التصنيفات
مدونتي

  أزمة الخطاب الثقافي


لم تعد كثير من الفعاليات الثقافية اليوم تمثّل فعلًا معرفيًا أو ممارسة تنويرية فعلية في خطابها المفترض، بل انزلقت في حالات واسعة إلى ما يمكن تسميته لقاءات اجتماعية مغلّفة بشكل ثقافي، دون غاية محددة تتطلب نقاشا مفتوحا عميقا أو إضافة نوعية، لتتحول الفعالية من مساحة سؤال إلى مناسبة حضور، ومن مشروع وعي إلى طقس اجتماعي، وهو ما وصفه عبد الله العروي بدقة حين تحدث عن “الطقس الفارغ” الذي يحتفظ بالشكل ويفقد المعنى.

في هذا السياق، تغيب الثقافة بوصفها فعلًا نقديًا مستدامًا، وتحضر بوصفها حدثًا عابرًا لا يترك أثرًا معرفيًا يمكن البناء عليه. فيصبح الحضور  غاية بحد ذاته، لا وسيلة للاختلاف أو الحوار، ويتراجع النقاش الجاد لصالح المجاملات وتبادل الأدوار. وهو ما ينسجم تمامًا مع تشخيص بيير بورديو للمجال الثقافي حين قال: “حين تهيمن العلاقات الاجتماعية على الإنتاج الثقافي، تفقد الأفكار استقلالها”. عندها تتحول المنصات الثقافية إلى فضاءات علاقات عامة، لا مختبرات أفكار.

أما على مستوى المحتوى، فإن إعادة تدوير الحدث وعنوانه تكشف بوضوح غياب أي فهم  لتصور محدد للتنمية الثقافية المستدامة. فالعناوين قد تتبدل، بينما المضامين ثابتة، وكأن الثقافة تدور في حلقة مغلقة لا تراكم فيها ولا تطور.  فالتنمية المستدامة، في معناها الثقافي، تفترض تراكم المعرفة، وبناء الأجيال، وفتح مسارات جديدة للتفكير، لا الاكتفاء بإعادة تدوير حدث يملأ فراغ الروزنامة ثم يُنسى بانتهاء التصفيق.

وتتعمق الإشكالية حين تتحول هذه الفعالية إلى آلية لإعادة إنتاج نخبوية مقنّعة؛ إذ تُدار الفعاليات ضمن دوائر ضيقة، يُعاد فيها استدعاء الأسماء ذاتها، ويُقصى الصوت المختلف أو النقدي، في تناقض صريح مع مفهوم الاستدامة الذي يفترض ضخ دماء جديدة في الحقل الثقافي. وقد لخّص غرامشي هذه المعضلة بوضوح حين أشار إلى أن أي ثقافة لا تخلق مثقفيها الجدد محكوم عليها بالتكلّس. لينحصر ذلك في التعامل مع الفعالية بوصفها رقمًا في تقرير شهري أو سنوي، أو مادة إعلامية، أو صورة بروتوكولية، لا بوصفها حلقة ضمن مشروع ثقافي طويل الأمد. فالمؤشرات الكمية كعدد الحضور، التغطية الإعلامية، وكثافة الفعاليات، تطغى على المؤشرات النوعية. لنتساءل: ماذا ستضيف؟ وما الذي تغيّر؟ وما الأثر الذي سيبقى؟ هنا يغيب مفهوم التنمية المستدامة لصالح إدارة الحدث.
من هنا، فإن توصيف الفعاليات الثقافية المعاصرة بأنها مجرد  لقاءات اجتماعية ليس موقفًا عدائيًا من الثقافة، بل محاولة لتشخيص أزمة الثقافة العميقة، باستبدال المشروع بالحدث، والعمق بالصورة، والاستدامة باللحظة. وما لم يُعاد الاعتبار للفعالية الثقافية بوصفها مسؤولية معرفية ممتدة، لا مناسبة اجتماعية عابرة، ستظل الثقافة حاضرة في الشكل، مكررة الوجوه. غائبة في الجوهر، وعاجزة عن تحقيق أي معنى تفاعلي للتنمية المستدامة.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

ذاكرة الفقد وتحولات الروح: قراءة نقدية في فيلم Hamnet


يقدّم فيلم Hamnet تجربة سينمائية تأملية تتجاوز حدود السيرة التاريخية لتصبح دراسة إنسانية عميقة في معنى الفقد، والذنب، والتحول الداخلي الذي يعيد تشكيل حياة الإنسان بعد الخسارة. يستند الفيلم إلى رواية الكاتبة ماغي أوفاريل، التي شاركت في كتابة السيناريو إلى جانب المخرجة كلوي تشاو، وهو تعاون منح العمل تماسكًا واضحًا بين الرؤية الأدبية واللغة السينمائية.
ومنذ اللحظة الأولى يتضح أن الفيلم لا يسعى إلى رواية حدث تاريخي بقدر ما يسعى إلى استكشاف التجربة الإنسانية للحزن وكيف يتحول الألم، عبر الزمن، إلى ذاكرة قادرة على إعادة تشكيل الهوية.
الحوار: الذنب وإمكانية تجاوزه
تشكّل الحوارات في الفيلم البنية الفكرية الأساسية التي تدور حولها الدراما، إذ تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للإنسان أن يتجاوز الشعور بالذنب بعد الفقد؟
في أحد أهم المشاهد السردية يروي الزوج أسطورة أورفيوس ويوريديس، حين يسأل:
«هل تعرف قصة أورفيوس ويوريديس؟»
وتتحول هذه الحكاية إلى استعارة مركزية في الفيلم؛ فالالتفات إلى الخلف يرمز إلى عجز الإنسان عن ترك الماضي خلفه، وإلى الصراع بين الذاكرة والاستمرار في الحياة.
كما يعبّر الفيلم عن معنى الحب بوصفه فعل اختيار واعٍ يتجاوز الخوف حين تقول أغنيس:
«أراك… وأختارك.»
وهي عبارة تؤسس للعلاقة التي ستواجه لاحقًا تجربة الفقد الكبرى، وتحوّل الحب إلى قوة مقاومة للانكسار.
لحظة التضحية والفقد
في أحد أكثر الحوارات قسوة وتأثيرًا، يقرر الطفل التضحية بنفسه لإنقاذ أخته، قائلًا:
«هذه حياتي، أهبها لك… سأكون شجاعًا.»
تمثل هذه اللحظة نقطة التحول الدرامي الكبرى في الفيلم، حيث يتحول الحدث من قصة عائلية إلى تأمل وجودي في معنى الحياة والموت، وفي قدرة البراءة الإنسانية على مواجهة المصير بشجاعة.
الإخراج واللغة البصرية
تعتمد كلوي تشاو أسلوبًا بصريًا شاعريًا يجعل الطبيعة جزءًا من السرد الدرامي؛ فالغابة والضوء والهواء ليست مجرد خلفية، بل مرآة للحالات النفسية للشخصيات. اللقطات الطويلة والإيقاع البطيء يمنحان الفيلم طابعًا تأمليًا واضحًا، حيث يتحول الصمت إلى مساحة للتفكير بدل أن يكون فراغًا دراميًا.
هذا الخيار الإخراجي ينسجم مع موضوع الفيلم الذي لا يقوم على الحدث بقدر ما يقوم على التحول النفسي التدريجي للشخصيات.
أداء الممثلين: التعبير الداخلي بدل الانفعال
اعتمد الفيلم بدرجة كبيرة على الأداء التمثيلي الداخلي الهادئ، خصوصًا أداء جيسي باكلي الذي يُعدّ محور التجربة الشعورية للعمل، بينما يقدم بول ميسكال شخصية شكسبير بصورة إنسانية بعيدة عن الصورة الأسطورية التقليدية. في حين، يؤدي الطفل جاكوبي جوبي دور هامنت، الطفل الذي يحمل الفيلم اسمه، والذي يشكل موته نقطة التحول الدرامي الأساسية في السرد.
 
الموسيقى: الذاكرة السمعية للفقد
تلعب موسيقى ماكس ريختر دورًا محوريًا في تشكيل التجربة الشعورية، إذ لا تعمل كخلفية صوتية فقط، بل كلغة موازية تعبّر عما تعجز الشخصيات عن قوله. يبدأ الفيلم بصوت أوبرالي حزين يتداخل مع مشاهد الطبيعة، معلنًا منذ البداية أن الموسيقى ستكون عنصرًا بنيويًا في السرد.
الإيقاع الموسيقي الهادئ والمتكرر يخلق إحساسًا بامتداد الزمن النفسي للحزن، بينما يتداخل الصوت مع أصوات الطبيعة ليؤكد أن الفقد ليس حدثًا منفصلًا عن دورة الحياة، بل جزء من إيقاعها المستمر.
الفكرة والمغزى
لا يقدّم الفيلم الفقد بوصفه مأساة مغلقة، بل بوصفه تجربة قادرة على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل. فالشخصيات لا تتجاوز الألم بالنسيان، بل بإدماجه في ذاكرتها اليومية حتى يصبح جزءًا من هويتها. ويعكس أحد الحوارات المسرحية التي تشاهدها الأم لاحقًا هذا المعنى حين يقال:
«إن في داخلي ما يتجاوز كل مظهر؛ فهذه ليست سوى مظاهر الحزن وأثوابه.»
وهو تأكيد على أن الحزن الحقيقي يعيش داخل الإنسان أكثر مما يظهر في الخارج.
نجح Hamnet في تقديم عمل سينمائي تأملي يجمع بين النص الأدبي العميق، والإخراج الشاعري، والأداءات التمثيلية الدقيقة، والموسيقى التي تتحول إلى صوت الذاكرة. ومن خلال هذا التكامل الفني، يتحول الفيلم إلى تأمل إنساني في معنى الألم والشفاء، مؤكدًا أن الفقد، رغم قسوته، قد يكون اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان رحلته الحقيقية نحو فهم ذاته وإعادة اكتشاف معنى الحياة.

د. فهد توفيق الهندال
 

التصنيفات
مدونتي

جماليات الخاتمة في قصص (صوت الحشائش): مقاربة سردية وتداولية



تُعدّ الخاتمة في القصة القصيرة من أكثر مناطق النص كثافة دلالية، إذ تمثل اللحظة التي يُعاد فيها توزيع المعنى بين الكاتب والنص والقارئ. فإذا كان المنهج التداولي ينظر إلى اللغة بوصفها فعلًا وسلوكًا تواصليًا لا مجرد بنية شكلية مغلقة، فإن خاتمة القصة القصيرة تغدو فعلًا إنجازيًا مكتملًا، تُنجز من خلاله القصة مقصدها الدلالي الأخير وتُفَعِّل استجابة القارئ الانفعالية والتأويلية معًا (سيرل، 1969).
فليست النهاية، من هذا المنظور، نقطة توقف زمنية في السرد، بل لحظة تفاوض تداولي بين أطراف العملية التواصلية (المؤلف الضمني، النص، والمتلقي). وهذا ما يجعل القصة القصيرة الحديثة تميل إلى النهايات المفتوحة أو الإشكالية، لأنها أكثر قدرة على تفعيل دور القارئ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ له (ياوس، 1982).
ووفق هذا التصور، يمكن فهم الخاتمة باعتبارها خرقًا أو تأكيدًا لتوقعات القارئ، وهو ما يسميه التداوليون باللعب على “مبدأ التعاون” وقواعد التخاطب (غرايس، 1975). فحين تُفاجئ الخاتمة القارئ أو تصدمه، فهي تخرق أفق توقعه التداولي، وتجبره على إعادة بناء السياق الدلالي للنص كله.
في مجموعة (صوت الحشائش) للقاص فهد القعود والصادرة عن دار دريم بوك، تتجاوز الخاتمة وظيفتها التقليدية بوصفها نهاية للحبكة، لتتحول إلى جهاز جمالي وفلسفي يُنتج المعنى ويؤجّله في آن واحد. فالنهايات هنا لا تُغلق السرد، بل تفتحه على إمكانات تأويلية متعددة، مما يضع المجموعة ضمن أفق السرد الحداثي وما بعد الحداثي في القصة العربية المعاصرة.
وفق قراءتنا للمنهج التداولي لدى سيرل وأوستن وفان دايك وغيرهم، تتنوع أنماط الخاتمة في المجموعة، فمنها النهاية الميتاسردية Metafictional Ending ، الصادمة Shock Ending ، المفتوحة والدائرية Cyclical Ending ، الإيحائية الرمزية  Symbolic Ending، وهي أنماط لا تعمل على مستوى الحبكة فقط، بل تؤدي وظيفة معرفية في تفكيك يقين الواقع السردي، مع احتفاظها بوظيفة المتعة، أي الدهشة.
في قصة (أنا ملاك) تظهر خاتمة ميتاسردية حين يقول السارد: «ظهرت نافذة على شاشة الجهاز: هل تريد حفظ التغييرات في هذا الملف؟». وهي لحظة يكسر فيها النص وهم الواقعية ويعلن وعيه بذاته بوصفه نصًا مكتوبًا. تندرج هذه التقنية ضمن سرديات ما بعد الحداثة التي تسائل المرجعية الواقعية وتعيد طرح سؤال العلاقة بين الكاتب والنص والقارئ، ليصبح القارئ جزءًا من اللعبة السردية.
أما الخاتمة الصادمة فتتجلى بوضوح في قصة (الأدوار)، إذ تنتهي الأحداث بانفجار مدوٍّ «تتطاير الحجارة في كل اتجاه، تطبق الأدوار على بعضها، تتهاوى، تتساوى بالأرض. يتلاشى في الهواء ببطء، تاركاً خلفه ركاماً وصمتاً مطلقاً. لا شيء يُسمع… سوى الطنين، يذوب رويداً رويداً في هاتف أم محمود». لتتحول النهاية إلى لحظة كارثية تعيد تأويل النص بأكمله. وقد تلعب الصدمة جانبا تفكيكيّا أخلاقيّا للموقف، كما في قصة (الصيد)، إذ ينتهي السرد: «يداه ترتعشان ارتجافاً، فتشق دمعة طريقها في كفّه. حين سقطت، تخيل له أنها أصدرت صوتاً، ففضحته، حينها همس في نفسه كما لو كان يستنجد:
• لكن… هناك عِش».
هنا تعمل الصدمة بوصفها خرقًا لأفق التوقع القرائي، وتجبر القارئ على إعادة قراءة ما سبق من منظور جديد، وهو ما يتقاطع مع نظريات التلقي التي ترى في المفاجأة أداة لإعادة بناء المعنى.
  وفي مقابل ذلك، تعتمد بعض القصص نهايات مفتوحة ذات طابع وجودي، كما في (تركواز)، حيث تظل الحدود بين الواقع والهلوسة والهوية غير محسومة، ما يجعل القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة. إذ ينتهي السرد:
« لم أتعرف عليك في البداية!
هزّ كتفيه ثم ابتسم:
• شكراً.
استدار يهمّ بالمغادرة. لمح ناصر جوربه يبرز للحظة من تحت الدشداشة، لكنه لم يعلّق. يتابعه بصمت، وزخرفة التركواز تختفي شيئاً فشيئاً مع خطواته».
لا تقدّم هذه النهايات أجوبة جاهزة، بل تترك النص في حالة تعليق دلالي، وتؤكد أن القصة القصيرة الحديثة لم تعد تسعى إلى إغلاق المعنى بل إلى تعقيده، وإعادة النظر لكونه موقفًا رمزيا يثير تغيّر الهُوية.
  وتبرز الخاتمة الدائرية في قصص مثل (شال)، (الأرجوحة)، (راجو خان)، (هدية الله)، (يد يعرفها جيّدا)، و(ماين هيمات)، إذ يعود السرد إلى نقطة البداية، سواء الطفولة أو الأمومة أو الأبوة بوصفها مراكز للذاكرة والجرح الأولي. الزمن هنا ليس خطيًا بل نفسيًا دائريًا، يتكرر فيه الألم، الفقد والحنين، وهو ما يقارب مفهوم التكرار القهري في التحليل النفسي، حيث يعيد النص إنتاج صدمته الأولى بدل تجاوزها. فهي مراكز عاطفية وسردية معًا. وتبدو الهوية في حالة سيولة وتشظٍّ، تتأرجح بين الذات والظل، وبين الوجود والفناء، في انسجام مع تصورات ما بعد الإنسانية حول تفكك الذات الحديثة.
في حين تأتي النهاية الإيحائية الرمزية في قصة (أستاذ مروان)، إذ يتحول الموت فقدا مفزعا، وهزيمة الحياة أمامه. ليختم سرد القصة: «كان ما يكره مبارك أكثر من الفشل هو الموت». ويتكرر في قصة (إلى روح المامير)، أثناء تأبين مربية سابقة بعد سنوات طويلة، حيث الحوارات الداخلية المحمّلة بالشجن.
تتقاطع جماليات الخاتمة في (صوت الحشائش) مع ثيمات كبرى مثل الفقد والطفولة والهوية المتشظية. فالفقد يحضر بوصفه أفقًا وجوديًا يحكم الشخصيات، ليغدو الفقد لغة سردية تهيمن على الوعي النصي.
على المستوى الأسلوبي، تعتمد المجموعة على لغة إيحائية مكثفة واستبطان نفسي عميق، مع ميل واضح إلى تقليل الحوار الخارجي لصالح الصوت الداخلي. ويُحسب للنص جرأته في توظيف تقنيات تجريبية، خاصة الميتاسرد والصدمة السردية، غير أن بعض الرموز مثل الصمت والمرآة والظل تبدو قريبة من الاستهلاك النقدي، كما أن هيمنة السرد الذهني تقلل أحيانًا من المشهدية الدرامية.
في المحصلة، تكشف «صوت الحشائش» عن وعي سردي واعد يجعل الخاتمة فضاءً متاحا لتفكيك المعنى لا لإغلاقه. فالنهاية هنا ليست نقطة توقف، بل فعل تواصلي يعيد تشكيل العلاقة بين النص والقارئ والعالم. وبذلك تمثل المجموعة إسهامًا جماليًا ونقديًا معًا في تطور القصة القصيرة العربية، إذ تتحول الخاتمة من مجرد أداة سردية إلى أفق تأويلي مفتوح.


د. فهد توفيق الهندال




التصنيفات
مدونتي

الخطاب السياسي بوصفه فعلًا تداوليًا للشرعنة وإعادة التموضع.قراءة نقدية في خطاب مارك كارني – دافوس 2026


لا يمكن قراءة خطاب مارك كارني رئيس وزراء كندا  في دافوس بوصفه بيانًا سياسيًا ظرفيًا أو توصيفًا لأزمة النظام الدولي، بل ينبغي التعامل معه بوصفه فعلًا تداوليًا تأسيسيًا يسعى إلى إعادة تعريف الواقع السياسي، وحدود الممكن، ومعايير الشرعية. فالخطاب لا يجيب عن سؤال: ما الذي يحدث في العالم؟، بل يفرض سؤالًا أعمق: كيف ينبغي أن نفهم ما يحدث، ومن يملك حق هذا الفهم؟

من هذا المنظور، يعمل الخطاب بوصفه ممارسة سلطة لغوية، حيث لا تُعرَّف السياسة عبر القرارات فقط، بل عبر اللغة التي تسبقها وتُهيّئ لها، وهي التي يتجاهلها أغلب محلّلي السياسة وخطاباتها.  إذ يمثّل تحليل الخطاب عند ميشيل فوكو أحد أكثر التحولات الجذرية في الفكر الإنساني المعاصر، لأنه لا يتعامل مع الخطاب بوصفه أداة تعبير عن الواقع، بل بوصفه ممارسة تُنتج الواقع وتعيد تنظيم المعرفة والسلطة والذات في آنٍ واحد.

وتنبع أهمية هذا التحليل من كونه ينقلنا من سؤال ماذا يُقال؟ إلى سؤال أخطر: كيف يصبح ما يُقال ممكنًا، ومن يسمح به، وما الذي يُستبعد بسببه؟

افتتح كارني خطابه بإعلان صريح:

«اليوم، سأتحدث عن قطيعة في النظام العالمي، عن نهاية وهمٍ مريح وبداية واقعٍ قاسٍ».

لا تؤدي هذه الجملة وظيفة لغوية وصفية، بل وظيفة إنجازية؛ فهي لا تُثبت القطيعة بقدر ما تُعلنها وتفرضها كحقيقة لغوية صادمة  وسابقة على النقاش. إذن، نحن أمام انتقال من خطاب يشرح العالم إلى خطاب يعيد تسميته. وبمجرد إعادة التسمية، يصبح الاعتراض على السياسات اللاحقة اعتراضًا على الواقع ذاته، لا على تفسيره. فيعيد الخطاب تأطير النظام الدولي القائم على القواعد بوصفه وهمًا نافعًا لا حقيقة أخلاقية:
«كنا نعلم أن قصة هذا النظام لم تكن صادقة بالكامل. كان هذا الوهم مفيدًا».
هنا لا يُدان النظام لأنه فشل، بل لأنه كان قائمًا على تواطؤ صامت.  إذ يُنتجُ هذا الاعتراف أثرين متلازمين:

1.  نزع أي شرعية أخلاقية عن الدفاع عن الماضي.

2.  تحويل القطيعة إلى فعل صدق وشجاعة لا إلى خيار سياسي قابل للنقاش.

بهذا، لا يصبح الماضي موردًا للنقد فحسب، بل عبئًا لغويًا يجب التخلص منه.

ويبلغ خطاب كارني ذروة كثافته الحِجاجية عند استدعاء قصة البقال عند المسرحي والمنشق السياسي التشيكي فاتسلاف هافل، ورئيسها الأسبق:
«إن قوة النظام لا تأتي من صدقه، بل من استعداد الجميع للتصرّف كما لو كان صادقًا».
وهذا الاستدعاء ليس زخرفة ثقافية، بل آلية إدانة تنقل الامتثال السياسي من كونه حساب مصلحة إلى كونه فعل تواطؤ أخلاقي. وحين يقول كارني:
«لقد حان الوقت للشركات والدول أن تُنزل لافتاتها»
«نحن نُخرج اللافتة من النافذة»
فإنه لا يقدّم توصية، بل يُنجز انفصالًا رمزيًا عن خطاب سابق. فيحلّ الفعل اللغوي هنا محل القرار السياسي، ويمنحه شرعية أخلاقية مسبقة. ليعيد كارني صياغة مفهوم القوة حين يقول:
«القوة لم تعد قائمة على القواعد، بل على القدرة على تحمّل الضغوط»
«نحن لا نعتمد فقط على قوة قيمنا، بل على قيمة قوتنا».

بهذا، يُعادُ تعريف الواقعية السياسية بلغة ناعمة، تقنية–أخلاقية. فالقوة تُعرّف بوصفها:
قدرة على الصمود.
وإدارة للمخاطر.
وتقليلًا للهشاشة.
غير أن هذا التعريف يُخفي سؤال السلطة المركزي مفاده: من يحدد ماهية الخطر؟ ومن يملك حق إعلان أن مرحلة القيم قد انتهت أو يجب إعادة تكييفها؟
بمعنى أن يكون مفهوم الخطاب «الواقعية القائمة على القيم»، لأنه ينتج تركيبًا حِجاجيًا مزدوجًا يسمح له بأن يكون أخلاقيًا دون التزام مطلق. وعمليًا دون اعتراف صريح بالانتهازية.
بالمقارنة مع الخطابات العربية والشرقية المعاصرة، يظهر اختلاف جوهري في إدارة القلق السياسي. فالخطاب العربي غالبًا ما يؤجل الاعتراف، ويستثمر في الرمزية والتعبئة والتاريخ، بينما يقوم هذا الخطاب على الاعتراف بالانكسار وتحويله إلى مصدر شرعية، مع ترديد الماضي تاريخًا ومصيرًا مشاركًا.


يُغلق خطاب كارني أفق العودة بعبارة مكثفة جدَا:
«الحنين ليس استراتيجية».
بهذه الجملة، لا يُدان الماضي فقط، بل يُجرَّم التفكير فيه كبديل. وهكذا، لا يسأل الخطاب المتلقي إن كان يوافق أو يعارض، بل يضعه أمام اختبار لغوي–أخلاقي. فإما القبول بالإطار الجديد، أو البقاء في موقع “العيش داخل الكذبة”. وهنا تتجلى قوة الخطاب وحدوده معًا، فهو خطاب صريح، جريء، وفعّال تداوليًا، لكنه في الوقت ذاته يمارس أخطر أشكال السلطة السياسية: سلطة تعريف الواقع، وتحديد ما هو قابل للنقاش، وما يجب تجاوزه باسم الضرورة.
فالخطاب لا يُقدَّم بوصفه وصفًا للواقع بل بوصفه فعلًا لغويًا إنجازيًا  Speech  Act  ، يهدف إلى إعادة تعريف موقع العالم. نحن أمام خطاب تحويلي لا تقريري؛ أي أنه لا يشرح العالم كما هو، يسعى إلى إعادة تشكيل إدراك المتلقي لطبيعة النظام الدولي ولشرعية الأفعال القادمة. لكن لا يعني هذا  ليس بالضرورة فضيلة أخلاقية، بل أداة تداولية فعّالة لإعادة احتكار تعريف الواقع وحدود التفكير فيه.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

أين الجمهور؟!



هذا السؤال أطلقه أحد ضيوف معرض الكتاب في إحدى دوراته السابقة، عندما تفاجأ بخلو القاعة إلا من بضعة أشخاص، وعشرات الكراسي الشاغرة، وكأن سؤاله جاء نتيجة صدمة وهو الأديب الذي له العشرات من الإصدارات والصيت الشائع بين الأوساط الأدبية والثقافية. فلم يخطر بباله أن يخصص وقتا للموافقة على ضيافته وتقديم محاضرة، فيفاجأ بخلو القاعة!
تكرر هذا السؤال في ندوات مشابهة وإلى اليوم، إذ لا تكمن أزمة الفعاليات الثقافية في ضعف التنظيم أو قلة الدعم، بل في سؤال أكثر جوهرية: لمن تُقام هذه الفعاليات؟

فالمتلقي، بوصفه الغاية الأولى لأي فعل ثقافي، غالبًا ما يُستبعد من عملية التخطيط، ويُستبدل به تصوّر ملتبس ليس موجها لنخبة معرفية ولا لجمهور جماهيري. وبين هذا الالتباس، تفقد الفعاليات قدرتها على الإِثارة، ويتحول الحضور إلى مجرد امتلاء جدول الفعاليات، ليصبح طقسَا شكليَا بلا أثر.
ليس المتلقي الثقافي المعاصر صفحة بيضاء، ولا مستهلكًا سلبيًا. إنه قارئ ومشاهد ومتابع، يقارن بين ما يُقدَّم له في قاعة ثقافية وبين محتوى مفتوح ومتجدد على المنصات الرقمية. لذلك لم يعد يمنح وقته لفعاليات تعيد إنتاج الخطاب نفسه، أو تتكئ على أسماء متكررة بوصفها ضمانًا للحضور. حين يرى المتلقي الوجوه ذاتها، والعناوين ذاتها، يدرك أن التجربة متوقعة، فينسحب قبل أن تبدأ.
عند متابعة التجارب العالمية الناجحة، على سبيل المثال لا للحصر، Hay Festival  الذي تأسس عام 1988 في ويلز  وهو مهرجان عالمي للأدب والفنون، يربط القراء والكتاب في فعاليات إبداعية. أوEdinburgh  International Festival الذي تاسس عام 1947 وهو احتفال سنوي رائد للفنون الأدائية، نجد أن هذه الفعاليات لا تراهن على الأسماء وحدها، بل على تنويع الأصوات، وربط القضايا الثقافية بأسئلة راهنة، وتقديم المحتوى بصيغ حوارية وسردية تشرك المتلقي في صناعة المعنى. كذلك فعلت مؤسسات معنية بالمتاحف والمعارض مثلTate Modern  في لندن ، حين حولت زيارة المتحف من فعل مشاهدة صامتة إلى تجربة تفاعلية، تُخاطب الفضول قبل المعرفة المتخصصة.
في المقابل، تعاني كثير من الفعاليات الثقافية العربية من منطق الاستهلاك الذاتي. تتكرر الوجوه نفسها، وتُستعاد العناوين الكبرى من قبيل “الهوية” و“التحولات الثقافية”، بينما يظل المحتوى عامًا ومجردًا، لا يضيف جديدًا ولا يفي بوعد العنوان. هذا الانفصال بين العنوان والمضمون يُنتج خيبة صامتة، ويقوض ثقة المتلقي في الخطاب الثقافي ذاته.
ولا تقل خطورة إقصاء المتلقي داخل الفعالية نفسها، حين يُختزل في دور المستمع الصامت. فالثقافة التي تُلقَى من منصة مرتفعة، بلا مساحة حقيقية للنقاش، تعيد إنتاج علاقة عمودية تجاوزها الزمن. دون أدنى إدراك بأن الانطلاق من سؤال المتلقي لا من مكانة المتحدث هو مفتاح الاستدامة الثقافية!
لذلك، انتبهت بعض الفعاليات الثقافية العربية مؤخرَا لأهمية بناء علاقة مستمرة مع المتلقي، عبر احترام ثقافته، وإشراكه في الحوار، بادرت لتنوع قنوات الثقافة ودمج الأدب بالفنون والسرد الشفهي والحوار المفتوح، واستضافة أصوات جديدة تكسر الرتابة.

فإعادة الاعتبار للمتلقي تعني إعادة تعريف الفعالية الثقافية بوصفها تجربة لا مناسبة، وحوارًا لا محاضرة. فالمتلقي ليس فئة تُستدعى في اللحظة الأخيرة، بل هو نقطة البداية. وحين يُبنى المحتوى انطلاقًا من أسئلته وقلقه المعرفي، وحين تكون العناوين منتجة للثقافة لا استهلاكية، تستعيد الفعاليات الثقافية قدرتها على الإِثارة، وتتحول من أحداث عابرة إلى فضاءات حية للمعنى.


د. فهد توفيق الهندال

Tate modern

Hay festival

التصنيفات
مدونتي

التلقي كفعل معرفي: فضاءات القارئ ضد سلطة النجومية



تعدّ نظرية الفضاءات الذهنية (Mental Spaces Theory) التي بلورها جيل فوكونييه Gilles Fauconnier  إحدى أبرز المقاربات المعرفية في تحليل اللغة والخطاب. تنطلق هذه النظرية من أن العقل البشري لا يتعامل مع المعنى تعاملًا مباشرًا، بل يُنشئ أثناء القراءة أو التواصل مجموعة من “الفضاءات” المؤقتة التي تتفاعل فيما بينها لتكوين الدلالة. فالفضاء الذهني ليس مجرد صورة ذهنية، بل بنية معرفية نشطة تتكوّن من العلاقات، والتمثيلات، والنماذج الثقافية، والخبرات السابقة التي تتفاعل داخل ذهن المتلقي. وبهذا يصبح الفهم عملية بناء مستمر، وليست استرجاعًا لمعنى جاهز في النص أو الواقع. من هنا، تُعدّ القراءة وفق هذه النظرية فعلًا توليديًا يتداخل فيه النص مع أنساق الثقافة ومع التجربة الذاتية للقارئ، بحيث تتحول عملية التلقي إلى بناء دلالي دينامي لا ينفصل عن البنية المعرفية للشخص.

في ضوء هذا الإطار، يصبح اختيار القارئ لكاتبه المفضل حدثًا معرفيًا مركّبًا، لا تحكمه المعايير الظاهرية أو الحراك الجماهيري، بل تحدده طبيعة الفضاءات التي يتيحها النص وقدرته على الاشتباك مع فضاءات القارئ وإعادة تشكيلها.
ويتجلّى تأثير نظرية الفضاءات الذهنية في فهم آليات اختيار القارئ لكاتبه المفضل من خلال وعيٍ بنائي يعتمد على التفاعل المتعدد الطبقات بين النص والبنية الإدراكية للقارئ. فالقارئ لا يقارب الكاتب بوصفه كيانًا واقعيًا ذا حدود واضحة، بل يصنع عبر القراءة “كاتبًا ذهنيًا” يتشكّل من جملة الأساليب، والصوت السردي، ونظام القيم الذي يستنبطه من النص. هذه الصورة الذهنية هي نتاج تفاعل فضاءات متعددة، فضاء للنص، فضاء للذات، فضاء للخبرة الثقافية، فضاء للذاكرة، وفضاء للتوقعات. وعندما يحدث تداخل بين هذه الفضاءات بطريقة تمنح القارئ إمكانات تأويلية مفتوحة، يتقدّم الكاتب ليغدو “مفضّلًا.

تبرز هذه العملية جليًا في علاقة القرّاء العرب بعالم نجيب محفوظ، حيث يتشكل فضاء قارئه من بنية ثقافية متخيلة للحارة المصرية، ومن طبقات اجتماعية ونفسية تتداخل مع خبراته الذاتية. فشخصيات مثل سعيد مهران أو كمال عبد الجواد لا تُقرأ بوصفها محض بناءات تخييلية، بل تتحول إلى وسائط معرفية يدخل من خلالها القارئ إلى فضاءات أسئلته ومشكلاته وتمثّلاته للعالم. وهو ما يفسّر استمرار محفوظ في إنتاج قرّاء جدد حتى بعد عقود من كتابته.

ويمكن تطبيق المنطق نفسه على تلقي أعمال الكاتب الروسي دوستويفسكي، إذ لا يتم اختياره ككاتب مفضل بسبب مكانته الكلاسيكية أو حضوره الطاغي في المقررات الأكاديمية، بل بسبب شدّة كثافة فضاءاته النفسية والأخلاقية التي يجد القارئ ذاته فيها. فـ”راسكولينكوف” ليس شخصية تُقرأ، بل تُعاش داخل الفضاء الأخلاقي للقارئ، حيث تتفاعل أسئلة الذنب، والعقاب، والضمير، والسلطة مع منظومة القيم الذاتية الداخلية، ما يجعل التلقي فعل حضور وجودي لا مجرد متعة سردية.

ومن جهة أخرى، يبرز “فخ النجومية” بوصفه آلية تُعطّل الفضاءات الذهنية الحقيقية وتحلّ محلّها فضاءات دعائية مُنتجة خارج النص. فالقارئ قد ينجذب إلى كاتبٍ ما لأنّه “ظاهرة” تسويقية، لا لأن نصّه قادر على بناء فضاءات معرفية جديدة. وتظهر هذه الظاهرة في السياق العربي في بعض الروايات ذات الرواج التجاري السريع التي تُبنى شهرتها على تسويق اجتماعي لا على كفاءة سردية؛ إذ يجد القارئ نفسه أمام نصوص ذات فضاءات مغلقة لا تتيح سوى استهلاك مباشر. وينسحب الأمر على الأدب العالمي عبر نماذج مثل دان براون أو باولو كويلو اللذين يُستقبلان عبر هالة جماهيرية قد تطغى على قيمة نصوصهما، على خلاف كتّاب مثل ألبير كامو أو ساراماغو الذين، رغم أدنى حضور إعلامي، يقدّمون فضاءات معرفية شديدة العمق تسمح للقارئ بخلق طبقات دلالية متجددة ترتبط بمسائل الوجود والمعنى والعقل.

إن اختيار الكاتب المفضل بعيدًا عن هذا الفخ لا يتحقق إلا عندما تُبنى علاقة تأويلية بين النص وفضاءات الإدراك، أي عندما يتحول النص إلى بنية محفّزة للوعي، تولد فضاءات من الممازجة بين الذات والآخر، قد تتخذ من الزمن والوعي مادّتَين لإنتاج فضاءات تأملية مفتوحة، مؤسّسةً بذلك علاقة تتجاوز سطح السرد إلى بنية ذهنية دائمة التفاعل.
تُبرز نظرية الفضاءات الذهنية أن اختيار الكاتب المفضل هو فعل تأويلي يتجاوز حدود الذائقة السطحية ليغدو حدثًا معرفيًا يتأسس على تفاعل مستمر بين النص والبنية الإدراكية للقارئ. فالكاتب العظيم ليس هو الذي يهيمن على المجال الإعلامي، بل هو الذي ينجح في إنشاء فضاءات ذهنية قادرة على التجدّد داخل القارئ، وتوسيع أطر فهمه، ومنحه أدوات جديدة لإعادة إنتاج العالم. وفي المقابل، يكشف فخ النجومية عن هشاشة الاختيار القائم على الضجيج، لأنه لا يتيح للقارئ سوى فضاءات مستعارة. إن القيمة الحقيقية للنص الأدبي لا تُقاس بما يحققه من انتشار، بل بما يحدثه من تحوّل داخلي في الذهن؛ فالأدب الذي يُقرأ ليُبنى لا ليُستهلك هو وحده القادر على البقاء في الذاكرة الثقافية، وعلى تشكيل كاتب مفضّل لا يُراد لقيمته أن تُستمد من شهرة عابرة، بل من فعله المعرفي العميق.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

كيف وصلوا؟ “فن حضور الأديب أمام نصّه”

لاحظت في معرض الكتاب هذا العام، حضور عدد من الكتّاب بشكل يومي إلى مقر دور نشر كتبهم، في سبيل التحاور مع القراء حول أفكارهم في اصداراتهم. وهنا، قد يعتقد رأي أن وظيفة الكاتب الكتابة فقط وليس التسويق لكتبه، ويعتقد الرأي الآخر أن ذلك ليس نقصا من مكانته ولا خروجا عن دوره ككاتب، بل استكمالا لوجوده ودعما لكتبه.

قديما، يُعدّ الجاحظ واحدًا من أوائل الأدباء الذين فهموا أن النصّ وحده لا يكفي، وأن الكاتب لا بدّ أن يعرّف الناس بمشروعه الفكري. فلم يكتفِ الجاحظ بتأليف كتبه، بل كان يسعى لنشر أفكاره بشتى الوسائل المتاحة في عصره. فكتب الرسائل، وناظر، وجلس في الأسواق، وقدّم كتبه للوجهاء والأمراء، بل شرح لماذا كتب هذا وذاك، وما الهدف منه، وكيف ينبغي للقارئ أن يتلقاه. كان واعيًا بأن الأدب يحتاج إلى حضور صاحبه. من أشهر الأمثلة أنه كتب مقدّمات طويلة لعدد من كتبه يبرّر فيها اختياراته ويعرض رؤيته ويخاطب القارئ مباشرة، وكأنه يقول:
“أنا هنا لأقدّم أدبي، ولأكون مقدمته الأولى.”

وقد ساهم هذا الأسلوب في انتشار كتبه في أرجاء العالم الإسلامي، حتى قيل إن كتبه كانت تُنقل على ظهور الجمال من بغداد إلى مصر والأندلس.

وقبل الجاحظ بقرون، أدرك النابغة الذبياني أن الشعر يحتاج إلى صوت صاحبه. إذ كان يدخل سوق عكاظ ويقرأ شعره بنفسه، يتحدّث عنه أمام القبائل، ويشرح معانيه ويدافع عن قصائده.
لم يكن شاعرًا صامتًا، بل كان واجهة شعره، واعيًا بأن القصيدة تكتمل حين يسمع الناس صاحبها ويعرفون ملامحه وقصته.
ولهذا صار اسمه رمزًا للفصاحة، تتناقله الأجيال.

وفي تجارب كبار الكتّاب بعد قرون ما يؤكد هذه الحقيقة.
فشارلز ديكنز رائد “الجولات القرائية”، كان يسافر لقراءة فصول من كتبه أمام الجمهور، وبيعت بفضله طبعات هائلة من رواياته.
واستفاد جورج برنادشو من المسرح والصحافة ليشيع أفكاره، ويجعل كتبه جزءًا من الجدل العام، مما زاد انتشارها.
عربيا، نجد جبران خليل جبران الذي روّج لأعماله عبر المحاضرات في بوسطن ونيويورك، ومن خلال “الرابطة القلمية”. كان يكتب رسائل مفتوحة ويشارك القراء مراحل كتابة.

 ولم يكتف عميد الأدب العربي طه حسين بالكتابة، بل قدّم نفسه محاضرًا ومحاورًا وناقدًا، فلم يعتمد على نصوصه وحدها، بل استخدم الصحافة، والمحاضرات، والبرامج الإذاعية لينشر أفكاره. كان يتحدث عن كتبه قبل صدورها وبعدها، ويشرح رؤيته ويناظر، فصار اسمه مرادفًا للنهضة وأدبها.

ونجيب محفوظ، رغم هدوئه وطبعه المتحفظ، ظل حاضرًا حين يستدعي الأمر، يمهّد لأعماله بالحوار والتفسير ويتيح للقارئ فرصة الاقتراب من عالمه السردي.

وفي الخليج، نجد غازي القصيبي نموذجًا للأديب الذي حمل مشروعه بوضوح، وكتب عنه، وتحدّث بشأنه، وخلق سياقًا يعرّف القراء بما يريد قوله قبل أن يقولوه هم عنه.

كذلك أمين معلوف الذي يدرك دائمًا أن الكتاب حين يُطلق إلى العالم يحتاج إلى ضوء مرافق يوضّح مساره ويهيّئ قارئه.

ولا يختلف المشهد عالميًا. فعلى الرغم من ندرة ظهور هاروكي موراكامي، إلا أنه حين يصدر عملًا جديدًا يتحدث عنه بعمق، ويكتب يومياته عن الكتابة، ويهيئ جمهوره للدخول إلى عالمه. بينما جعل باولو كويلو من التواصل الإجتماعي جسرًا يصل به إلى قرّائه ومعجبيه. هؤلاء لم يكونوا مؤثرين، بل كانوا أصواتًا واقعيّة لمشاريع ملموسة.
إذن، لم يعد بالإمكان اليوم أن يكتفي الكاتب بالانعزال والاكتفاء برمي نصّه في البحر منتظرًا قارئًا يصله صدفة. فالعلاقة بين الأدب وجمهوره تغيّرت؛ فالنصّ مهما كان راسخًا وعميقًا يحتاج إلى من يقدّمه ويهديه إلى الناس.  والدعوة هنا إلى أن يكون الأديب واجهة مشروعه لا تعني أن يتحول إلى “بلوغر” أو “إنفلونسر”، بل أن يعي أن مشروعه الإبداعي يحتاج إلى حضور يليق به وأن صوت الكاتب هو الامتداد الطبيعي لصوت النص.
هذه التجارب ليست ترفًا بل ضرورة. ففي عالم يزدحم بالأصوات والاهتمامات، يصعب على النصّ أن يعلن عن نفسه وحده. والكاتب الذي يتوارى خلف العزلة يترك نصوصه وحيدة في زحامٍ لا يرحم. ليس المطلوب أن يبحث عن الشهرة، ولا أن يركض خلف “الترند”، بل أن يمنح مشروعه الحد الأدنى من الحضور الذي يسمح للقارئ برؤية ما يكتبه حقًا. فالقارئ يريد أن يشعر بأن هناك إنسانًا يقف خلف النص، صاحب رؤية وملامح وتجربة، لا مجرد كتابٍ صامت على رفّ بارد.
إن الكاتب الذي لا يقدّم نفسه يترك الباب مواربًا، ويعرض مشروعه لأن يضيع بين الأعمال المتراكمة. والكتابة اليوم ليست مجرد نصّ، بل مشروع حياة يحتاج إلى حضور صاحبه. ولعل أجمل ما في الأمر أن هذا الحضور لا يتطلب ضجيجًا، بل يكفيه أن يكون صادقًا، متوازنًا، متسقًا مع روح النصّ.
وهكذا يصبح الأديب واجهة أدبه ليس لأنه يسعى إلى الضوء فحسب وهذا حقّه، بل لأن العمل الجيد يستحق من يحمله إلى الضوء. فالنصّ الذي لا يجد من يعرف الناس به، كثيرًا ما يظل مختبئًا في الظل ولو كان عظيمًا. ويبقى الكاتب، في نهاية الأمر، هو الجسر الذي تعبر عبره كتبه إلى قلوب القراء.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

في غابة السؤال: قراءة في صحوة الأقدمين

في كتابه (6 نزهات في غابة السرد)،
يستعير أمبرتو آيكو، الروائيّ والسيميائيّ الإيطاليّ، صورة الغابة لوصف فعل القراءة، بوصفه رحلةً معقّدة تعبر طبقاتٍ متشابكة من العلامات والدلالات. فالغابة عند آيكو ليست فضاءً للمشي فقط، بل مجازٌ للتيه المنتج؛ ذلك التيه الذي لا يفقدنا الطريق بقدر ما يفتح أمامنا دروبًا جديدة، ويسائل يقيننا عمّا نعرفه، وكيف نعرفه، ولماذا نعرفه.
هكذا استرجعت غابة ايكو في قراءتي لرواية (صحوة الأقدمين) للكاتب حسين علي غلوم.
ربما ما شدّني للرواية ما صرّح به كاتبها قبل نشرها بالحرف:
“الآن الرواية جاهزة للطباعة، ولكن ربما بسبب ما تحتويه عملية كتابتها من انفتاح على اللغة وما ورائها، مع استمرار صناعة النشر في العالم العربي في جموده وعدم إنصافه للكاتب، لا يمكن لهذا النص بكل ما ضخ به من طاقة تأويلية أن يكون أسيرًا للجمود وخادمًا لعملية لا تنصف الكاتب، وهذا الأمر بالإضافة للموقف المبدئي ضد الظلم جعلني أرفض عرضًا لنشره مع دار نشر كويتية، كان ممثلها غاية في الاحترام إلا أنني لم أستطع أن أنتزع منه أي كلمة تدل على الرغبة في التغيير الحقيقي لواقع النشر غير المنصف.”
فقد أثار لدي الفضول أكثر من الرواية ذاتها، مما جعلني في هوس كبير لاقتنائها وقراءتها، فطلبتها من موقع سديم، الذي خصصه الكاتب لبيعها. وهنا ثمة سؤال يفرض ذاته:
هل يمكن أن يخوض الكاتب غمار مغامرة بجهود ذاتية مستقلة، معتمدا على ذائقة المتلقي لا بروباجاندا وتسويق دور النشر، لا سيما الكبيرة، حفاظا على منتجه وأصالة إبداعه دون وصاية؟
هل سيكون النشر المستقل ملاذ الكتّاب في عالم بات النشر فيه تجاريا بحتا ووفق احتياج السوق؟
كان علي أن أدخل عالم الرواية، لأبحث عن اجاباتي.
الرواية أو بالأحرى النوفيلا، لايمكن هضمها بسهولة برغم قصر عالمها الضمني، واقتصارها على مستويين سرديين، كان سليمان فيها متلفظا في مستواه السردي الأول في داخل الكراسة، ومسرود عنه في مستواه السردي الثاني فيما تناقلت الأخبار عن سر اختفاءه، والتعريف المتأخر قصدًا بشخصية سليمان، واعترافات أو بوح عبدالعزيز عن ابن خالته سليمان، وإن لم تكن مجزأة فصليا.
تسرد الرواية الغموض الذي لفّ حول كراسة وجدها السارد الأول غير المسمى لكوننا داخل النص، سواء كان المؤلف أو غيره، برغم المكان الذي شخّصه بأسمائها مواقعه. فهذه الكراسة  مخطوط يوميات شخصية، تبحث عن تاريخ خاص بها بين تاريخ الطبري وغيره من المؤرخين. ليتتبع السرد فصوله بتلفظ صاحب الكرّاس مع تدوين السارد لمداخلاته في الهامش، ويمضي الكراس متلفّظا بأسماء شخصياته، الواقعية والغرائبية باحثا نحو حقيقة وحيدة ثابتة، نافية للريبة والشك:
” لا أعلم ما الذي يجعل البعض أو يدفعهم نحو العبث مع الثابت الوحيد في هذا العالم؟ الحقيقة الوحيدة في بحر الريبة. اليقين الأوحد. الموت.” !
ليتابع السارد توكيل المخطوط بتلفظ صاحبه (سليمان) بحثا حول حقيقة ذلك، وما ارتبط به من الغيبيات والغرائبيات، وخليط فلسفي روحاني ميثولوجي، مستعينا على معرفة عميقة في موروث أسطوري وأسماءه (آزاثوث)، (كثولو) وغيرهما، ما يدل على قراءات شتى عميقة في هذه العلوم ومجالاتها.
تحمل الرواية النوفيلا سؤالا حول ماهية الوجود، وما يمكن أن يستدل على أسبابه، مكوناته، أسراره، عجائبه ورعب اكتشافاته. فالحقيقة قد تكون صادمة، لكنها المبرر الضائع حول تفسير ما يحدث حولنا، لأصل نزاعات الإنسان بعدالخلق الأول.
من أراد قراءة (صحوة الأقدمين) للكاتب حسين علي غلوم، عليه أن يتابعه أولا، للتعرف على أفكاره المُتعبة في جريها المستمر نحو سر ميلاد الإنسان، فكريا، جسديا، أسطوريا، عقائديا، فربما ثمة خيوط تشترك، تتعاقد، تتشابك، تكوّن عقدتها المستحيلة على حلها دون التمهيد.
لقد أثبت حسين علي غلوم، عبر هذا العمل، أن النشر المستقل ليس مجرد خيار ضد مؤسسةٍ متكلّسة، بل موقف إبداعي يعيد للكاتب حريته، وللنص صوته، وللقارئ دوره في صناعة المعنى. وهنا تتجلى أهميته ليس بصفته نُوفيلا غامضة فحسب، بل بوصفه إعلانًا عن إمكانية أخرى للكتابة، أكثر توترًا وصدقًا، وأقرب إلى روح المغامرة التي فقدها كثير من الأدب الحديث.
لهذا لا تمنح الرواية إجابات مكتملة، لأنها ليست معنية بإغلاق الباب، بل بفتحه على مصراعَي الأسئلة الكبرى التي تُرعب الإنسان وتفتنه، حول الخلق، الوجود، الموت، والبحث الدائم عن ذلك الخيط الخفي الذي يشدّنا إلى أصلٍ لا نعرفه ولا نكفّ عن الحنين إليه.
لذلك.شخصيا، كنت اقرأ عشر صفحات وأعيد قراءتها ثانية، وربما ثالثة لكي استطيع الوقوف على أرضية مشتركة مع النص وكاتبه.
فليست صحوة الأقدمين روايةً تُقرأ بطمأنينة، ولا نصًا يسمح للمتلقي بالانزلاق فوق سطحه دون مقاومة. إنها عمل يتطلّب عبورًا حقيقيًا في «غابة السرد»، كما أراد آيكو—غابة لا تكشف دروبها إلا لمن يقبل المشي فيها بلا توقعات جاهزة، ويمنحها سعة الشك والصبر، ويستسلم لندائها الداخلي. فالنص، بقدر ما يقدّم حكاية، يزرع أسئلة، ويُربك الحدود بين المدوّن والنص، بين التاريخ والميثولوجيا، بين الكائن الباحث والمجهول الذي يبحث فينا.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

وجوه صاحبة الجلالة

بدأت قبل مدّة بقراءة رواية «سبعة» للأديب الراحل غازي القصيبي، فشدّتني منذ الصفحات الأولى بسردها الهادئ الذي يُخفي وراءها اضطرابًا إنسانيًا عميقًا. في رواية القصيبي، تتقاطع سبعة وجوه بين الخطايا والأوهام، لكن الوجه الذي ظلّ راسخًا طويلاً كان وجه الصحافي مسعود أسعد.
إذ يمشي مسعود في دهاليز المهنة كمن يسير في متاهة من المرايا، يرى في كل انعكاس ملامحه تتبدّل. فلم يقدّمه القصيبي كخائن للمهنة، بل ككائن يُهزم ببطء، كمن يكتشف أن الكلمة قد تُشترى في الطريق قبل أن تصل إلى الورق. يظهر التردّد في لغته مثل نَفَسٍ متقطّع بين جملٍ طويلةٍ مثقلةٍ بالضمير. فليس مسعود أسعد مجرد رئيس تحرير صحفي، بل هو ضمير يتعلّم الخيانة على مهل، فيتحول صوته من نبرة البحث عن الحقيقة إلى البحث عن الفضيحة، كما لو أنه فقد صلته الأولى بالنار التي أوقدته.
أثناء قراءة الرواية، تذكرت مشاهدتي  لفيلم The Post كنموذج آخر لمهنة المتاعب، إذ لم يصوّر ستيفن سبيلبرغ غرفة التحرير كمكانٍ عادي، بل كخيمةٍ عسكريةٍ يخوض فيها الصحافيون حربًا بوسائل الورق والحبر. الضوء هنا بطلٌ موازٍ؛ يتسرّب من النوافذ على الوجوه المتوترة كأنه يُنقّب عن الحقيقة في العتمة.
فكاثرين غراهام، التي أدّت دورها ميريل ستريب، ليست ناشرة فحسب، بل امرأة تواجه عالم الرجال لا بالسلاح بل بالكلمة، امرأةٌ تتعلّم في منتصف العمر أن الشجاعة قد تأتي متأخرة لكنها تأتي مكتملة. خلفها مجلس إدارة من الرجال يتصارعون بين فكرة النشر كوسيلة ربح، أو الابتعاد عن أي خسارة محتملة بسبب النشر أيضا. ولعل شخصية بن برادلي التي أدى دورها توم هانكس في حماسها لنشر أكاذيب الحكومة الأمريكية حول حرب فيتنام، هي أقرب من مسعود أسعد في السعي نحو المجد الشخصي لا المهني.
مقابل شخصيتي مسعود أسعد و بن برادلي، استدعيت من ذاكرتي شخصية محفوظ عجب في رواية «دموع صاحبة الجلالة» للكاتب موسى صبري، فمحفوظ هنا  ليس فارسًا يطارد الحقيقة، بل صيّادًا يترصّد ثقة الآخرين به، بحثا عن القمة والسلطة، متسلقًا مستغلًا كل فرص ذلك حتى لو كلفه ذلك خيانة ثقة آمال صدقي، زميلته الأقرب، من ساعدته في بداية مشواره، من أظهر لها الحب وأضمر مصلحته وراء ذلك.
ليقف على حافة الأضواء أو الهامش، ولا يعرف أيّهما يخصّه أكثر. فهو الوجه الذي خسر المعنى حين صار للمعنى ثمن.
بين تلك الوجوه، يقف مسعود أسعد في المسافة البينية. فلا مثالية The Post السينمائية، ولا واقعية دموع صاحبة الجلالة الدرامية. هو مجرّد إنسانٍ يحاول أن يكتب بمهنية في زمنٍ يبيعها بالعناوين. ففيه طموح  كاثرين غراهام حين تكتشف أن الكلمة قد تكلّف إمبراطورية، وفيه أنانية بن برادلي،  وقسوة محفوظ عجب حين يكتشف أن الصعود لعرش صاحبة الجلالة أكثر ربحًا وأغلى من دموعها.
جاءت شخصية مسعود أسعد مكتوبة بلغةٍ تقترب من لغة اعتراف جمعي، إذ يذوب الحوار في التأمل، وتمشي الجملة على نصل الحقيقة. ليجعل منها القصيبي صوتًا داخليًا للرواية، كأنّ كل الشخصيات الأخرى وجوها له أو احتمالاتٌ لنجاته.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

“تأصيل” السرد التاريخي لدعم الوجود الفلسطيني


في حوار مسجّل ومصوّر بين المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد وبعض السيدات الفلسطينيات، وسؤاله لهن: ” هل يجب أن يحبّنا الغرب؟” فردت احداهن بكل عفوية: “ولماذا لا يحبّونا مثل ما يحبوا الاسرائليين ويدعموهم لقتلنا”!

من فجر الصراع العربي الصهيوني، لم تكن المعركة حول فلسطين عسكرية أو سياسية فحسب، بل وأصبحت اليوم معركة مصير سرديات قديمة وأخرى جديدة، في من يملك الحق في رواية التاريخ؟ ومن يملك سلطة تعريف الأرض والهوية؟

لقد استخدمت الحركة الصهيونية منذ بداياتها خطابًا تاريخيًا وأثريًا لتبرير «حق مزعوم» في الأرض، معتمدة على إعادة تفسير النصوص الدينية، والبحث الأثري الانتقائي، وصناعة صورة الفلسطيني بوصفه غائبًا أو عابرًا. هذه ليست أخطاء عابرة، بل بروباغندا معرفية ممنهجة.
ويمكن العودة لكتاب (اختلاق اسرائيل القديمة واسكات التاريخ الفلسطيني) للايرلندي كيث وايتلام. للوقوف على الاساطير القديمة والسياسات الحديثة التي دعمت ذلك الاختلاق.
لكن المفارقة أن كشف هذا «الاختلاق» لا يجب أن يقود إلى بروباغندا مضادة، بل يمكن توظيفه بشكل علمي وأخلاقي لبناء رواية فلسطينية راسخة وموثوقة.

كيف ذلك؟

يمكن ذلك بتحويل النقد إلى أدلة في الكتب والدراسات التي تكشف التلاعب بالتاريخ (مثل كتاب اختلاق إسرائيل القديمة) تقدّم مادة ثمينة. بدل الاكتفاء بالاحتجاج بها، يمكن تلخيصها بلغة مبسطة، ترجمتها وتعميمها، وهو ما استفادت منه الأجيال الجديدة في استعمالها في،وسائل التأثير الاجتماعي العالمية، واستخدامها في المحافل الحقوقية والإعلامي. مما أثّر في وعي شعوب العالم، التي،بدورها دفعت حكوماتها للاعتراف بالدولة الفلسطينية وحق شعبها بالحياة والسيادة والاستقلال.
إن إعادة سرد التاريخ من الداخل ليس كافياً لتفنيد سرد الآخر، بل يجب تقديم سرد فلسطيني أصيل، كشهادات أهل الأرض، الوثائق العائلية، الأسماء، الحكايات، الذاكرة الشعبية، الأدب، العمارة و كل ذلك يثبت استمرارية الوجود الحضاري، وبلغات العالم المختلفة.

كذلك، ربط الأدلة بالوجدان، لكون العالم لا يقتنع بالأرقام فقط، بل بالقصص، وهو ما استفادت منه القضية الفلسطينية أثناء حرب الابادة الحالية، بأن تمتزج الحقائق التاريخية بلغة إنسانية وفنية، مثل: (أفلام، روايات، معارض، وثائقيات) تُظهر فلسطين كحياة نابضة، ومصير شعب، لا كملف سياسي جامد.
مع مخاطبة العالم بلغته، من خلال استخدام مصطلحات مثل حقيقة الاستعمار الاستيطاني وابادته المستمرة بمحو الأجيال وذاكرتها، وتسييس الآثار الانسانية. ولعل هذا يضع القضية في إطار حقوقي عالمي مفهوم، ويُخرجها من خطاب الصراع الديني أو القومي الضيق.
وتحويل المسار من الدفاع إلى المبادرة، بدل الرد الدائم على رواية الآخر، يمكن امتلاك زمام المبادرة، بنشر دراسات، إطلاق مشاريع أرشيفية، تنظيم معارض، تقديم ملفات قانونية، أي الانتقال من موقع “الضحية” إلى موقع “المنتج للمعرفة”.

إن كشف اختلاق إسرائيل للسرد التاريخي ليس غاية بحد ذاته، بل فرصة لبناء خطاب فلسطيني وقومي أكثر فاعلية يجمع بين الدليل العلمي والرمزية الثقافية والشرعية القانونية.
فالقوة الحقيقية لا تأتي من فضح الكذب فقط، بل من بناء حقيقة واضحة، موثقة، وجذّابة إنسانياً.
هذا هو مسار التأثير العميق. وهذا ما يصنع الذاكرة التي  لا تُمحى أبداً.


د. فهد توفيق الهندال

عودة

هروب