التصنيفات
مدونتي

أمنا الأرض

أيهما يشكل قدر الآخر .. الإنسان أم الأرض ؟

في رائعته المذهلة ( الحرام )، طرح الأديب الراحل يوسف إدريس قضية الأرض من خلال ” الترحيلة ” وقد انتشرت في زمن الاقطاعيات الزراعية في مصر، حيث يُستأجر الفلاحون من قراهم البعيدة للعمل في أراضي غيرهم في قرى أخرى، ولم تكن عزيزة تلك المرأة التي حملت سفاحا بعد الاعتداء عليها، سوى قدرا لمن تلده الأرض الغريبة بعدما نفتها أرضها الأم العاجزة عن احتضانها وتبنيها، برغم أنها ضحية الجرم الذي وقع عليها، وقد تكون متواطئة لصمتها لحظة الضعف، وهي التي هجرها زوجها بسبب مرض عضال أصابه ، فكان لها أن تدفع ثمن الخطيئة بكل الأحوال في نهاية الأمر بعدما خنقت وليدها في أرض غريبة كانت خصبة للحياة والموت، وهنا المفارقة ! 

في تشابك آخر، نجد قصة الفيلم الهندي ” أمنا الهند ” للمخرج محبوب خان الذي أخرجه سنة 1957 ، حيث تدور قصته حول امرأة تتزوج من رجل فلاح ميسور الحال، يملك أرضا خصبة، يتراجع حصاده مع مرور السنوات بعدما بذل كل ماله في خدمة قريته وأهلها، ليصبح بعدها واحدا من محتاجيها. فيقررالعمل مع زوجته في أرضه لوحده، حتى يتعرض حادث قطع ذراعيه  بسبب صخرة كبيرة اعترضت همته وحلمه في استصلاح أرضه واسترجاع وضعه السابق، لتدمر بعدها الفيضانات منزلهما، فيهجر البيت مخلفا زوجة وولدين. فتصبح الأم ربة البيت بكل همومه وأحلامه، وتعيش حياة صعبة يتقاسمها معها ولداها وقد انقسما خلقا ومنطقا في الحياة. ومثلما كانت الأم الأرض الخصبة لهما، كانت المثوى الأخير للابن الضال، الذي وجد في الشر حقا وظنا مبررا في سلب ما يريد وممن يريد.  

في حين، تأتي القصة الثالثة ( الأرض ) للكاتب عبدالرحمن الشرقاوي وقدمها للسينما يوسف شاهين، و تدور أحداثها في إحدى القرى المصريةعام 1933 عندما يفاجأ أهلها بقرار حكومي بتقليل نوبة الري إلى 5 أيام بدلا من 10 أيام، وهو مالا يتسع للجميع، فيبلغ العمدة الفلاحين أن نوبة الري أصبحت مناصفة مع أراضي الاقطاعي محمود بيك الذي يستغل الموقف وينصحهم بجمع موافقتهم لمخاطبة السلطات  للتراجع عن قرار تقليل حصص الري ، ليخدعهم ويستغل جهلهم في ابصامهم على كتاب لا يعلمون مضمونه، لينشـأ طريق لسرايته من خلال أرضهـم الزراعيـة ، الأمر الذي استلزم ثورة من الفلاحين يقودهم محمد أبو سويلم، وهو الثائر القديم زمن ثورة عرابي ، فترسل الحكومة قوات الهجانة لتبسط قبضتها ، ويتم انتزاع الأراضي منهم بالقوة ، ليسحل أبو سويلم عبر أرضه وهو يحاول التشبث بجذورها لينتهي الفيلم بهذا المشهد الرمزي . وكأن قدر البشر ، هي العقدة الأكثر تعقيدا وغموضا في كشف علاقتهم مع الأرض . 

هكذا اذن، علاقة هذا الإنسان مع الأرض، مغتربا، ثابتا، فهو معذب فيها في كلا الحالتين، فلا الأم الأرض تحنو على وليدها المغترب، بل تحاسبه على ماضيه أينما كان، ولا هي منصفة لمن بقى وصمد ضد الريح العاتية واصفرار الزمن المر. فاليباب ليس بالأرض وحدها، بل بها وبانسانها:

لا ماء هنا…لا شئ سوى الصخر

صخر ولا ماء والطريق الرمليّ

الطريق الذي يتلوى عاليا بين الجبال،

جبال من صخر ولا ماء

لوكان ثمة ماء لتوقفنا وشربنا

بين الصخور لا أحد يسطيع توقفاً أو تفكيرا

جاف هو العرق والأقدام في الرمل

لوكان ثمة ماء بين الصخور

فم جبل هامد ذو أسنان نخرة

لايمكنه البصاق

هنا، المرء لا يسطيع أن يقف

أو يتمدد أو يجلس 

ليس ثمة حتى صمت في الجبال

بل رعد جاف عقيم بلا مطر

ليس ثمة حتى عزلة في الجبال

بل وجوه حمراء منتفخة، ناخرة مزمجرة

من أبواب منازل طينية متصدعة

 لو كان ثمة ماء!

من قصيدة الأرض اليباب لإليوت ترجمة فاضل السلطاني

والعاقبة لمن يعقل ويتدبر

فهد توفيق الهندال

 

التصنيفات
مدونتي

سرد الترند

هناك من يردد أن الفن هو انعكاس للمجتمع وأنه يفضح أمراضه وعوراته!
وهنا أتساءل ما هو المقياس الفعلي للفن والفنان؟
هل هو بعدد الأعمال التي قدمها الشخص القائم بدور الفنان؟
هل بعدد الجوائز التي حصل عليها وإن كان بعضها غير ذات قيمة فنية؟
هل يرتبط ذلك بحجم جماهيرية هذا الفنان، شأنه في ذلك شأن بقية المشاهير من نجوم السوشيال ميديا؟
نفس هذه الأسئلة أطرحها بخصوص المثقف المبدع، روائيا، قاصا، شاعرا أو مسرحيا؟
تختلف الإجابة من فرد لآخر بحسب الوعي الخاص به، ولكن ما قد لا يكون حاضرا، هي تلك الاجابة المرتبطة بالأثر الدائم لهذا الفن في النفس البشرية، وتعود إليه كل ما أردت اشعال قنديل وعيك أمام طريقك. فالفن شعلة الأسئلة الدائمة التي لا تقبل الإجابات القطعية أو النهائية، الفن هو أن تغلق مسامعك عن العالم حولك وتستمتع بما تسمع ويتغلغل إلى روحك فيهذبها أجمل مما كانت عليه. الفن أن يجمع ما فرقته السياسة، وما نفته النظرية من جمال الفن ودهشته.
والروائي شأنه شأن كاتب الدراما الموسمية، قد لا يعبر عن وعي جديد، وإنما قد يكون نتيجة أوعية سرود سابقة مختزنة في ذاكرته تمت إعادة تدويرها في شكل سردي جديد، لذلك لا غرابة لفقدان الذات لوحدتها الموضوعية ومسؤوليتها في عملية القول، وفقدت عمقها في مصدرية وجهات النظر.
وهذا يفسّر وجود أعمال مكتوبة بشكل أقرب لدراما الترند، في البحث عن ضجة ما، قد تلقي حجرا في مياه راكدة بسبب مشهد تافه أو كتابة ركيكة، ويدخل المجتمع في تطاحن وتلاسن في وسائل التواصل الاجتماعي بسبب تراكمات ماضوية وليس اسقاطات سياسية كما يعتقد كتّابها وتبريرهم غير المنطقي ولا واقعي حيال ذلك!
فهو ذات الجمهور الذي ينتفض باسم العيب الاجتماعي على مشهد من مسلسل خلعت فيه الممثلة ملابسها الداخلية بشكل ايحائي وليس مباشرا لتقيس وزنها، متناسين أنهم قد يفعلون ذلك في نفس الموقف، هو ذات الجمهور الذي قد ينتفض حول مشهد سردي حول دخول الفتاة لسن المراهقة وما تتطلبه من عناية صحية خاصة ليست بخافية على المجتمع الذي يشاهد دعايات وسائل تلك العناية يوميا على شاشات الفضائيات بين المسلسلات !
ليست الصورة التي تثيرنا ولا الخيال الممكن عنها، ولكنه الوهم المتضخم بالعيب الاجتماعي، وأيضا توهمنا أن الكتابة تعكس كل الواقع دون تخييل فني، أو معالجة درامية مفترضة. وهذا ما يسقط في براثنه الجمهور والكاتب معا.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الرواية التفاعلية وأثرها على الرواية الواقعية

 يكاد يقترب جيرار جينيت من فكرة التفاعل ضمن إطار المناص التأليفي الخاص بالمؤلف الذي حدده بقوله: ” هو تلك المنطقة المترددة بين الداخل والخارج، المصاحبة لنصها، والعاضدة له شرحا وتفسيرا، فالمناص نص ولكن نص يوازي نصه الأصلي، محققا بذلك نصيته من خلال ميثاقه (التخييلي) مع الكاتب، ومحققا كذلك مناصيته بمعاقدته (طباعيا) مع الناشر، فالمناصية هي ما تجعل من النص كتابا يقترح نفسه (بمصاحباته: النص المحيط، والنص الفوقي)، على قرائه خاصة، وجمهوره المستهدف عامة. ” 

هذا يحيلنا بالأساس إلى مصطلح جيرار جينيت Paratext، الذي تُرجم إلى المناص أو العتبات أو النص الموازي.  

 فالمناص عند يقطين بأنها تلك “البنية النصية التي تشترك وبنية نصية أصلية في مقام وسياق معينين، وتجاورها محافظة على بنيتها كاملة ومستقلة، وهذه البنية النصية قد تكون شعرا أو نثرا، وقد تنتمي إلى خطابات عديدة، كما أنها قد تأتي هامشا أو تعليقا على مقطع سردي، أو حوار وما شابه”.

وبتعبير سابق لـ(بورخيس) البهو الذي يسمح لكل منا دخوله أو الرجوع منه”.

وهو ما قد يعني، أهمية الدور التواصلي الذي قد تلعبه البنية في توجيه القراءة.

 إضافة إلى Paratext هناك مصطلح جينيت الآخر Epitexte، أي النص الفوقي أو النص الموازي الخارجي، وهو “يكتب بمنأى عن النص، وإن كان جزءا من رؤية كاتبه، ومتصل بعوامله اتصالا وثيقا” . 

 فهذا النوع يتعلق بكل ما له صلة بالكتاب من الخارج، كنقده، وتقديم، قراءة فيه، اللقاءات مع الكاتب، الحوارات، المناقشات، ندوات، تعليقات، مراسلات، مشاركات. وهو بطبيعة الحال، متأخر زمنيا عن الكتاب، أي النص الأساس أو المتن، لأن الكتاب هنا وسيلته النشر الطباعي/الورقي/الخطي. ومع كل نقاط التلاقي، مع النص والكاتب، إلا أن العلاقة هنا بين تبقى منحصرة ضمن تفاعل غير مباشرة. ولأهمية دور التفاعل المباشرعند بعض الكتاب، وبعد ثورة المعلومات، أصبحت هناك حاجة ماسة لتنوع الوسائل والوسائط للسرد، لاسيما وأن السرد متعدد الوسائط كما ذكر جيرالد برنس بأن دانتو و غريماس و تودوروف قرروا أن السرد يجب أن يتضمن موضوعا متصلا ويشكل كلا متكاملا، والوسائط (الميديا) السردية للعرض متنوعة ( شفهية ومكتوبة ولغة من السيميائيات وصور متحركة أو ثابتة وإيماءات وموسيقى أو اية توليفة منتظمة منهم). 

وهذا يتصل بمصطلح آخر، Narrative medium  الوسط السردي، وهو بتعريف برنس: ” مادة المستوى التعبيري للسرد، ففي السرد المكتوب مثلا الوسيط هو اللغة المكتوبة، وفي السرد الشفهي فإن الوسيط هو اللغة الشفهية”. ما يعني أنه يمكن أضافة أنواع جديدة، وسط الصورة كما في الرويات المصورة (الكوميكس) ووسط الصوت (الكتاب الصوتي). 

إذن لدينا منظومة سردية يمكن أن تكون متكاملة، وتحقق خطابا روائيا جديدا يعتمد على جميع أطراف العلاقة، لأعود ثانية إلى يقطين وما يمكن أن يتجلى عن السرد: 

” يتحدد الحكي (السرد ) بالنسبة لي كتجل خطابي ، سواء كان هذا الخطاب يوظف اللغة أو غيرها. ويتشكل هذا التجلي الخطابي من توالي أحداث مترابطة، تحكمها علاقات متداخلة بين مختلف مكوناتها وعناصرها. وبما أن الحكي بهذا التحديد متعدد الوسائط التي عبرها يتجلى كخطاب أمام متلقيه، نفترض – على غرار ما ذهب إليه بارت – أنه يمكن أن يقدم بواسطة اللغة أو الحركة أو الصورة المنفـردة أو مجتمعة بحسب نوعية الخطاب الحكائي ”  . 

بهذا لم تكن التكنولوجيا، لوحدها سببا في تأسيس مفهوم الترابط النصيالذي يتصل بمفهوم التفاعل النصي سواء مطبوعا أو الكترونيا، وإنما أيضالتقديم رؤية مختلفة عن العالم، والاندماج معه، والخروج عن أي وصاية على النص، ليس بعد انتاجه، بل قبله وأثناءه، فكانت الحاجة لنص آخر، أكثر انتاحية وفعالية من قبل المتلقي.

فهل تحتاج الرواية العربية الجديدة لذلك؟

ذكر شكري عزيز الماضي في كتابه ( أنماط الرواية العربية الجديدة ) أنه من البداهة القول، إن الرواية الجديدة ، تعبير فني عن حدة الأزمات المصيرية التي تواجه الإنسان، تسعى لتأسيس ذائقة جديدة أو وعي جمالي جديد، مستندة إلى جماليات التفكك تماهياً مع تشظى الأبنية المجتمعية، وفقدان الإنسان وحدته مع ذاته.

كما يشير إلى أن الرواية الجديدة لا تمتلك لغة واحدة ، بل نلحظ أحياناً تمرداً على اللغة وتراكيبها المألوفة وقواعدها، ثم إن الشكـل في الرواية الجديدة ليس قالباً جاهزاً يلقى على التجربة  فيحتويها ، بل شكل ينمو من خلال التجربة ويخضع لمتطلباتها ، بمعنى أن الشكل تجريبي يخلقه كل من المؤلف والقارئ ، ولذلك فالتصميم المتناثر للرواية الجديدة ينطوي في داخله على دوائر دلالية جزئية تمكن القارئ من استخلاص الدلالة الكلية للرواية وأهدافها من خلال علاقتها بحركة الواقع/ العالم. 

ففي عالم بات مفتوحا على الآخر، ومتجاوزا كل حدود السلطة والرقابة، بات المبدع العربي يجد نفسها مضطرا إلى أهمية انفتاح النص والتشابك مع حرية اختيار الآخر لتلقي النص، في تحديث تقنيات الكتابة والخطاب، وتنوع الوسيلة والوسط. فوجد الفرصة متاحة في أن يمارس حريته النصية وتحرره من سلطة الرقيب والنشر، فاتجه الكاتب والمتلقي معا إلى عوالم جديدة، فبمحاذاة النص الروائي، باتت هناك بنية روائية جديدة تتطلب وعيا بأهمية النص المترابط أو التشعبي hypertext ، والفنيات المرتبطة به، حيث تحول العمل الروائي بكل تقنياته الكتابية مع تقنيات جديدة بصرية، صوتية، وغيرها إلى روابط نصية. 

وقد عرفت اللغة العربية النص المتشعب أو المتفرع في شرح المتون والحواشي المتفرعة وحاشية الحاشية، ولا يبدو النص المتشعب فقط في المتون والحواشي وأسلوب الاستطراد بل يبدو تشعب النص في المقالات المعروفة للقارئ والناقد. كما أن فكرة التفاعل متحققة فعلا في تعليقات القراء ومداخلاتهم على النصوص المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي. كما يذكر الدكتور بسيوني : “أن النص التشعبي سبق الأجهزة الحاسوبية وشبكة المعلومات عندما اقترحه فانيفار بوش عام 1945 بفكرة توفير المعلومات الجماعية والمرنة في نظام يسمح للمستخدم بتنظيم طريقة معلومات ذات طبيعة مختلفة، بمعنى أنه تنظيم من قبل فكرة القارئ بخيال أكثر حرية واقل تقييدا في القراءة.”

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، إذا كانت الرواية عملا منشورا، وقرر الكاتب إعادة إنتاجها عبر تجريب الرواية التفاعلية، هل يمكن أن نسميها بعد ذلك تفاعلية؟

كذلك، إذا كان الرواية بالأصل تفاعلية، وتحولت للنشر الطباعي، هل فقدت تفاعليتها؟

ثمة أسئلة تحتاج مرانا كبيرا واطلاعا واسعا على مزاجية وانتقائية المتلقي، لأنه في الحالتين سلطة لا مناص منها و إليها.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

كأس العالم ببشت خليجي

على مدى شهر تقريبا، قضى العالم وقتا ممتعا وحماسيا مع الساحرة المستديرة، في مهرجان رياضي دولي عبّر عن حاجة البشر إلى فسحة قصيرة لالتقاط أنفاسه وايقاف الزمن لبُرهة، لينسوا فيها الصراعات ووجوهها المختلفة، ونذر الحرب النووية، ليعيش متنفسا جميلا متمثلا بلعبة كرة القدم التي أطلق عليه الفيلسوف الايطالي غرامشي (مملكة الوفاء البشري التي تمارس في الهواء الطلق).

ما يشدك في مشهد افتتاح البطولة الدولية التي أقيمت في الدوحة، هو ذلك الحوار المُدهش بين الممثل العالمي مورجان فريمان والشاب القطري المعجزة غانم المفتاح الذي افتتح الحوار بقوله تعالى:” يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكم”.

فيقول مورغان: “أرى الآن أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا.. كيف يمكن أن نديم التوافق أكثر وأكثر”. فأجابه الشاب القطري: “بالتسامح والاحترام يمكن أن نحيا معاً تحت سقف واحد”.

وهذا ما عملت عليه دولة قطر من بداية استعدادها لتنظيم بطولة كأس العالم، وكيف يمكن أن تنسجم البطولة الدولية مع طبيعة وعادات أهل البلد والمنطقة في تحدٍ كبير لكل ما سبق من مظاهر واحتفالات الدورات السابقة للبطولة في أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا.

فبالتسامح والاحترام فرضت قطر هيبة هُويتها وثقافتها العربية والإسلامية، فلا يعلو أي اعتبار على هُويتها وخصوصيتها، سواء ما تجسّد في حفل الافتتاح أو أثناء الدورة وصولا إلى حفل الختام حيث حرصت على حضور الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي مرتديا الكوفية الفلسطينية وملقيا كلمة تعبر عن أهمية حق الشعوب في السلام والوجود.

ولأن قطر آمنت بأهمية اعتزاز الإنسان العربي بمبادئه وهويته، جعلها ذلك عرضة لهجوم كثير من الصحافة والأقلام الغربية محاولة تقليل أهمية البطولة الحالية أو مصادرة فرص نجاحها. فكان الرد الحاسم على أرض الواقع بالتنظيم المتفوق على مستوى عالمي غير مسبوق بإشراف قطري محترف جدا، ليكون مبعث فخر كبير لأبناء الخليج. وهو ما اكتمل رمزيا في نهاية تتويج المنتخب الأرجنتيني بإلباس اللاعب العالمي ليونيل ميسي البشت الخليجي كدلالة على نجاح البطولة على أرض الخليج، وردا على كل من شكك بقدرة قطر على تنظيم البطولة، ورسالة بأن دول الخليج العربية ليست فقط منتجة للنفط، بل صارت مركزا للثقافة والفن والرياضة على مستوى العالم أجمع.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

في اليوم العالمي للفلسفة

يحتفل العالم بيوم 19 نوفمبر بالفلسفة، لكونها محركة العقل البشري والحوار الحضاري بين الأمم. ويمكن اختصار الفلسفة بأنها حبُّ الحكمة، أي التوازن في التفكير والاعتدال في التعامل مع وجهات الرأي المختلفة وبعد النظر في رسم المستقبل.

وللفلسفة مجالات كثيرة، وتفرعت منها علوم شتى، لهذا عندما يصل طالب العلم إلى درجة الدكتوراه PHD فهو حاز درجة الدكتوراه في فلسفة المجال العلمي الذي تخصص به. ولكن العبرة في الاستمرار بالبحث العلمي و التحليل الفكري لقضايا البشرية، عبر بحوث ودراسات واصدارات تكون شاهدة على الإرث الفلسفي له.

ومع ذلك، ليست الفلسفة حكرا على باحثي ودارسي كليات وأقسام الفلسفة، وإنما هي مشاعة لكل من تخصص في مجاله وقدّم نظريات حديثة وساهم في تعديل مسار تحليل الفكر العلمي مما له دور في تنمية الوعي المجتمعي.

فالفيلسوف إنسان مبدع بطبعه، فهناك الفيلسوف الشاعر، الروائي، المسرحي، الفنان، الناقد.

أخيرا.. حول فكرة الفلسفة أعجبني ما قاله امبرتو ايكو عن سبب غزارة انتاجه، فرد قائلا:

“أعطاني إياها أحد أساتذتي عندما كُنت فتياً. إذ قال لي يوماً: يجب أن تعرف يا أُمبرتو أننا نولد وفي رأسنا فكرة واحدة، وأننا نعيش كل حياتنا ساعين وراء تلك الفكرة بالذات. أذكر أني أعتقدتُ يومذاك أن أستاذي هذا في غاية الرجعية لإلغائه كل احتمالات التغيير لدى الإنسان. لكني إذا رحتُ أنضج، اكتشفتُ أنه على حق، وأني طوال حياتي لم أسع إلا وراء فكرة واحدة فقط لا غير: المشكلة هي أني لم أعرف بعد ما هي تلك الفكرة! لكني متفائل وآمل في اكتشافها قبل موتي.”

إذن الفلسفة هي بحث عن فكرة واحدة تشغل عقلنا منذ ولادتنا، وقد لا نجدها، دون أن نتحول لظاهرة صوتية تجتر من الفلسفة اسمها المجرد فقط. ولعل هذا كان سبب سخط جان جاك روسو من كثير ممن انتسبوا للفلسفة أو احتسبوا عليها بقوله: “امتلأ الفكر الفلسفي بترهات يخجل منها المرء إذا نزع عنها زينتها الكلامية”!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

صناعة التفاهة -١

في مستهل الموسم الحادي عشر للملتقى الثقافي المنعقد في بيت الأديب طالب الرفاعي، أقيمت جلسة مناقشة كتاب (نظام التفاهة) للمفكر الفرنسي آلان دونو، بحضور مترجمة الكتاب أستاذة القانون في جامعة الكويت الدكتورة مشاعل الهاجري. بدأت الجلسة بورقة للدكتور حامد الحمود كمراجعة سريعة للكتاب، وضع من خلالها جملة ملاحظات على الكاتب والكتاب، ثم فتح باب النقاش لحضور الملتقى. وفي خضم هذه الجلسة المهمة، كانت جملة من الأفكار تدور في ذهني سبق لي أن أثرتها في حوارات عدة، حول نظام التفاهة كواقع جديد مفروض على المجتمعات البشرية في زمن هو أقرب لحرب نووية محتملة نتيجة صراع الأقطاب في العالم، ولعل تسيّد التفاهة بدأ مع ارهاصات ما بعد الحداثة، حيث تمت إسالة الكثير من القيم والمنظومات والمصطلحات الحداثية في بوتقة لشكل العصرية الجديدة الداعية في مجمل أطروحاتها للقطيعة مع التاريخ الفكري للإنسان و النظم الأخلاقية المؤسسة للمجتمع الإنساني و الدخول في صراعات الهويات الصغرى. ما يحدث اليوم من التسليع الاستهلاكي للزمن، هو بداية طريق نحو انهيار شكل العالم والعيش الإنساني كما يذكر زيجمونت باومان في (الحداثة السائلة) ضمن سلسلة السيولة.
إن ما نشهده في عالمنا اليوم هو صناعة الاستهلاك التي تعتمد على صناعة التفاهة في تذويب كل منصات التفكير الناقد و تقليص مساحة تداول الخطاب العقلاني في العلاقات القائمة على الفعل البشري، فباتت المادية هاجس وغاية الغالبية من الناس للحياة في ظل الشكليات والمظاهر على سطح وجودهم، وهو ما ساهم في تسطيح الكثير من الوسائل، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي التي بدأت تقود الرأي والذائقة العاميين إلى المزيد من التشتت الفكري والنفسي والاجتماعي، على المستوى الفردي والجماعي. لذلك، بدا اليوم الحديث عن التفاهة بأنها شكل من أشكال النظام الجديد، وخطاب بديل عن الثقافة المُنتجة.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

المجلس الأعلى للثقافة

تناقلت بعض الأخبار المحلية نية مجلس الوزراء برئاسة سمو الشيخ أحمد النواف الصباح بانهاء مراسيم عدد من الهيئات والمجالس العليا، لاعادة تقويم مسارها واعداد خطط و رؤى جديدة للوطن على كافة المستويات، بما يتواءم مع رؤية الكويت 2035 والتي تحتاج مزيدا من التقييم والتصويب لما اعتراها من قصور في المرحلة السابقة. من ضمن هذه الهيئات المزمع اعادة تشكيلها، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، والذي يتطلب وجوه جديدة وشابة من أبناء الكويت من الأدباء والفنانين من ذوي الانجاز والمشاريع الثقافية التي أثبتت حضورها على المستوى المحلي والعربي.

إن ما تمر به الكويت اليوم هو مرحلة عنق الزجاجة، إما تستعيد ريادتها الثقافية في المنطقة، وإما تبقى في ركب متأخر عن الدول التي سبقتنا بأشواط عديدة في تنويع وخدمة الثقافة والمثقفين من خلال مشاريع جديدة ورؤى متطورة وضعتهم في مقدمة الدول الراعية والحاضنة لابداعات ومشاريع المبدعين والمثقفين. نحن لا نتحدث عن دعم مادي بحت، بقدر ما نتحدث عن دعم معنوي يتمثل باتاحة الفرص وتطويع مباني الدولة الثقافية لهم والمشاركة في صنع القرارات والرؤى الثقافية المستقبلية، عبر تنوع المجالات الثقافية، والأخذ بالاعتبار بمنجزهم الثقافي وخبرتهم في المشاركة الجادة في المحافل الثقافية داخل الكويت وخارجها، وأن ينتموا لجيل قادم يستحق اتاحة المجال له في عضوية المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، والمجلس الأعلى للتخطيط، والمجلس الأعلى للتعليم، لكون هذه المجالس هي المشكّلة لمستقبل الإنسان في الكويت.

إن قرار مجلس الوزراء باعادة النظر باستراتيجية رؤية الكويت 2035 وتصويب ما قد اعتراها من قصور وتأخير دليل جدية الحكومة الجديدة في اصلاح الكثير من القضايا العالقة، ومنها القضية الثقافية التي لا تقل أهمية في رسم معالم وملامح مستقبل التنمية الثقافية كرأس مفكّر لخطة التنمية العامة وليس تكملة عدد. فلا تنمية من دون وجود افكار جديدة ومشاريع شبابية تقود المشهد الثقافي نحو التميّز و الفرادة، وليس اعادة الريادة فقط. فاليوم تحتاج الثقافة لهندسة معينة تحولها لمنتج وصناعة وسياحة، وهذا يتطلب الكثير من العقول النابضة بالقدرة على التأسيس الحديث والتفكير الناقد و الباني والمتحمّس والجاد.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الغباء يصنع نجومية أيضا!

 

في كتابه الفريد من نوعه ( العامل الحاسم ) يطرح إريك دورتشميد مجموعة من المواقف واللحظات التي لعب فيها الغباء والصدفة – معا أوأحدهما – دورا في تغيير مجرى التاريخ. منها على سبيل المثال، إصرار نابليون بونابرت على خوض معركة واترلو التاريخية وهو مصاب بالاسهال ، الأمر الذي بلا شك أثر على مجريات المعركة لصالح أعداءه . الجميل في الكتاب أنه يعقد علاقة وثيقة بين الصدفة والغباء ، ولا يعني بالضرورة ذكاء الطرف الثاني بقدر ما هو استغلاله لموقف الأول الذي لا يحسد عليه ، وكلاهما ما كانا ليلتقيا بالحظ لولا عامل الصدفة بينهما . لهذا كان عاملا حاسما مغيرا لوجه الواقع والتاريخ معا . فربما جمعت الصدفة الإسهال العـرضي الذي أصاب نابليـون في ليلة المعركة التاريخية مع أعدائه ، لكن ليس بالضرورة أنه أغبى منهم أو هم أذكى منه، مع أن لنابليون مقولة شهيرة “في السياسة ، الغباء ليس عائقا” !

ولا تختلف ساحة الحرب عن ساحة السياسة، فهناك من هو أسوأ من نابليون في التخطيط والتبرير والتصريح، منهم أحد المرشحين لانتخابات ولاية تكساس الأمريكية في احدى السنوات، حيث هاجم أحد خصومه بالقول : “هذا الأحمق يستحق أن يركله جحش حتى الموت ، وأنا الرجل الوحيد القادر على ذلك ! “

وقد يلتبس علينا الأمر ولا نفرق بين خيانة التعبير أو الحظ في التلفظ، كما حدث مع نائب الرئيس الأمريكي والمرشح الأسبق للرئاسة آل غور عندما تبنى البيئة مشروعا طويل الأمد في حياته قائلا : “التلوث ليس هو السبب في أذى البيئة ، بل مجموعة من الشوائب في الماء والهواء ! “. فهل خانه التعبير أو الحظ معا، فيحسبه البعض غباءً؟

فكيف يمكن أن يفسر العلم ذلك ، وهو أيضا له نصيب مع الغباء ؟

سئل مرة ألبرت آينشتاين “من هو الغبي ؟ ” فرد قائلا : ” الغبي هو الذي يتسبب بأضرار لغيره أو لنفسه دون الحصول على أي مميزات تعادل هذا الضرر” ! ولدى فوزه بنوبل ارتجل كلمة ليدعم نظريته النسبية، فقال: “هناك شيئان لانهائيان ، الكون وغباءالإنسان ؛ وبالنسبة للكون فأنا ما زلت غير متأكد تماما ” !

ربما ألهمت نظرية النسبية ملكة جمال آلاباما السابقة عندما سألتها لجنة التحكيم: ” إذا ما استطاعت أن تعيش للأبد فهل تقبل ؟ ولماذا؟”

فكانت الإجابة المذهلة دون تلقين أو جهاز أوتوكيو التي ربما أهلتها لتكون ملكة جمال أمريكا عام ١٩٩٥ : “لن نعيش للأبد لأنه لا يجدر بنا أن نعيش للأبد لأنه لو عشنا للأبد فلسوف نعيش للأبد ، لكن ليس بوسعنا أن نعيش للأبد لهذا لن نعيش للأبد! “. قد يكون لهذا النوع من الأجوبة دور في خلق نجومية غير مقصودة ، بسبب غفلة من التاريخ والوعي البشري!

وعلى ذكر ولاية ألاباما ، فما زلت استحضر ذلك الفيلم الجميل للممثل الرائع توم هانكس ( فورست غامب ) وهو الإنسان الريفي البسيط من تلك الولاية والذي يعاني تدنيا في درجة الذكاء ، كيف صنع قدره بنفسه ، وقدر غيره من باب الصدفة التي جعلته بطلا ونجما في مجتمعه ، وربما غبيا في عيون الآخرين. غير أني أرى أن هاجس التفكير البسيط هو الذي دفعه لإنقاذ مجموعة من الجنود المصابين في إحدى معارك فيتنام أثناء بحثه عن صديقه الوحيد بوبا ، أو كيف سرق منه ألفيس بريسلي رقصته المضحكة لتصبح إحدى حركاته الراقصة الشهيرة ، أو كيف قطع أمريكا عرضا وطولا ركضا على مدى عامين لمجرد أنه شعر برغبة بالركض وليس كما روّج أنه يتبع خطا فكريا أو اجتماعيا أو توعويا كما تهيأ لمتابعيه وملاحقيه ، أو كيف أصبح نجما في كرة القدم الأمريكية فقط لأنه يركض سريعا وبعيدا خارج حدود الملعب ، أو عندما تفنن بلعب تنس الطاولة فقط لأنه يراقب الكرة جيدا ، أو كيف أبلغ السلطات الأمنية عن إضاءة مزعجة في أحد المكاتب القريبة منه ولا تدعه ينام فكان سببا في كشف فضيحة ووترغيت التي أطاحت برئاسة نكسون ، وغيرها من المواقف التي يظن البعض أنه بسبب تدني ذكاء ومعرفة غامب ، بينما قد أيضا تدل على غباء الآخرين وكيفية التقاطهم للموضوع .

إذن الغباء جزء من علاقة أفراد العالم فيما بينهم ، لا يمكننا أن ننكرها ، أو نقلل من شأنها ، قد يخفيه الحظ وقد تجعله الصدفة بطلا أو نجما مؤثرا، تعتمد على درجة وعي المتلقي، وقدرته على تمييز ماهو قائم بفعل الحظ ، وما جاء بمحض الصدفة وما يظنه المتذاكون عبقريةً منهم في أن يروا غيرهم اقل منهم ذكاء فيما يتداولونه من ألفاظ وعبارات انتزعت من سياقات ليست لهم، ويعيدون تدويرها وكأن الناس لا يعون ذلك.

لذلك، من اعتقد أنه الأذكى، كان هو الأغبى. ولله في خلقه شؤون .

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

البحث عن الكائن الفريد

“هناك قصور في الحركة النقدية العربية عامة، والمحلية أكثر، يجب أن يتزايد حضور النقاد طردياً مع غزارة الأعمال الجيدة، وهذا ما لم نشهده حتى على الأعمال التي تحظى باهتمام إعلامي أو تلك التي تحصل على جوائز، بالنسبة لي لا أبحث عن الإنصاف بقدر ما يضيف نصي للقارئ ولشخصي كروائي.”

هذا اقتباس من حوار صحيفة الخليج مع الروائي خالد النصرالله، ما لفت انتباهي هو ما يراه النصر الله ضروريا في تزايد حضور النقاد “طرديا” مع غزارة الأعمال “الجيدة”، وذكر أن هذا ما لم يشهده حتى مع الأعمال التي تحظى باهتمام إعلامي أو تلك التي تحصل على جوائز!

لاشك أن هموم الكتّاب دائما ما تنصب على قلة التشجيع والاهتمام بما ينتجونه، ويكون للنقاد نصيب في تلقي بعض من هذه الهموم أو الشكوى ، لكونهم غير متفاعلين مع ما يكتبونه أو ينتجونه!

ولكن من هم النقاد المعنيون بهذا؟

هل هم النقاد المشتغلون بالنظرية وتحليل النص أم النقاد الأكاديميون العاملون بتدريس النظرية أم النقاد المعنيون بتقييم العمل وتحديد مستواه بين الجيد والردئ؟

إذا كان الكتّاب متنوعين في اهتماماتهم واشتغالهم، فالنقاد أيضا متنوعون في اهتمامهم واشتغالهم، ولا يمكن أن تتطابق وجهة نظر الكاتب مع الناقد والعكس، وإلا دخلنا في مسألة المجاملة أو الخصومة بين الطرفين.

الأمر الثاني، الناقد المشتغل في النظرية لا يفكر في منجز الرواية الإعلامي ولا الحائزة على جائزة أو تنويه، بقدر ما يرصد قيمة العمل الفنية وأصالة البناء الذي سيكون بصمة الكاتب بما يحتوي على رؤيته وأسلوبه الروائي.

عندما تناول الناقد جيرار جينيت عملا روائيا ضخما بحجم (البحث عن الزمن الضائع) لمارسيل بروست ذكر مبررا سبب دراسته:

“إن التحليل ليس معناه التوجه من العام إلى الخاص، بل من الخاص إلى العام، أي من ذلك الكائن الفريد الذي هو رواية بحثا عن الزمن الضائع إلى عناصره المألوفة كثيرا، من محسنات وطرائق عامة الاستعمال وشائعة التداول، ومن ثم عليّ أن أعترف بأنني أبحث عن الخصوصي أجد الكوني، وإذا أريد أن أجعل النظرية في خدمة النقد، أجعل النقد في خدمة النظرية بالرغم مني”.

وجينيت بذلك يقيم نقاشا منهجيا بين تطوير النظرية بما يؤدي لاكتشافات جديدة في تجربة النص البروستي.

إذن النقد الأدبي هو بحث مفترض في خط إبداعي مؤسس، قد يشكل مدرسة لكتابة إبداعية لجيل من الكتّاب، فليس منا من يجهل أثر روايتي دون كيشوت أو ١٩٨٤ أو قصيدة الأرض اليباب لاليوت أو مسرحية في انتظار جودو لبيكيت وغيرها من الأعمال العظيمة، التي ما كان لها أن تجد حضورها لولا حوار النقد والإبداع، في مد جسور النظرية بينهما،واكتشاف الجديد.

ولعل كونديرا لديه وجهة نظر حول ماهية الناقد:

“ينبغي الامساك بما هو جديد، وما يتعذر إحلال شيء محله، في ما يسهم لنتبين ما اكتشفته مظاهر الوجود التي كانت مجهولة في السابق. إذن يعتبر الناقد مكتشفا للمكتشفات”.

بالنهاية الناقد باحث كما هو الروائي، عن مكاشفات ومكتشفات جديدة في الكتابة، وليس مسوّقا أو مروجا لكاتب ما أو كتابات معينة.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

رب رواية من غير راوٍ

من أكثر ما يشدنا في قراءة أية رواية، اسم كاتبها أو الانجاز الذي حققته أو الموضوع الذي تطرحه أو الدهشة الفنية التي تتميز بها، حتى ولو كانت الرواية الوحيدة في سيرته الأدبية.

المعروف أن الطيب صالح يملك من رصيده الروائي، ثلاثة روايات، أشهرها “موسم الهجرة إلى الشمال”، للموضوع الجدلي الذي طرحته وقتها، ولتقنية السرد المعتمدة على سارد عليم مشارك غير مسمّى بالعمل، ولكونها جزءا من سيرة روائية للطيب شئنا أم أبينا. وبرغم اقتصاده في الكتابة الروائية إلا أن ذلك لم يكن عائقا لكي يكون ضمن أهم ١٠٠ روائي في العالم.

إذن، المنجز الروائي لا يحتسب بالكم المتراكم من الأعمال، وإنما المميز فيما كتبه الروائي والدهشة الفنية التي أبدع بها وأسس معها خطا روائيا جديدا يسير عليه من بعده جيل من الكتاب نحو كتابة الرواية. فالمنجز الروائي ليس رقما، بقدر ما أنه قدرٌ فني يضع كاتبه في قائمة التميز الروائي ولو كان كاتبا لعدد يسير من الأعمال.

فالروائي المبدع هو من يحصي بنفسه أعماله الناجحة دون بقية أعماله، بما يوازي قناعة المتلقي. فللروائي الحق في اقصاء أي عمل يرى فيه “عدم نضج” أو ” اخفاقا تاما” ضمن مسيرته ككاتب كما يرى الروائي ميلان كونديرا.

ولنا مثال رائع فيما اقدم عليه الروائي الراحل اسماعيل فهد اسماعيل في تخلصه من مسودات بعض أعماله لعدم اكتمالها وكان جوابه على سؤالي له إن كان قرارا مؤلما، فأدهشني باجابته بأنه كان يراوده هاجس، فلا يحب أن تنسب إليه بعد وفاته.

إذن، ما يمكن أن نخلص إليه، أن العمل الروائي هو جزء من تأملات الروائي في الحياة، وتمرينات يمارسها لتعزيز وعي هذه التأملات، ومحاولات منه لكي يرسم عالما متخيّلا افتراضيا لعالم واقعي مُعاش. فالرواية حقل تجربة الكاتب فكريا وضميره الحسي ورصيد خبرته الفنية، ولا يمكن أن يغامر كاتب عظيم بتاريخه لمجرد أنه يرغب بأن يكون كاتب موسمي أو كاتب ترند على حساب الصنعة الروائية. فالرواية لا تكتب لمجرد البوح، وإلا اعتبرت يوميات أو مذكرات شخصية، وليس من أجل الجوائز، فكم رواية فائزة غلبتها أخرى خالدة، وليس كتابة لمجرد الحضور بصرف النظر عن قيمتها الفنية وخطابها السردي، وإلا لقرأنا أعمالًا لا تنسب لأصحابها إلا اسما وتكون مجرد رمية تعتمد على الحظ فقط!

فهد توفيق الهندال