التصنيفات
مدونتي

صناعة التفاهة -١

في مستهل الموسم الحادي عشر للملتقى الثقافي المنعقد في بيت الأديب طالب الرفاعي، أقيمت جلسة مناقشة كتاب (نظام التفاهة) للمفكر الفرنسي آلان دونو، بحضور مترجمة الكتاب أستاذة القانون في جامعة الكويت الدكتورة مشاعل الهاجري. بدأت الجلسة بورقة للدكتور حامد الحمود كمراجعة سريعة للكتاب، وضع من خلالها جملة ملاحظات على الكاتب والكتاب، ثم فتح باب النقاش لحضور الملتقى. وفي خضم هذه الجلسة المهمة، كانت جملة من الأفكار تدور في ذهني سبق لي أن أثرتها في حوارات عدة، حول نظام التفاهة كواقع جديد مفروض على المجتمعات البشرية في زمن هو أقرب لحرب نووية محتملة نتيجة صراع الأقطاب في العالم، ولعل تسيّد التفاهة بدأ مع ارهاصات ما بعد الحداثة، حيث تمت إسالة الكثير من القيم والمنظومات والمصطلحات الحداثية في بوتقة لشكل العصرية الجديدة الداعية في مجمل أطروحاتها للقطيعة مع التاريخ الفكري للإنسان و النظم الأخلاقية المؤسسة للمجتمع الإنساني و الدخول في صراعات الهويات الصغرى. ما يحدث اليوم من التسليع الاستهلاكي للزمن، هو بداية طريق نحو انهيار شكل العالم والعيش الإنساني كما يذكر زيجمونت باومان في (الحداثة السائلة) ضمن سلسلة السيولة.
إن ما نشهده في عالمنا اليوم هو صناعة الاستهلاك التي تعتمد على صناعة التفاهة في تذويب كل منصات التفكير الناقد و تقليص مساحة تداول الخطاب العقلاني في العلاقات القائمة على الفعل البشري، فباتت المادية هاجس وغاية الغالبية من الناس للحياة في ظل الشكليات والمظاهر على سطح وجودهم، وهو ما ساهم في تسطيح الكثير من الوسائل، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي التي بدأت تقود الرأي والذائقة العاميين إلى المزيد من التشتت الفكري والنفسي والاجتماعي، على المستوى الفردي والجماعي. لذلك، بدا اليوم الحديث عن التفاهة بأنها شكل من أشكال النظام الجديد، وخطاب بديل عن الثقافة المُنتجة.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الرسم بالكلمات مع إسماعيل فهد إسماعيل


كانت القضية الفلسطينية أكثر حضورا في القصة من الرواية، لكون القصة هي الأسبق وجودا وكثافة في الفن السردي الكويتي منذ خمسينيات القرن العشرين، حيث شكّلت فلسطين مبدأ والتزاما لدى الكثير من كتّاب القصة في الكويت، فانتشرت عشرات القصص عنها في مجاميع قصصية عديدة لهم.


ولأن الأستاذ الراحل إسماعيل فهد إسماعيل المؤسس يعدّ المؤسس الفعلي والفني للرواية في الكويت مطلع السبعينيات، كان أكثر من حرص على حضور فلسطين إنسانيا في أعماله، عبر شخصيات فلسطينية، إما واقعية كناجي العلي في روايتي ( في حضرة العنقاء والخل الوفي ) و ( على عهدة حنظلة) ، أو شخصيات متخيلة مشاركة في رواية ( الشيّاح ) و رواية ( الحادثة 67) بما تعبّر عن الإنسان الفلسطيني الواقع تحت مطرقة الشتات وسندان السلطة مما يعبّر عن واقع عربي حتمي ومستحق ، يستظل به الكاتب العربي نشر قضاياه ، مخاطبا الجيل الآتي من الكتاب والقراء في أهمية تمركز هذا الجرح العربي في كتاباتهم .

في رواية ( ملف الحادثة 67 ) ، وقد قدمت كمسرحية من جانبالفرقة القومية التونسية لتنال جائزة مهرجان قرطاج قبل سنوات . يدوّن فيها إسماعيل تفاصيل التحقيق الذي أُجري لبطل روايته وهو خباز من أصل فلسطيني، حيث يتهم بجريمة قتل لشخص فلسطيني أيضا في سرد اعتمد خطي استجواب الحاضر واسترجاع الماضي. ليحاول التحقيق المنشغل بصخب المذياع المرسل لمختلف أنواع الأخبار اثبات تهمة الجريمة على شخص لم يرتكبها في يوم من الأيام فقط لأنه فلسطيني. والمتلقي لهذه الرواية يسبر أغوار عمق الرواية في ما يراه الكاتب من محاولة التاريخ الصاق تهمة الجريمة/ الهزيمة بضحايا الحرب أنفسهم، من شرّدوا و قتلوا وأسروا ودفعوا ثمن التهجير وفاتورة الحرب دون غيرهم. وما رفض المتهم من الاعتراف بالجريمة، إنما شريعة المحقق ليستمر عليه العذاب. ” استمرار الرفض هو استمرار التعذيب”. حتى يصل فيها التحقيق إلى نهايته حيث اعترف آخر تحت التعذيب بأنه الجاني للحادثة 67 ليصرخ الخباز: “أنا لم أكذب يا سيدي.. القاتل.. النيابة.. هو الذي يكذب.. القاتل هو الذي يكذب”.

في رواية (الشيّاح)، يرسم لنا إسماعيل ملامح الإنسان الفلسطيني بأجيال مختلفة لشخصيات أربع هم ( بولص، حنا، إبراهيم، أسعد) ، حيث لجأوا إلى بيروت بعدما نجوا من مذابح العصابات الصهيونية والتهجير القسري، ليقعوا في طاحونة الحرب الأهلية اللبنانية، وما كان السرداب الذي اختبأت فيه شخصيات الرواية، سوى مكان ليرصدوا العالم من أسفل، تتقاطع بين شوارعه نوازع حرب الإنسان ضد أخيه الإنسان، إبن وطنه و أرضه، وسط قناصة الحصار و قصف الصراع الداخلي بين الشخصيات فيمن يخرك كل مرة حتى يجلب المؤونة، مع تقصي الخبر من أعلى خارج خبر المذياع من أسفل، حتى تحين لحظة تنفيذ الأربعة لخطة الانقضاض على المسلحين، فيسقط بولصقتيلا دون فائدة من خبرته القتالية، ويُجرح حنا الذي يحمله إبراهيم لاسعافه عند المقاومة، ليبقى أسعد الذي كان تائه بأفكاره في عتمة السرداب ، يرعى وحيدا أربع نساء ومراهقة وطفل، حتى يسقط أخيرا هو الآخر على الأرض مضرجا بدمه. ” الخدر يزحف من أطرافه صعودا إلى الجذع. مع الخدر تملكه إحساس جديد بالسكينة، فصفا ذهنه. ” الملحمة الشعرية بحاجة لاعادة نظر جذرية !” وشعر للمرة الأولى بأنه فلسطيني، ليس كما كان في نابلس أو عمّان أو بيروت” .

وعن سباعية (إحداثيات زمن العزلة)، يذكر إسماعيل فهد إسماعيل في عدد مجلة العربي 497 تحت عنوان ( الغزو والرسم بالكلمات) شهادة للتاريخ ومنصفة عن الفنان الفلسطيني إسماعيل شمّوط الذي كان مقيما في الكويت:

” حدث الاحتلال. الانشداه والذهول، وكان أن تداعت أصوات طيبة.. فلسطينية وأخرى كويتية لتشكيل لجنة تهدف للتنسيق والتعاون ما بين الكويتيين والفلسطينيين من أجل تحقيق وحدة صف ناس الداخل لمواجهة العدو المشترك. شاءت المصادفة أن أكون أحد أعضاء اللجنة، وشاءت أن يكون الاجتماع الأول في منزل الرسام الفلسطيني العالمي.. عضو المجلس الوطني الفلسطيني: إسماعيل شموط، في منطقة الجابرية.. كان ذلك في اليوم الثامن للاحتلال، وعندما انفض الاجتماع استبقاني إسماعيل لدقائق. أخذني من يدي لإحدى صالات منزله حيث مرسمه. أراني لوحة زيتية قيد العمل.

قال والأسى يغلف صوته: “أنا عاجز عن مواصلة الرسم” صمت برهة. أضاف: “لعل السبب يكمن في توالي هذه الأحداث الجسام التي يعجز العقل السليم عن استيعابها” كانت زوجته الفنانة السيدة تمام قد التحقت بنا حاملة صينية الشاي.. خلال جلسة الشاي انفرجت أسارير إسماعيل قليلاً. قال بما يقرب من الدعابة: “ما رأيك والغزو قائم أن تتحول أنت إلى الرسم، وأتحول أنا إلى الكتابة؟!” لم أر مانعاً عن الاستجابة وقتها: “وهو كذلك”.. اللجنة باجتماعاتها المتواصلة. وما عن لأحدنا أن يسأل بهذا الخصوص.. أشهر الاحتلال، ومن ثم الحرب الجوية، فالبرية.. صبيحة اليوم الثاني للتحرير دخل علي إسماعيل شموط حاملاً مجلداً ضخما من الأوراق المطبوعة على الكمبيوتر. قال ضاحكاً: “وفيت بوعدي وكتبت”.. فوجئت بالوزن الثقيل للأوراق التي جاوز عددها أربعمائة. تذكرت اتفاقنا الذي هو أشبه بالدعابة. قلت: “لكني لم أرسم!” ضحك ثانية. قال “أدري!”، أضاف: “لعل جهدي هذا يفيدك كروائي”.

تصفحت الأوراق بعد ذهابه. وجدتها كنزاً لا مثيل له. كان قد حرص على تسجيل أهم الأحداث والأخبار المتعلقة بالاحتلال والحرب يوماً بيوم، سواء منها ما يخص الداخل أوالخارج، لم يترك شاردة ولا واردة.. لحظتها راودتني فكرة أن أكتب رواية تدور بأحداثها حول الاحتلال.. انكببت على حالي أكتب لأعوام ستة دون أن تفارقني أوراق إسماعيل شموط. كانت مصدراً أساسياً فريدا لإلهامي، ورفدي بما يلزمني من معلومات، ريثما تحققت رواية “إحداثيات زمن العزلة”. “

أما ( على عهدة حنظلة)، حيث يبدأ السرد بصوت ناجي العلي في غيبوبته بعد حادثة الإغتيال، وهو يصارع الموت في رحلة تعيده للخلف، مع تاريخه، سيرته، رفاقه، أفكاره، ويدخل في حوارات متخيّلة مع الذات والآخر، في عالم حليبي ضبابي، حيث المكان، لندن، مدينة ضباب المنفى، والزمان، ضباب المرحلة الفاصلة في مسيرة الحياة والنضال، مع رفاقه، إميل حبيبي ورسائله المتوالية، وحنظلة الصغير الذي يسبق حلمه بحاضره الهارب منه. لتتشكل لديه شخصية استوحى اسمها من ثمرة الحنظل، حيث المرارة التي لا تغتفر، كما هو حال مهنته كرسّام كاريكاتير يعيش واقعا مريرا ساخرا، على هيئة طفل/ مستقبل يحدق في عبر لحظة ما من تاريخ أمته العربية. ليتنقل ناجي الغارق في غيبوبته الجسدية، الحاضر في غيبوبة جسد أمته، بين مراحل مختلفة من حياته، ما بين الاسترجاع والعودة للحظة فقدان الوعي : “غبت عن  الوعي أو غبت فيه .. أشبهني كمن رحل غفلة في عدم غير محدد ليعود منه”. 

وبعد، هذه بعض النماذج من روايات إسماعيل فهد إسماعيل، وهي الأغنى  في حضور فلسطين سردا وجرحا عربيا وإنسانيا، لعلنا نوفي إستاذنا بعضا من حقه علينا، مؤكدين حرصنا على تشجيع الشباب العربي في استحضار فلسطين إبداعا وهوية وتاريخا في ضمائرنا وكتاباتنا وإبداعاتنا. 

فهد توفيق الهندال

معرض عمّان الدولي للكتاب 

5 سبتمبر 2022

التصنيفات
مدونتي

القضية المركزية الغائبة

شكلت الثقافة على مدى عقود عديدة ثُقلا فكريا وزادا معرفيا في وسائل الإعلام التقليدية عبر ما تقدمه من حوارات مع المثقفين والمبدعين ومطالعات الكتب والتراجم والتحقيقات والاستطلاعات والمقالات وكل شؤون الثقافة التي احتضنتها أعرق الصحف العربية والعالمية ، لكون الثقافة رافدا مهما في بناء المجتمعات ومحيطا لا يمكن الخروج عن نطاقه في أي حال من الأحوال .

ولأهمية الثقافة ، كانت الدول الكبرى تعدها سلاحا متطورا من أسلحة المواجهات السلمية التي بموجبها يمكن تغيير نمطية تفكير المجتمع من الاستهلاكية إلى المنتجة.

واستمرت الثقافة في كثير من المجتمعات المدنية على خطاها المستقل المعتدل برغم المحاولات المستمرة لأدلجتها واقحامها في أنواع من الصراع ، فصمدت، ولكنها بدأت تضعف مع الوقت ، فسيل الاستهلاك العرم يجرف كل ما هو على السطح ما عدا قمم المكان .

واليوم باتت مادة سهلة التناول وسريعة التداول بفضل وسائل التواصل الاجتماعي بعدما دخلت دوائر المنافسة بين الوسائل الإخبارية والبحث عن الحصرية في تبني الخبر دون أن يعني ذلك دائما  البحث حول مصادره أو التدقيق في صحتها ، فبات بعض أخبار الثقافة لا يختلف عن أخبار الفن والرياضة والمجتمع بما يهدف منها الإثارة أو ” الخبطة الصحفية ” أو ” ترند” لمدة قصيرة جدا تنتهي سريعا ، على خلاف القضية الثقافية التي تستمر أسئلتها وآثارها باستمرار أهمية طرح الموضوع على بساط الحوار والبحث عن أجوبة حقيقية ليس مؤقتة أو معلبة وهو ما يعني أن يكون القائم على العمل ينطلق من مسؤولية الكلمة واعيا بآثارها لاحقا .

فالعمل الثقافي لا يحتمل أن يكون خبرا عابرا أو ضجة مفتعلة أو إشاعة مثيرة ، وإنما يحمل في طياته قضية عميقة تحرك ما سكن وتثير الغبار عن كل الحقائق المرة . فالحقيقة يمكن اختبارها عندما لا يأخذ أي شخص على محمل الجد بأن الحقيقة تكمن في أمور صغيرة، يمكن الوثوق بها في الأمور الكبيرة ، كما يذكر اينشتاين.

اليوم، وفي زخم وقلب الحملات الانتخابية، غابت القضية الثقافية عن أجندة المرشحين، فقد اكتفى الجزء الأكبر منهم برسم طموحاته وأحلامه ونقد المشاريع السابقة والحالية دون بصيص حلول أو معالجات أو مشاريع بديلة. فقد غابت الكثير من الهموم الثقافية عن برامجهم الانتخابية وستبقى كذلك في عدم القناعة بأهمية تحويل الثقافة كذراع اقتصادي مهم، وسياحة داعمة للسياحة الاجتماعية و رديف فكري للسياسة داخل وخارج البلاد. والأمر الذي استغرب منه فعليا، هو ابتعاد جمعيات النفع العام عن التعاطي بالشأن السياسي مرغمة وهو موضوع الساعة إلا اللهم بعض الجمعيات التي حملت على عاتق مسؤوليتها دعم الوعي السياسي !

فكيف اذن تؤدي دورها المفترض في توعية وتثقيف المجتمع، لذلك غابت المناظرات المفترضة بين المرشحين، واختفى الهم الثقافي من خارطة اهتماماتهم الانتخابية. وللحديث بقية.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

المجلس الأعلى للثقافة

تناقلت بعض الأخبار المحلية نية مجلس الوزراء برئاسة سمو الشيخ أحمد النواف الصباح بانهاء مراسيم عدد من الهيئات والمجالس العليا، لاعادة تقويم مسارها واعداد خطط و رؤى جديدة للوطن على كافة المستويات، بما يتواءم مع رؤية الكويت 2035 والتي تحتاج مزيدا من التقييم والتصويب لما اعتراها من قصور في المرحلة السابقة. من ضمن هذه الهيئات المزمع اعادة تشكيلها، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، والذي يتطلب وجوه جديدة وشابة من أبناء الكويت من الأدباء والفنانين من ذوي الانجاز والمشاريع الثقافية التي أثبتت حضورها على المستوى المحلي والعربي.

إن ما تمر به الكويت اليوم هو مرحلة عنق الزجاجة، إما تستعيد ريادتها الثقافية في المنطقة، وإما تبقى في ركب متأخر عن الدول التي سبقتنا بأشواط عديدة في تنويع وخدمة الثقافة والمثقفين من خلال مشاريع جديدة ورؤى متطورة وضعتهم في مقدمة الدول الراعية والحاضنة لابداعات ومشاريع المبدعين والمثقفين. نحن لا نتحدث عن دعم مادي بحت، بقدر ما نتحدث عن دعم معنوي يتمثل باتاحة الفرص وتطويع مباني الدولة الثقافية لهم والمشاركة في صنع القرارات والرؤى الثقافية المستقبلية، عبر تنوع المجالات الثقافية، والأخذ بالاعتبار بمنجزهم الثقافي وخبرتهم في المشاركة الجادة في المحافل الثقافية داخل الكويت وخارجها، وأن ينتموا لجيل قادم يستحق اتاحة المجال له في عضوية المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، والمجلس الأعلى للتخطيط، والمجلس الأعلى للتعليم، لكون هذه المجالس هي المشكّلة لمستقبل الإنسان في الكويت.

إن قرار مجلس الوزراء باعادة النظر باستراتيجية رؤية الكويت 2035 وتصويب ما قد اعتراها من قصور وتأخير دليل جدية الحكومة الجديدة في اصلاح الكثير من القضايا العالقة، ومنها القضية الثقافية التي لا تقل أهمية في رسم معالم وملامح مستقبل التنمية الثقافية كرأس مفكّر لخطة التنمية العامة وليس تكملة عدد. فلا تنمية من دون وجود افكار جديدة ومشاريع شبابية تقود المشهد الثقافي نحو التميّز و الفرادة، وليس اعادة الريادة فقط. فاليوم تحتاج الثقافة لهندسة معينة تحولها لمنتج وصناعة وسياحة، وهذا يتطلب الكثير من العقول النابضة بالقدرة على التأسيس الحديث والتفكير الناقد و الباني والمتحمّس والجاد.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الغباء يصنع نجومية أيضا!

 

في كتابه الفريد من نوعه ( العامل الحاسم ) يطرح إريك دورتشميد مجموعة من المواقف واللحظات التي لعب فيها الغباء والصدفة – معا أوأحدهما – دورا في تغيير مجرى التاريخ. منها على سبيل المثال، إصرار نابليون بونابرت على خوض معركة واترلو التاريخية وهو مصاب بالاسهال ، الأمر الذي بلا شك أثر على مجريات المعركة لصالح أعداءه . الجميل في الكتاب أنه يعقد علاقة وثيقة بين الصدفة والغباء ، ولا يعني بالضرورة ذكاء الطرف الثاني بقدر ما هو استغلاله لموقف الأول الذي لا يحسد عليه ، وكلاهما ما كانا ليلتقيا بالحظ لولا عامل الصدفة بينهما . لهذا كان عاملا حاسما مغيرا لوجه الواقع والتاريخ معا . فربما جمعت الصدفة الإسهال العـرضي الذي أصاب نابليـون في ليلة المعركة التاريخية مع أعدائه ، لكن ليس بالضرورة أنه أغبى منهم أو هم أذكى منه، مع أن لنابليون مقولة شهيرة “في السياسة ، الغباء ليس عائقا” !

ولا تختلف ساحة الحرب عن ساحة السياسة، فهناك من هو أسوأ من نابليون في التخطيط والتبرير والتصريح، منهم أحد المرشحين لانتخابات ولاية تكساس الأمريكية في احدى السنوات، حيث هاجم أحد خصومه بالقول : “هذا الأحمق يستحق أن يركله جحش حتى الموت ، وأنا الرجل الوحيد القادر على ذلك ! “

وقد يلتبس علينا الأمر ولا نفرق بين خيانة التعبير أو الحظ في التلفظ، كما حدث مع نائب الرئيس الأمريكي والمرشح الأسبق للرئاسة آل غور عندما تبنى البيئة مشروعا طويل الأمد في حياته قائلا : “التلوث ليس هو السبب في أذى البيئة ، بل مجموعة من الشوائب في الماء والهواء ! “. فهل خانه التعبير أو الحظ معا، فيحسبه البعض غباءً؟

فكيف يمكن أن يفسر العلم ذلك ، وهو أيضا له نصيب مع الغباء ؟

سئل مرة ألبرت آينشتاين “من هو الغبي ؟ ” فرد قائلا : ” الغبي هو الذي يتسبب بأضرار لغيره أو لنفسه دون الحصول على أي مميزات تعادل هذا الضرر” ! ولدى فوزه بنوبل ارتجل كلمة ليدعم نظريته النسبية، فقال: “هناك شيئان لانهائيان ، الكون وغباءالإنسان ؛ وبالنسبة للكون فأنا ما زلت غير متأكد تماما ” !

ربما ألهمت نظرية النسبية ملكة جمال آلاباما السابقة عندما سألتها لجنة التحكيم: ” إذا ما استطاعت أن تعيش للأبد فهل تقبل ؟ ولماذا؟”

فكانت الإجابة المذهلة دون تلقين أو جهاز أوتوكيو التي ربما أهلتها لتكون ملكة جمال أمريكا عام ١٩٩٥ : “لن نعيش للأبد لأنه لا يجدر بنا أن نعيش للأبد لأنه لو عشنا للأبد فلسوف نعيش للأبد ، لكن ليس بوسعنا أن نعيش للأبد لهذا لن نعيش للأبد! “. قد يكون لهذا النوع من الأجوبة دور في خلق نجومية غير مقصودة ، بسبب غفلة من التاريخ والوعي البشري!

وعلى ذكر ولاية ألاباما ، فما زلت استحضر ذلك الفيلم الجميل للممثل الرائع توم هانكس ( فورست غامب ) وهو الإنسان الريفي البسيط من تلك الولاية والذي يعاني تدنيا في درجة الذكاء ، كيف صنع قدره بنفسه ، وقدر غيره من باب الصدفة التي جعلته بطلا ونجما في مجتمعه ، وربما غبيا في عيون الآخرين. غير أني أرى أن هاجس التفكير البسيط هو الذي دفعه لإنقاذ مجموعة من الجنود المصابين في إحدى معارك فيتنام أثناء بحثه عن صديقه الوحيد بوبا ، أو كيف سرق منه ألفيس بريسلي رقصته المضحكة لتصبح إحدى حركاته الراقصة الشهيرة ، أو كيف قطع أمريكا عرضا وطولا ركضا على مدى عامين لمجرد أنه شعر برغبة بالركض وليس كما روّج أنه يتبع خطا فكريا أو اجتماعيا أو توعويا كما تهيأ لمتابعيه وملاحقيه ، أو كيف أصبح نجما في كرة القدم الأمريكية فقط لأنه يركض سريعا وبعيدا خارج حدود الملعب ، أو عندما تفنن بلعب تنس الطاولة فقط لأنه يراقب الكرة جيدا ، أو كيف أبلغ السلطات الأمنية عن إضاءة مزعجة في أحد المكاتب القريبة منه ولا تدعه ينام فكان سببا في كشف فضيحة ووترغيت التي أطاحت برئاسة نكسون ، وغيرها من المواقف التي يظن البعض أنه بسبب تدني ذكاء ومعرفة غامب ، بينما قد أيضا تدل على غباء الآخرين وكيفية التقاطهم للموضوع .

إذن الغباء جزء من علاقة أفراد العالم فيما بينهم ، لا يمكننا أن ننكرها ، أو نقلل من شأنها ، قد يخفيه الحظ وقد تجعله الصدفة بطلا أو نجما مؤثرا، تعتمد على درجة وعي المتلقي، وقدرته على تمييز ماهو قائم بفعل الحظ ، وما جاء بمحض الصدفة وما يظنه المتذاكون عبقريةً منهم في أن يروا غيرهم اقل منهم ذكاء فيما يتداولونه من ألفاظ وعبارات انتزعت من سياقات ليست لهم، ويعيدون تدويرها وكأن الناس لا يعون ذلك.

لذلك، من اعتقد أنه الأذكى، كان هو الأغبى. ولله في خلقه شؤون .

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الصهد والسرد

عندما تقرأ عملا روائيا بُعيد نشره بفترة طويلة، فإنك تتحرر كثيرا في قراءته والكتابة عنه، متلمسا عوالم العمل ذاته لا أصداءه، ملغيا أي تأثير مسبق قد يخيم عليك، لتحقق معنى الاحتفاء به كاصدار جديد وجدير بالكتابة عنه.

الصهد، عنوان العمل الروائي الأخير للروائي الصديق ناصر الظفيري، الذي صدر عن الزميلة مسعى للنشر والتوزيع شتاء 2013، بعد أعمال روائية وقصصية عدة، قـدّم من خلالها الظفيري هويته السردية التي تتشابك في حبكتها مع التاريخ عبر المكان باعتباره الشاهد بمحركي صراعه (الثابت والمتحول) في رصد جانب ما من جوانب مجتمع ما، لتدور حولها مفردات الخطاب وتتشكل معها عوالم السرد. ولأن الرواية مشروع في الكتابة الملحمية- كما يذكر الظفيري في أحد لقاءاته- أو قراءة في تاريخ الكويت، توقعت أن تكون ملمة بجوانب كثيرة وأماكن مختلفة ترصد متغيرات عامة وتحولاته على مختلف الأصعدة كما في عدد من الروايات العربية كرباعية إسماعيل فهد إسماعيل أو ثلاثيته عن النيل أو أرض السواد ومدن الملح لعبدالرحمن منيف وثلاثية تركي الحمد. إلا أن الظفيري اكتفى في الصهد في تركيز عدسته على مدينته «الجهراء» كمكان متخيل عن الكويت عموما، وهو ما كان في روايته السابقة (سماء مقلوبة)، وهـو قد يصح للروائي من دون المـؤرخ على اعتبار أن العمل الروائي بمجمله متخـيل ولو قـام على أسس واقـعية، إلا أنني أردت الوقوف عند فكرة الملحمة والرواية التاريخية.

جاء العمل مقسما على فصلين/ كتابين، عُنون الأول بـ (تأريخ) وجاء سردا لتاريخ المكان/ الجهراء عبر شخصيتين أساسيتن:

– ابن فضل، التاجر القادم من الشمال، الباحث عن فرص جديدة.

– شومان البدوي، عاشق الفضاء الذي اعترك الصحراء بكل ما فيها.

إضافة إلى شخصيات ثانوية، تناسلت منها معالم السرد اللاحق في الفصل الثاني الذي عُنون بـ (الرواية) الذي يفترض أنه امتداد السرد والتخييل، ليفتتح السرد فيه عبر تكنيك الاسترجاع في قراءة علي بن شومان – الشخصية الأساسية هنا – لمخطوط ليال التي شكل معها وربما بقية السرد في الفصل الثاني الذي كانت الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن العشرين لوحته الزمنية في رسم المعالم السياسية والاجتماعية لبعض شخصيات العمل. لينتهي الزمن بُعيد تحرير الكويت من الغزو العراقي الغاشم فيتوقف زمن السرد عند من ابتدأ به أصلا «شومان» الذي اقتبس اسمه من الشؤم كما جاء في أول فصل (شؤمان) فتمثل الأول بموت أبيه وهو جنين ببطن والدته، والآخر عودته إلى الواقع بعدما تحول لخرافة. وكأن ثمة ثأرا قديما بين الشؤم وشومان، فاستمر معه بعد معرفته بابن فضل وموت أمه وتركه الصحراء/ الفضاء، انتهاء إلى ما وصل إليه من حال… كائن غريب في أرض مولده و محله وترحاله.

وكما كان السرد كثيفا/ متماسكا في الكتاب الأول وشيقا في الحفر والحكايا التي خبئت في ذاكرة المكان الذي كان شحيحا/ انتقائيا ليهب دفئه إلا لمن يملك فقط، برغم أنه بات موطن من هاجروا إليه بحثا عن حياة أخرى. تمنيت لو كان كذلك السرد في الثاني، خصوصا في الفصول الساردة عن جغرافيا جديدة في السرد الخليجي والكويتي حيث الغربة بين كندا ونيويورك، حيث اكتفى الروائي ببعض المشاهد التي برغم قلتها إلا أنها كانت الأكثر إثارة للفضول وحراكا للسرد الذي كان يسحب ياقتنا للتعرف أكثر على تلك الزوايا المنعطفة في رحلة الغربة إلى بلد آخر تجمعت فيه أيضا نفوس من مشارب مختلفة لتبني وطنا منوعا بالثقافات، ساكنا بالأمل، فيكونوا زاد الدفء في أرض مسكونة بالبرد. ولعلي هنا أسترجع ذات الملاحظة التي اشتركت فيها مع كثيرين حول رواية (ساق البامبو) للروائي سعود السنعوسي، حيث كان الجزء الخاص المتعمق بالفلبين الأكثر غنى وتشويقا من الآخر الخاص عن الكويت.

كذلك فإن تناوب السرد بين المكان الأول «الكويت»/ المكان الثاني «الغربة» في هذا الجزء من الصهد كان كفيلا لتشظي السرد بين علي/ ليال/ ريما، وإن كان علي هو سارده الطاغي بانفراد، النقطة التي تعطي الأفضلية لسرد الجزء الأول الذي جاء على لسان سارد خارجي كلي المعرفة، يركز بؤرة الحدث في ذات المكان/ الجهراء. إضافة إلى المرور الزمني السريع على فترة الغزو والاحتلال العراقي في فصل (ذات خميس من آب) فجاء زمن الحكاية قصيرا وخاضعا لزمن السرد العابر.

أختم المقال بأن الصهد كرواية تستحق الاحتفاء بها، برغم ما أثرناه هنا من باب محبتنا للصديق ناصر الظفيري الذي أتمنى أن يكون الصهد بداية استرجاع نَفَسِ المكان عبر أعمال روائية قادمة أراهن دائما عليها في حرفية كاتبها واشتغاله السردي الجاد والفكري المتميز.

فهد توفيق الهندال

نشر المقال في تاريخ 17 سبتمبر 2014

توفي الروائي ناصر الظفيري في مارس 2019

التصنيفات
مدونتي

المثقف والفاشستي

‎ضمن خمس مقالات كتبها على فترات متباعدة ، يطرح الناقد والروائي امبرتو ايكو عدة قضايا متعلقة بالوجود الإنساني، كالأخلاق، العلمانية، التدين، الثقافة، العلاقة مع الآخر، وغيرها. وربما تأتي العلاقة بين هذه المواضيع بما حاول العنوان تضمينه كعلامة أولى للمتلقي، تشي بعلاقات متشابكة متعاقدة فيما بينها لتقديم الأفكار المشكلة لنوعية الأخلاق السائدة اليوم.
‎يذكر مترجم الكتاب سعيد بنكراد في تقديمه الترجمة للعلاقة بين هذه المواضيع والعنوان «دروس في الأخلاق»:
‎مقولات من قبيل «سوء فهم» و»الجهل» بخصوصيات الآخر و»الدونية الحضارية» و»التفوق العرقي» مواقف تندرج كلها ضمن ما يمكن أن يشكل أخلاقا تُعتمد في الحكم على الآخر وتصنيفه. فالـ»نحن» غامضة دائما، لأنها تعتمد معاييرها للحكم على الآخر وتحديد المقبول والمرفوض والمحبذ والمكروه عنده».
‎جاءت فصول الكتاب مقسمة على خمسة عناوين:
‎١-التفكير في الحرب ، وتضمن حربي الخليج 1990 و كوسوفو 1999
‎٢-الفاشية الأبدية
‎٣-حول الصحافة
٤- الأنا والآخر
٥- النزوح والتسامح وغير المسموح به.
‎في مقالة «التفكير في الحرب» ، طرح ايكو قضية أخلاقية يعاني منها المثقف في مسألة تأييدها أو رفضها، مهما كان جدواها من عدمها، حتى لو كانت ضرورية لانقاذ مجتمعات من اضطهاد أنظمة قمعية، لكون المثقف فرد نوعي في المجتمع بما يملكه من معرفة ورؤية لهذا يحذر ايكو المثقف من الاندفاع وراء التصريحات أو التعليق على الحرب، لكونه يدخل في لعبة الحرب الإعلامية دون ان يشعر بذلك، فيصبح بوقا يتم توظيفه بحسب الحاجة، دون أن يقع تحت طائلة الصمت الذي لا يعفيه كذلك من تحمل المسؤولية الفردية على الأقل.
‎يرى ايكو الخيار الأمثل لمثل هذا النوع من التفكير في الحروب بأنه يكمن في التصريح بأن الحرب تلغي كل مبادرة إنسانية، ليرى أن الواجب الثقافي يحتم الاعلان عن استحالة الحرب ولو لم يكن هناك حل بديل.
‎وفي مقالة «الفاشية الأبدية» يعدد ايكو عوامل استمرار الفكر الفاشستي وتكيفه مع مختلف الوضعيات، لتنطلق العوامل من مرجعية عبادة التراث، أي النزعة التقليدية في التفكير ورفض الحداثة كنمطي تفكيري أو ثقافي، مع امكانية توظيفها – الحداثة – علميا وتكنولوجيا لخدمة النظام.
‎كما تستغل الفاشية الكبت والاعدام الاجتماعيين. وبرغم دعوتها لمحاربة النخبوية كطبقة ارستقراطية، لكنها لا تلغي أجندتها السرية القائمة على شعبوية نوعية تلتف حول اسطورة قومية تتلخص في البطل الأول أي الزعيم الأوحد، يبادر للقوة ضد الآخرين في سبيل الحفاظ والتوسع بالأمة وثرواتها ولو على حساب الأمم الأخرى!
‎لقد قدّم لنا امبرتكو ايكو تطبيقا عمليا على المفاهيم الجديدة للأخلاق التي قد تسود الألفية الثالثة كما ظهر في القرن العشرين، ويأتي الكتاب ضمن مجال نقدي للمتلقي ذاته، في بحثه المضني حول أحداث التاريخ ومجريات الواقع، فالكتاب لا يقدم دروسا في ما «يجب ..»، وإنما
“لماذا وكيف وإلى أين ؟”

ونحن نتابع الحرب في أوكرانيا، نتساءل كما طرح ايكو في معرض تساؤلاته في الكتاب، إلى أي مدى ستصمد ثقافة التعايش السلمي في وجهة آلة الحرب التي لم تعد أسلحتها تقليدية، بل تعدتها لما هو أخطر، فجعلت العالم يقف على أصابع قدميه يترقب طبول حروب قادمة لن تكون أقل خطورة من القذائف والمدافع، لكونها تسلب الإنسان مؤونته وأمانه.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

البحث عن الكائن الفريد

“هناك قصور في الحركة النقدية العربية عامة، والمحلية أكثر، يجب أن يتزايد حضور النقاد طردياً مع غزارة الأعمال الجيدة، وهذا ما لم نشهده حتى على الأعمال التي تحظى باهتمام إعلامي أو تلك التي تحصل على جوائز، بالنسبة لي لا أبحث عن الإنصاف بقدر ما يضيف نصي للقارئ ولشخصي كروائي.”

هذا اقتباس من حوار صحيفة الخليج مع الروائي خالد النصرالله، ما لفت انتباهي هو ما يراه النصر الله ضروريا في تزايد حضور النقاد “طرديا” مع غزارة الأعمال “الجيدة”، وذكر أن هذا ما لم يشهده حتى مع الأعمال التي تحظى باهتمام إعلامي أو تلك التي تحصل على جوائز!

لاشك أن هموم الكتّاب دائما ما تنصب على قلة التشجيع والاهتمام بما ينتجونه، ويكون للنقاد نصيب في تلقي بعض من هذه الهموم أو الشكوى ، لكونهم غير متفاعلين مع ما يكتبونه أو ينتجونه!

ولكن من هم النقاد المعنيون بهذا؟

هل هم النقاد المشتغلون بالنظرية وتحليل النص أم النقاد الأكاديميون العاملون بتدريس النظرية أم النقاد المعنيون بتقييم العمل وتحديد مستواه بين الجيد والردئ؟

إذا كان الكتّاب متنوعين في اهتماماتهم واشتغالهم، فالنقاد أيضا متنوعون في اهتمامهم واشتغالهم، ولا يمكن أن تتطابق وجهة نظر الكاتب مع الناقد والعكس، وإلا دخلنا في مسألة المجاملة أو الخصومة بين الطرفين.

الأمر الثاني، الناقد المشتغل في النظرية لا يفكر في منجز الرواية الإعلامي ولا الحائزة على جائزة أو تنويه، بقدر ما يرصد قيمة العمل الفنية وأصالة البناء الذي سيكون بصمة الكاتب بما يحتوي على رؤيته وأسلوبه الروائي.

عندما تناول الناقد جيرار جينيت عملا روائيا ضخما بحجم (البحث عن الزمن الضائع) لمارسيل بروست ذكر مبررا سبب دراسته:

“إن التحليل ليس معناه التوجه من العام إلى الخاص، بل من الخاص إلى العام، أي من ذلك الكائن الفريد الذي هو رواية بحثا عن الزمن الضائع إلى عناصره المألوفة كثيرا، من محسنات وطرائق عامة الاستعمال وشائعة التداول، ومن ثم عليّ أن أعترف بأنني أبحث عن الخصوصي أجد الكوني، وإذا أريد أن أجعل النظرية في خدمة النقد، أجعل النقد في خدمة النظرية بالرغم مني”.

وجينيت بذلك يقيم نقاشا منهجيا بين تطوير النظرية بما يؤدي لاكتشافات جديدة في تجربة النص البروستي.

إذن النقد الأدبي هو بحث مفترض في خط إبداعي مؤسس، قد يشكل مدرسة لكتابة إبداعية لجيل من الكتّاب، فليس منا من يجهل أثر روايتي دون كيشوت أو ١٩٨٤ أو قصيدة الأرض اليباب لاليوت أو مسرحية في انتظار جودو لبيكيت وغيرها من الأعمال العظيمة، التي ما كان لها أن تجد حضورها لولا حوار النقد والإبداع، في مد جسور النظرية بينهما،واكتشاف الجديد.

ولعل كونديرا لديه وجهة نظر حول ماهية الناقد:

“ينبغي الامساك بما هو جديد، وما يتعذر إحلال شيء محله، في ما يسهم لنتبين ما اكتشفته مظاهر الوجود التي كانت مجهولة في السابق. إذن يعتبر الناقد مكتشفا للمكتشفات”.

بالنهاية الناقد باحث كما هو الروائي، عن مكاشفات ومكتشفات جديدة في الكتابة، وليس مسوّقا أو مروجا لكاتب ما أو كتابات معينة.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

رب رواية من غير راوٍ

من أكثر ما يشدنا في قراءة أية رواية، اسم كاتبها أو الانجاز الذي حققته أو الموضوع الذي تطرحه أو الدهشة الفنية التي تتميز بها، حتى ولو كانت الرواية الوحيدة في سيرته الأدبية.

المعروف أن الطيب صالح يملك من رصيده الروائي، ثلاثة روايات، أشهرها “موسم الهجرة إلى الشمال”، للموضوع الجدلي الذي طرحته وقتها، ولتقنية السرد المعتمدة على سارد عليم مشارك غير مسمّى بالعمل، ولكونها جزءا من سيرة روائية للطيب شئنا أم أبينا. وبرغم اقتصاده في الكتابة الروائية إلا أن ذلك لم يكن عائقا لكي يكون ضمن أهم ١٠٠ روائي في العالم.

إذن، المنجز الروائي لا يحتسب بالكم المتراكم من الأعمال، وإنما المميز فيما كتبه الروائي والدهشة الفنية التي أبدع بها وأسس معها خطا روائيا جديدا يسير عليه من بعده جيل من الكتاب نحو كتابة الرواية. فالمنجز الروائي ليس رقما، بقدر ما أنه قدرٌ فني يضع كاتبه في قائمة التميز الروائي ولو كان كاتبا لعدد يسير من الأعمال.

فالروائي المبدع هو من يحصي بنفسه أعماله الناجحة دون بقية أعماله، بما يوازي قناعة المتلقي. فللروائي الحق في اقصاء أي عمل يرى فيه “عدم نضج” أو ” اخفاقا تاما” ضمن مسيرته ككاتب كما يرى الروائي ميلان كونديرا.

ولنا مثال رائع فيما اقدم عليه الروائي الراحل اسماعيل فهد اسماعيل في تخلصه من مسودات بعض أعماله لعدم اكتمالها وكان جوابه على سؤالي له إن كان قرارا مؤلما، فأدهشني باجابته بأنه كان يراوده هاجس، فلا يحب أن تنسب إليه بعد وفاته.

إذن، ما يمكن أن نخلص إليه، أن العمل الروائي هو جزء من تأملات الروائي في الحياة، وتمرينات يمارسها لتعزيز وعي هذه التأملات، ومحاولات منه لكي يرسم عالما متخيّلا افتراضيا لعالم واقعي مُعاش. فالرواية حقل تجربة الكاتب فكريا وضميره الحسي ورصيد خبرته الفنية، ولا يمكن أن يغامر كاتب عظيم بتاريخه لمجرد أنه يرغب بأن يكون كاتب موسمي أو كاتب ترند على حساب الصنعة الروائية. فالرواية لا تكتب لمجرد البوح، وإلا اعتبرت يوميات أو مذكرات شخصية، وليس من أجل الجوائز، فكم رواية فائزة غلبتها أخرى خالدة، وليس كتابة لمجرد الحضور بصرف النظر عن قيمتها الفنية وخطابها السردي، وإلا لقرأنا أعمالًا لا تنسب لأصحابها إلا اسما وتكون مجرد رمية تعتمد على الحظ فقط!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الرواية الفائزة والمفاجِئة

انتهى يوم الاحد الماضي ماراثون 2022 للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) باعلان فوز رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” للروائي الليبي محمد النعّاس، وجاء في تقرير لجنة التحكيم لدورة هذا العام 2022 والذي ألقاه رئيس اللجنة الروائي شكري المبخوت موضحا سبب اختيار الرواية ، نختار منها ما قاله : “استقر رأي اللجنة بالإجماع على تتويج رواية كُتبت بإيقاع سردي سلس في ظاهر النص، هادر متوتر في باطنه، صيغت بلغة عربية حديثة يسيره المأخذ، لكنها تخفي جهدًا في البحث عن أساليب في القول، مناسبة للعالم التخيلي الذي بناه صاحب النص”. والتقرير هنا يشير لأهمية البناء السردي والبحث الروائي الدقيق حول الموضوع بما يفيد أصالة النص وعدم استنساخ فكرته.

ثم يتناول التقرير براعة الكاتب فنيا في رسم شخصيته الأساسية بما ذكره المبخوت:”تمكن صاحب الرواية من تتبع مسار الشخصية وهي تتلعثم، وتستكشف هويتها الحائرة المخالفة للتصورات الاجتماعية السائدة في قرية محافظة، لا تشجع على الحلم”.

كذلك يرسم التقرير صلة الرواية بالواقع والمكان : “وما هذه القري إلا صورة من عالم عربي تهيمن عليه إيديلوجية موروثة مغلقة”. وعن أهمية حضور خطاب ورؤية الكاتب شدد التقرير على فكرة الفردانية في مقارعة العالم بعيدا عن الفكر الجمعي : “الرواية استعادت تجربة فردية في درب من الاعترافات التي نظم السرد المتقن المشوق فوضى تفاصيلها، ليقدم نقدًا عميقًا للتصورات السائدة عن الرجولة والأنوثة، وتقسيم العمل بين الرجل والمرأة، وتأثيرهما النفسي والاجتماعي، تقع الرواية في صلب التساؤلات الثقافية الكونية اليوم حول قضايا الجندر، لكنها منغرسة في آن واحد في بيئتها المحلية والعربية، بعيدًا عن الإسقاط المسف والتناول الإيدولوجي المسيئ لنسبية الرواية وحواريتها”.

إذن لخّص التقرير معيار اختيار رواية النعّاس لموضوعها الآني حول الجندرة والهويات المضطربة، وهي حديث العالم اليوم. ولعل هناك سببا آخر لم يذكر في التقرير، وهو أن العمل هو الثاني روائيا لمحمد النعّاس وهو ما أشار إليه المبخوت في لقاء تلفزيوني بأن رواية (خبز على طاولة الخال ميلاد) هي شهادة ميلاد روائي كبير وهو محمد النعّاس ، وهذا يدل على حدس اللجنة وتوقعها، فإلى جانب المبخوت وهو الروائي والناقد الفذ، والقارئ المتمرس نجد أعضاء اللجنة لا يقلون عنه خبرة وتمرسا في الكتابة والنقد والقراءة كالشاعرة والصحفية سعدية مفرح والروائية والباحثة إيمان حميدان وأستاذة الأدب العربي بجامعة صوفيا ببلغاريا بيان ريحانوفا، والشاعر والمترجم عاشور الطويبي. ويسحب لهم عملهم الصامت بعيدا عن ضغوط الاعلام وتوقعات القراء.

ثمة ملاحظة أخيرة، أن الروايات التي وصلت للقائمة القصيرة لم يكن معظمها متوفرا في المكتبات ولابد من طلبها مباشرة من الناشر، مع أنها وصلت للقائمة الطويلة ومن ثم القصيرة، ومنها الرواية الفائزة، ولا أعلم موطن الخلل هنا، وأتمنى أن تحرص إدارة الجائزة على أن تولي الأمر هذا اهتمامها لتكون الأعمال المرشحة في المتناول مع اعلان قائمة الروايات التي تقدمت للمسابقة دعما لها وتشجيعا معنويا لكتابها على الأقل .

فهد توفيق الهندال