التصنيفات
مدونتي

علي السبتي.. الشعر والرحيل

غادرنا قبل أيام أبو فراس علي السبتي، شاعرنا الكبير الذي مهما تحدثنا عنه، فلن نوفيه حقه مطلقا، كرائد للشعر الحديث في الكويت، أو أديب له حضوره المتميز والمتفرد في قلوب الأدباء و الكتاب الشباب، أو إنسان يترك أثرا عميقا في نفوسنا عندما نستحضره دائما.

الشاعر علي السبتي قامة شعرية أصدر عبر مشواره الأدبي أربع دواوين شعرية تنوعت القصيدة فيها ما بين العمودي والتفعيلة ، ليس على مستوى القصائد ، بل والقصيدة الواحدة التي جمعت هذه الثنائية العروضية . 

في ديوانه الأخير ” رأيت الذي رأى ” ، يقدم لنا السبتي رؤية شاعر مرت عليه تجارب الحياة ومراحلها المتحولة، نحو تبدل أنماطها والقيم السائدة فيها ، بالرغم من أن لكل عصر ظروفه وتحدياته.

ففي وسط اغراء الحياة، وتزينها بأخلاق هشيم، حيث بات الدلال المسرف يشينها لا يجملها، وهو ليس دلالة على تحول تنازلي بالقيم فحسب، بل للربط بين الإغواء القديم واليوم الذي لا تختلف حقيقته، وإن تبدلت صوره، وكثرت روابطه ، سرا وجهرا.

” تحاول إغوائي وغيري خدينها 

                   ولي مني حافظ ومنها قرينها ” 

فهل كانت تدري – هذه الحياة – أي حزن تثير ، و أي درب آخر قد تنير ؟ 

” لو كنت تدرين أي درب سالكة 

                    لكنت كالنجم يهدي السائر السّبلا 

ولست أعتب .. نفسي لا تطاوعني 

                   لكن حزنا بقلبي فاض مشتعلا 

وما تكشّف لي ما عاد محتملا 

                  فصرت أشكو إليك .. منك ما حملا ” 

وفي حين يكون الهوى مغلوبا لا غلابا إذا ما ارتبط بغير نفس الحر ، ولو ازدانت حوله الحياة كما قال الشاعر :

” ونفس الحر إن وجدت هواها 

                 بغير وعائها لا تستقيم ” 

فإن الشاعر يتبع هواه في نهاية الأمر  :

” وفي ملتي أن الهوى يتبع الهوى

                         وإن هوى نفسي لقلبي تابع “

إذن نحن نقف أمام جدل الهوى مع الشاعر . 

ووسط الحطام التي خلفته مادية الواقع ، والقهر المتسلل إلى عزة النفس وأعماق الروح ، ينسحب الواحد منا إلى عالمه الداخلي الرحب ، مما يجعل الآخرين يظنون بك يأسا من حياة أو هربا من حقيقة أو غربة بمعية عشير ، تاركا حفلات الخداع ومزادات الادعياء ، منفردا في صوته المحلق بعيدا / غريبا عن هكذا حياة :

” يسألونك 

كيف تعيش وأنت وحيد

قل لهم : من يرى خلف هذا السديم

زمانا جديدا 

كيف يحيا وحيد ؟ “

إنه زمان عجيب ، منتظر ، مليء بكل التناقضات ، والمعادلات المقلوبة ، التي يبحث فيها الواحد منا عن موقع فيها ، يحقق وجوده ، دون العدم :

” هل أنا رقم بين الناس 

أم أن الناس هم الأرقام

وأنا صفر في غير مكاني ! 

أو أن زمانا يأتي غير زماني “

ليعود الشاعر ويقر بما رآه في زمانه وما لم يره الآخرون اليوم :

” وإني قد رايت وما رأيتم 

                  زمانا تزدهي فيه النجوم

يعيش العارفون به سراة 

                 ويبقى الأرذلون كما أُسيم ” 

إلى جانب ذلك ، فإن الديوان ” رايت الذي رأى ” حافل بقصائد ذات حضور وجداني ، قومي ، و إنساني ، ويتمثل الجانب القومي في قصيدة ” رسالة من جندي كويتي إلى زوجته ” ، والوجداني في قصيديتين مهداتين إلى صديقة الشاعر الراحل خالد سعود الزيد الذي جمعته به سنوات طويلة ومعارف شتى ، فيجده – الزيد – فريدا / وحيدا في الحياة التي كان بها :

” لا شاطئ يأويك ولا ميناء

ميناؤك بين ضلوعك 

فاخل تأمن 

مرساتك تاريخك

يزهو بك في كل زمان ” 

ونختم بقصيدته ” البرتقالة المضيئة ” التي أهداها إلى أحمد متولي حارس رابطة الأدباء ، حيث سؤاله – الشاعر – له عن تلك الشجرة ، ليقول :

” قال لي : أثمر البرتقال

قلت : من بعد ما أثمر الهجر

والشعر آذن بالارتحال

والمكان غدا مرتعا للنِمال 

بعد أن كان بستان حبٍّ

تُرقّص أغصانه نسماتُ الشمال ” 

هذا مقال لا نمل أن نكتب غيره ، عن شاعرنا الكبير ، شاعر إنسان له نظرته العميقة في هذه الحياة ، وقلب كبير.

فرحمك الله يا أبا فراس، وإنا على فراقكم لمحزونون.

وإنا لله وإنا إليه راجعون

فهد توفيق الهندال

تصوير الصديقة فتحية الحداد

التصنيفات
مدونتي

عولمة كوفيد 19

قبل مطلع الألفية الثالثة، استعد العالم لدخول عصر العولمة بمزيد من الاستعداد الثقافي والتكنولوجي مع بداية قرن جديد، يختلف في تفاصيل أحداثه عن القرنين السابقين، مع عدم اختلاف عناوين القضايا الكبرى. فحتما سيشهد ثورات مختلفة في وسائلها، ولكن تتفق في أسبابها مع الثورات السابقة. لكن الثورة الجديدة والمختلفة عنوانا وتفصيلا تتمثل في عالم المعلومات والتواصل الإجتماعي، مما مكّن المجتمعات المدنية لأن تكون خارج نطاق الوصاية والقبضة الحديدة السابقة.

ولكن هل استفاد كل العالم من ذلك؟

لاشك أن الإجابة ستكون محصورة في العالم الأول وربما الثاني، حيث تجاوزت مجتمعاتها أنظمتها ودخلت في منظومة معلومات مشتركة في حالة تحديث مستمر على مستوى العلم والانتاج.

أما العالم الثالث فما يزال قابعا تحت تأثير الثقافة الاستهلاكية والتوظيف السلبي للتكنولوجيا وثورة عالم الاتصالات.

فلا نجد اختراعا أو ابتكارا هنا إلا وقد دخلت أصابع علماء الغرب في صناعته وتوجيهه وتحريكه!

على سبيل المثال المُعاش اليوم، عندما رزح العالم تحت وطأة جائحة كورونا، دخل علماء العالم الأول والثاني في صراع مع الزمن في اكتشاف لقاح لهذا الوباء القاتل، فيما انشغل معظم منظري العالم الثالث بوجود مؤامرة جديدة عليهم!

لأتساءل، كم عدد المؤامرات التي رزح تحتها العقل هنا حتى استهلكت كل فرص التفكير الإبداعي والصناعي وحل محله “التفكير” الاستهلاكي فقط؟

الاجابة باختصار، مرد هذا التفكير الاستهلاكي الشعور الدائم لإنسان اليوم بأنه مؤقت في مكان مؤقت لا يستدعي جهدا أو طموحا نحو مستقبل دائم، مادام ينتظر طابور التحديات يمر عليه وهو ساكن في مكانه.

صحيح بأن الواقع يحمل مرارة مستمرة، ولكن عندما يتجه تركيز كل منا لاصلاح عالمه الصغير وتطوره، حتما سينعكس على العالم المحيط.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مقالات

الأدب في خطر!

في كتابه الصغير والمثير بعنوانه (الأدب في خطر)، يحذر الناقد الفرنسي ذو الأصل البلغاري الشهير تزيفتان تودوروف من أن يتخلى الأدب عن وظيفته الإبداعية المحركة للتفكير إلى مجرد أداة للعبث بفعل التسطيح المتعمد لأهميته ودوره المفترض في توعية المجتمع والثورة على الجمود العقلي، لكونه– الأدب– يفترض أنه يساعدنا على العيش.فالأدب– والحديث لتودوروف- بعيدا عن ان يكون متعة بسيطة، وتسلية للأشخاص المتعلمين، فإنه يسمح لكل واحد أن يجيب بشكـل أفضل عن ميوله وأفكاره بوصفه كائنا إنسانيا.ونحن أمام هذا الكم الهائل من الكتابات التي يعنونها أصحابها بأنها أدبية أو تدور في فلك الأدب في أي شكل ممكن، هل يعي أصحابها تاريخ ومدارس الأدب وحركاته ومراحله المختلفة لكون تاريخ الأدب تتابع لأشكال الوعي الإنساني؟ لذلك، وأمام هذا الانفجار السردي، لا يشدنا منه إلا القليل الذي نجد فيه على الأقل مفهوم الأدب القريب من فكرة الفيلسوف الأميركي ريتشارد روتي التي وردت في كتاب تودوروف ذاته (الأدب في خطر)، حيث اقترح مرة أن نسمي الأدب بالمساهمة في فهم عالمنا بشكل مختلف، فهو يرفض مصطلحات مثل حقيقة أو معرفة لوصف هذا الاسهام. ويؤكد أن الأدب يتدارك جهلنا بعلاجنا من وهمنا بالاكتفاء الذاتي بعد الكتابة، وأن الأدب هو انعكاس مباشر للحياة! فهل يمكن أن نطلق على الأدب أنه واقعي لمجرد أنه يعكس الواقع؟ وهل يصح لنا بعد هذه العجالة أن نطلق كلمة أدب على كل ما يُكتب باسم الأدب؟
فهد توفيق الهندال