثل الحياة المثقلة والمحبوسة في الظل خوفا من الضوء بحجة المرض.
• فايز بن جريس: شارك في دور “ماجد” القصير.
• ريم فهد: لعبت دور “صيتة”.
• نورة الحميدي: جسّدت دور “الجدة نورة”، الشخصية الصلبة بعد الأب ليّام ومرشدة العائلة بعده.
• راوية أحمد: أدت دور “معتوقة”، الابنة التي احتضنتها وربتها نورة.
ويحسب للفيلم الكتابة العميقة لمفرح المجفل وتمكنه من لغة البيئة ومعتقداتها وأفكار شخصياتها. وما كان لهذه القصة أن تخرج لولا الرؤية البصرية المذهلة للمخرج عبدالعزيز الشلاحي في تقديم النص على مستويات اللقطات البانورامية، إلى جانب الموسيقى المؤثرة للفنانة سعاد بشناق التي تعتبر نصًا موازيا.

أخيرا .. يقدّم الفيلم تساؤلات فلسفية عميقة حول:
• هل يمكن للإنسان الهروب من ماضيه؟
• إلى أي مدى يمكن للعائلة أن تبقى متماسكة في وجه التحديات؟
• هل العزلة هي الحل لإيجاد السلام الداخلي، أم أنها هروب من الواقع؟

د. فهد توفيق الهندال