يعدّ فيلم “دريم سيناريو” (Dream Scenario) من الكوميديا السوداء والمغامرات النفسية، إذ يقدم فكرة فريدة تعتمد على الأحلام والواقع. الفيلم من بطولة نيكولاس كيج الذي يقدم أداءً متميزًا كعادته. يحكي الفيلم قصة أستاذ جامعي مغمور، يبدأ بالظهور فجأة في أحلام الناس حول العالم دون تفسير، مما يقلب حياته رأساً على عقب. ويبرز الأداء التمثيلي لكيج، متنقلا بين الطرافة والاضطراب العاطفي بسلاسة. ليعكس الإخراج والتصوير حالة الانفصال بين الواقع والخيال بطريقة ذكية، مما يعزز الشعور بالغرابة والتوتر النفسي.
الفيلم من تأليف النرويجي كريستوفر بورغل (Kristoffer Borgli)، وهو أيضًا الذي أخرجه. ويتميز بورغل بأسلوبه الخاص في تناول مواضيع نفسية واجتماعية بأسلوب يجمع بين الكوميديا السوداء والتأمل الفلسفي. لهذا جمع الفيلم الغموض والغرابة، مما خلق جاذبية فورية للأحداث. إذ تتعمق القصة في مفاهيم الهوس الجماعي والشهرة المفاجئة وكيف يمكن لتلك الشهرة أن تتحول من نعمة إلى نقمة. الفيلم يقدم تساؤلات فلسفية حول معنى الشهرة والمسؤولية الاجتماعية، ويعكس بذكاء كيف يمكن للأحلام أن تؤثر على الواقع. رغم أن الفيلم قد يبدو بطيئًا في بعض الأحيان بسبب طبيعته التأملية، إلا أن عنصر الغموض والأحداث غير المتوقعة يجعلان المشاهد متيقظًا طوال الوقت. بالنسبة لمن يحبون الأفلام التي تدفع للتفكير وتثير التساؤلات، “دريم سيناريو” يقدم تجربة سينمائية مختلفة وغير تقليدية.
حصل فيلم “دريم سيناريو” على ترشيحات لعدد من الجوائز البارزة. أبرزها ترشيح نيكولاس كيج لجائزة أفضل ممثل في فيلم موسيقي أو كوميدي ضمن جوائز غولدن غلوب لعام 2024، وذلك لأدائه في هذا الفيلم الذي جمع بين الكوميديا السوداء والتأمل في الشهرة المفاجئة. بالإضافة إلى ذلك، تم ترشيح الفيلم لجائزة أفضل فيلم موسيقي أو كوميدي في جوائز الأقمار الصناعية (Satellite Awards) لعام 2024، وهو ترشيح يعكس الثناء الذي حظي به الفيلم من النقاد.
هناك العديد من الاقتباسات في فيلم “دريم سيناريو” التي تعكس الأفكار الفلسفية والموضوعات العميقة التي يستكشفها الفيلم، خاصة فيما يتعلق بالشخصية الرئيسية بول، ومعاناته مع الشهرة المفاجئة وتأثيرها على حياته. بعض الاقتباسات المهمة تدور حول التوتر بين الواقع والخيال، ومسألة السيطرة على حياتنا أو انفلاتها:
بول ماثيوز: “أنا فقط أستاذ عادي، لماذا أنا؟” – هذا الاقتباس يلخص دهشته من أن يصبح فجأة جزءًا من أحلام الناس ويعكس شعوره بالارتباك والاضطراب.
أحد الشخصيات الجانبية: “لا يمكنك الهروب من أحلامنا، بول” – يوضح هذا الاقتباس مدى التأثير الذي باتت الأحلام تمارسه على واقعه، مما يعمق من تعقيد القصة.
في النهاية، يعد فيلم “دريم سيناريو” جريئًا وفريدًا يستحق المشاهدة، خاصة لمحبي الكوميديا السوداء والأفلام التي تتحدى المفاهيم التقليدية للواقع والخيال.
في محاولة لتفكيك مفهوم “البطل الأمريكي” كما يظهر في شخصيات مثل سوبرمان، كابتن أمريكا، وسبايدرمان، فإن ذلك يرتبط بشكل وثيق بمفهوم “رحلة البطل” أو Monomyth الذي وصفه جوزيف كامبل في كتابه “البطل بألف وجه” (The Hero with a Thousand Faces). رأى كامبل أن هناك نمطًا عالميًا في قصص الأبطال عبر الثقافات المختلفة، حيث يتبع البطل مراحل محددة تشمل الخروج من العالم العادي، مواجهة العقبات، والحصول على مكافآت معينة بعد التغلب على الشر.
1. مرحلة الدعوة إلى المغامرة:
في قصص الأبطال الأمريكيين مثل سوبرمان وسبايدرمان، تكون الدعوة إلى المغامرة واضحة جدًا. يُرسل سوبرمان إلى الأرض كرضيع من كوكب كريبتون، بينما يكتسب سبايدرمان قواه عن طريق حادث عرضي. هذه الدعوة للمغامرة تشبه المرحلة الأولى من رحلة البطل عند كامبل، حيث يُستدعى البطل لمواجهة تحديات خارج نطاق حياته العادية.
2. التحول والتطور الشخصي:
تحتوي هذه الأفلام على تحول داخلي للبطل الذي يبدأ كشخص عادي ثم يتطور ليصبح رمزًا للقوة والشجاعة. في حالة كابتن أمريكا، ستيف روجرز كان جنديًا ضعيفًا قبل أن يتحول بفضل مصل القوة. هنا نرى تشابهًا مع المرحلة الثانية من رحلة البطل، حيث يخوض البطل اختباراته ويتحول من الداخل من خلال مواجهة العقبات، مثلما يحدث في قصص هرقل أو جلجامش.
3. العودة والمكافأة:
يشير كامبل إلى أن عودة البطل إلى المجتمع بعد استكمال رحلته ليشارك الآخرين ما تعلمه. بالنسبة لسوبرمان، كابتن أمريكا، وسبايدرمان، نجد أن دورهم كأبطال خارقين يتطلب العودة باستمرار إلى حماية المجتمع بعد مواجهة الشر. كما أن لديهم مسؤولية أكبر نتيجة لقواهم، مما يشير إلى عنصر “العودة بالمكافأة” عند كامبل. سوبرمان يعود دائمًا لحماية الأرض، وسبايدرمان يدرك أن قوته تأتي بمسؤولية عظيمة، تمامًا كما يصف كامبل في رحلات الأبطال الأسطوريين.
4. البطل كرمز اجتماعي وثقافي:
يمثل الأبطال الأمريكيون في جوهرهم القيم الثقافية التي يروج لها المجتمع الأمريكي مثل الحرية، المسؤولية، والعدالة، ما يعكس،تصوّر كامبل عن البطل في أي ثقافة، بأن يعكس أحلام وطموحات المجتمع الذي ينتمي إليه. وبالتالي، فإن الشخصيات مثل كابتن أمريكا وسوبرمان ليست مجرد شخصيات خيالية، بل رموز للهوية والقيم الأمريكية، بما قد ينطبق عليهم وصف كامبل لشخصية البطل بأنهم “يعملون كمرشدين روحيين للمجتمعات”!
وتعكس الأفلام الأمريكية شخصيات الأبطال الخارقين (سوبرمان، كابتن أمريكا، وسبايدرمان) مفهوم “البطل الأمريكي المنقذ” في الثقافة الشعبية، حيث يجسد كل منهم قيمًا مختلفة تدور حول الشجاعة، العدالة، وحماية الضعفاء. على الرغم من اشتراكهم في هدف مشترك يتمثل في محاربة الأشرار وإنقاذ البشرية، إلا أن هذه الشخصيات تُظهر تنوعًا في الأساليب، الخلفيات، والرسائل التي يحملها كل منهم. فيما يلي مقارنة وصفية بين هذه الشخصيات الثلاثة:
سوبرمان (Superman):
سوبرمان، الذي ابتكره جيري سيغل وجو شوستر عام 1938، هو النموذج الكلاسيكي للبطل الخارق. ينحدر من كوكب كريبتون، مما يجعله أجنبيًا على الأرض ولكنه أيضًا يمثل رمزًا للاندماج في المجتمع الأمريكي. يجسّد سوبرمان الأمل والقوة الفائقة التي تأتي من قوة خارقة للطبيعة، وهو عادة ما يكون متفوقًا على أعدائه بقوته الجسدية الهائلة، وقدرته على الطيران، والبصر الليزري. في تمثّل شخصيته الظاهرية كشخص عادي، كلارك كنت، التواضع والعلاقات الإنسانية الطبيعية، بينما شخصيته البطولية تجسد الحلم الأمريكي القائم على حماية الضعفاء ومكافحة الظلم أينما وجد. ليُظهر سوبرمان البطل المنقذ المثالي الذي يتجاوز الحدود البشرية.
كابتن أمريكا (Captain America):
ظهر كابتن أمريكا في عام 1941 كنتاج مباشر للحرب العالمية الثانية، وهو من إبداع جو سايمون وجاك كيربي. على عكس سوبرمان الذي يأتي من خارج الأرض، فإن كابتن أمريكا يمثل البطل الوطني الأمريكي، حيث كان ستيف روجرز جنديًا ضعيفًا تحوّل إلى بطل خارق بعد خضوعه لتجربة طبية من قبل الحكومة الأمريكية. يرمز كابتن أمريكا إلى الوطنية والالتزام بالقيم الأمريكية، ويمتاز بالانضباط العسكري والشجاعة التي لا تتزعزع في مواجهة الأعداء، سواء كانوا أشرارًا خارجيين أو حتى تهديدات داخلية تمس الديمقراطية. قوته الخارقة أقل من سوبرمان، ولكن إرادته والتزامه الأخلاقي هما ما يميزه كقائد وشخصية ملهمة في الحروب والمعارك السياسية لأمريكا ضد خصومها.
سبايدرمان (Spider-Man):
يمثّل سبايدرمان، الذي ابتكره ستان لي وستيف ديتكو عام 1962 الجانب الأكثر إنسانية من الأبطال الخارقين. بيتر باركر مراهق عادي، تعرض للدغة عنكبوت مشع منحه قدرات خارقة مثل القوة الفائقة، سرعة رد الفعل، وإمكانية التسلق على الجدران. ومع ذلك، فإن ما يميز سبايدرمان هو صراعه الداخلي، لكونه يكافح لتحقيق التوازن بين حياته كبطل خارق ومراهق يواجه تحديات الحياة اليومية مثل الدراسة والعمل ورعاية عمته. وسبايدرمان يمثل البطل الشعبي القريب من الناس، والذي يواجه أعداء في الحي والشوارع، بدلاً من تهديدات عالمية ضخمة. شعاره الشهير “مع القوة العظيمة تأتي مسؤولية عظيمة” يجسد الأخلاق الأساسية التي تحكم أفعاله، ويجعل من قصصه تأملات في المسؤولية الفردية والاجتماعية للمواطن الأمريكي.
الرابط الأساسي بين أفلام سوبرمان و كابتن أمريكا و سبايدرمان هو تجسيدها لفكرة “البطل الأمريكي المنقذ”، والذي يظهر كشخصية خارقة تحارب الأشرار أينما كانوا وتحمي المجتمع الأمريكي من التهديدات، وإن كانت غير حقيقية! على الرغم من تنوع خلفياتهم، إلا أنهم يتشاركون في مواضيع مركزية، مثل المسؤولية الأخلاقية، التضحية من أجل الآخرين، والدفاع عن العدالة في تصوّر الذهنية الأمريكية فقط!
1. الدفاع عن “القيم الأمريكية”: كل هذه الشخصيات ترمز إلى قيم مثل العدالة، الحرية، والدفاع عن المظلومين. على سبيل المثال، كابتن أمريكا يمثل القيم الوطنية والديمقراطية الأمريكية بشكل مباشر، في حين أن سوبرمان، رغم كونه فضائيًا، يجسد الحلم الأمريكي من خلال تبنيه للإنسانية والدفاع عن الخير. 2. الصراع بين الحياة الشخصية والمهنية: على الرغم من أن سوبرمان يتعامل مع قوته الهائلة، إلا أنه في حياته ككلارك كنت يحاول أن يعيش حياة طبيعية. بالمثل، سبايدرمان يواجه التحديات اليومية كمراهق عادي، بينما يتحمل مسؤولية إنقاذ الآخرين. هذا الصراع يظهر في جميع الأفلام كجزء أساسي من بناء الشخصيات.
3. المسؤولية: سواء كان ذلك في شعار سبايدرمان “مع القوة العظيمة تأتي مسؤولية عظيمة”، أو في تضحية كابتن أمريكا من أجل الآخرين، أو في الالتزام الأخلاقي لسوبرمان، فإن موضوع المسؤولية يُشكل جوهر كل شخصية. جميعهم يتعاملون مع قوة عظيمة ويواجهون القرار حول كيفية استخدامها بشكل صحيح.
4. محاربة الشر: كل شخصية تواجه أعداء يشكلون تهديدات للمجتمع أو العالم. تختلف هذه التهديدات من أعداء فضائيين في سوبرمان، إلى تهديدات محلية ووطنية في كابتن أمريكا وسبايدرمان، لكن الرابط بينهم هو هدفهم في حماية الناس من الأشرار.
في النهاية، الرابط الرئيسي بين هذه الشخصيات هو الرسالة البطولية التي ترتكز على التضحية الشخصية لحماية المجتمع، مع اختلافات في الطريقة التي يتم بها تجسيد هذه الأفكار وفقًا لخلفيات وأهداف كل بطل، وسر البطولة المختلف لكل واحد على حده.
يمكن مقارنة أفلام الأبطال الخارقين الأمريكية مثل سوبرمان وكابتن أمريكا وسبايدرمان مع قصص أبطال عالمية أخرى من الثقافات المختلفة التي تجسد مفهوم “البطل المنقذ”، حيث نجد عناصر مشتركة في مواجهة الشر، الدفاع عن المجتمع، والتضحية بالنفس. فيما يلي مقارنة بين هذه الأفلام وبعض القصص العالمية:
1. سوبرمان مقارنة بـ جلجامش (ملحمة جلجامش – بلاد ما بين النهرين):
سوبرمان، القادم من كوكب آخر، يتفوق بقدراته الخارقة ويُعتبر رمزًا للأمل والعدالة. على نحو مشابه، جلجامش في الملحمة السومرية هو ملك نصف إله يتمتع بقوة عظيمة، وينطلق في رحلة بحث عن الخلود بعد فقدان صديقه أنكيدو. كلا البطلين يمثلان فكرة القوة التي تسعى إلى استخدام قدراتها من أجل مصلحة البشرية، رغم اختلاف الخلفيات والقصص. جلجامش يواجه مخلوقات خارقة وقوى طبيعية، بينما سوبرمان يقاتل قوى الشر التي تهدد الأرض.
2. كابتن أمريكا مقارنة بـ الملك آرثر (الأساطير البريطانية):
كابتن أمريكا يمثل البطل الوطني الذي يتميز بالولاء للوطن والدفاع عن العدالة، وهو ما يشابه شخصية الملك آرثر في الأساطير البريطانية. كلا الشخصيتين يمثلان رمزًا للقيم والمبادئ الأخلاقية، حيث يجسد آرثر الملك العادل الذي يسعى إلى حكم مملكته بنزاهة وحماية الضعفاء بمساعدة فرسان الطاولة المستديرة. على الرغم من أن كابتن أمريكا يأتي من خلفية عسكرية حديثة، إلا أن القيم المشتركة بينهما هي الولاء، التضحية من أجل الآخرين، والنضال من أجل الحق.
3. سبايدرمان مقارنة بـ رابطة الصعاليك (القصص الشعبية العربية):
سبايدرمان هو بطل يواجه تحديات الحياة اليومية كمراهق عادي، بينما يقوم أيضًا بحماية الناس ومحاربة الأشرار في مدينته. هذه الفكرة مشابهة لرابطة الصعاليك في القصص الشعبية العربية، حيث كان الصعاليك أناسًا عاديين منبوذين من المجتمع، ولكنهم اتخذوا دورًا بطوليًا في الدفاع عن الضعفاء والعدالة. ولعل الأسباب خلف الأعمال البطولية مختلفة: سبايدرمان يتصرف بدافع المسؤولية الشخصية، بينما الصعاليك يتحركون نتيجة الظلم الاجتماعي، ولكن كلا القصتين تعرض بطلًا يعاني من صراعات داخلية ولكنه لا يتخلى عن مساعدة الآخرين.
4. سوبرمان مقارنة بـ هرقل (الميثولوجيا اليونانية):
هرقل، مثل سوبرمان، هو نصف إله يمتلك قوة خارقة ويكلف بمهمات عظيمة مثل “الأعمال الاثني عشر” في الأساطير اليونانية. هرقل وسوبرمان يواجهان أعداء أقوياء ويستخدمان قوتهما لإنقاذ الآخرين والتصدي للشر. هرقل يجسد الشجاعة والتحمل، وكذلك سوبرمان الذي يسعى إلى تحقيق العدالة على الأرض على الرغم من كونه من عالم آخر.
بالرغم من اختلاف الخلفيات الثقافية، تتشارك هذه القصص في تجسيد البطل الذي يحارب الشر ويضحي من أجل الآخرين، سواء كان البطل يمثل قوة إلهية كما في الأساطير القديمة أو يكون إنسانًا عاديًا يكتسب القوة بفعل ظروف خارقة. الأفلام الأمريكية مثل سوبرمان وكابتن أمريكا وسبايدرمان تقدم فهما حديثا لهذا المفهوم الذي يعود إلى جذور عميقة في التاريخ الإنساني، حيث تتجسد فكرة البطل المنقذ في معظم الحضارات لتعكس القيم الأخلاقية والدروس الإنسانية المشتركة، في محاولة تبرير أفعال البطل، ولو كان الشر مفهوما مطلقا، أي فضفاضا بحسب رؤيته ومصالحه فحسب، لاسيما وأن الأبطال النموذج هنا تجمعه ألوان العلم الأمريكي ( الاحمر، الابيض، الأزرق) في احتكار محصور لشخصية البطل المفترض (أمريكيا) على مر العقود وربما العصور!
تلقي أصوات قصيدة (مديح الظل العالي)، بتكرارها القوي واستخدامها للغة المفعمة بالرموز المتجددة، على ظلها الطويل على ما يحدث في غزة ولبنان اليوم.لتخلق إحساسًا بالصراع المستمر والتحدي الدائم، مما يعكس الواقع المؤلم الذي نشهده اليوم في غزة. النص مليء بالأصوات الحادة والصارخة مثل “ق” و”ص” و”ط”، والتي تبرز صوتيًا مشاعر العنف والألم، مثل الانفجارات والدمار الذي يحدث في غزة حاليًا، وكأن الشاعر كان يستشرف مستقبلًا يستمر فيه الاحتلال والقهر ضد الشعب الفلسطيني. تتكرر في النص، كلمات “بحر”، “حصار”، و”لا مفر”، تمامًا كما تعيش غزة تحت حصار مستمر، وكأن هذه الكلمات تنبض بأصوات الحياة في مدينة محاصرة تُحرم من أبسط مقومات الحياة الكريمة. تكرار كلمة “بحر” يخلق إيقاعًا صاخبًا، يشبه أصداء الانفجارات التي تتردد في سماء غزة، في الوقت الذي كان يمكن للبحر أن يكون مكانًا للحرية ولكنه صار رمزًا للحصار. في حين يأتي الصوت “لا… لا مفر” مكررا في النص ليعكس الإصرار على المقاومة، على الرغم من قسوة الحصار الذي يُغلق الأبواب أمام السكان. هذا يتجلى في غزة حاليًا، حيث لا يملك الناس خيارًا سوى الثبات والمقاومة، حتى وإن كانت الظروف مأساوية. يحمل الصوت في النص دلالة الفوضى، وكأن الأصوات المتداخلة تشبه أصوات الاستغاثات وصيحات الأطفال والعائلات العالقة تحت الأنقاض اليوم. فالإيقاع الفوضوي والتكرار ينعكسان كصدى لصوت حياة المدينة وهي تتعرض لدمار متواصل، كما لو أن الصدى هنا يرمز لاستمرار المقاومة وعدم الاستسلام أمام آلة الحرب.
في معرض الاستماع لقراءة قصيدة (مديح الظل العالي) وقفت عند الموسيقى الشعرية فيها، لتلعب دورًا هامًا في تعزيز المعاني وتأكيد الحالة النفسية والعاطفية لمحمود درويش. ويمكن تحليل المستوى الصوتي من عدة جوانب:
التكرار: يستخدم درويش التكرار بشكل بارز، كما يظهر في تكرار عبارات مثل “يا أهل لبنان… الوداعا” و”البحر أبيض” و”أو لا تُدَوِّنْ”. التكرار هنا يضفي على النص نغمة إيقاعية تشد الانتباه وتعمق الإحساس بالوداع والحيرة. كما يعزز التكرار الإيقاع الداخلي للقصيدة، ويمنحها بعدًا من الرتابة المتعمَّدة التي تعكس التعب واليأس.
التنغيم والتقفية: لا تتبع القصيدة وزنًا شعريًا تقليديًا، بل تعتمد على إيقاع حر يتنوع بتنوع الأفكار والمواقف العاطفية. لكن هناك تنغيم داخلي بين الكلمات والجمل من خلال القوافي الجزئية أو المقاطع الصوتية المتشابهة. وهناك توافق صوتي بين كلمات مثل “البحر” و”الدهشة”، و”الجمر” و”القدر”، مما يعزز الإيقاع الموسيقي الداخلي للقصيدة.
الاستفادة من الأصوات الحادة والمشددة:
تستخدم الأصوات الحادة مثل “ص” و”ق” و”ط” في الكلمات ذات الدلالات الحادة أو العنيفة مثل “القصيدة”، “المأساة”، “المقصلَهْ”، مما يخلق تناغمًا بين المعنى والشكل الصوتي. وتضفي هذه الأصوات توترًا ودراما على النص، خاصة في المقاطع التي تتحدث عن الألم أو الصراع.
الأصوات الساكنة والممتدة:
يخلق استخدام الأصوات الساكنة والممتدة (مثل “أ” و”و”) في كلمات مثل “البحر”، “السماء”، “الهواء”، يخلق كل ذلك إحساسًا بالهدوء والامتداد اللامتناهي، مما يتماشى مع دلالة البحر كفضاء مفتوح ولا نهائي. هذه الأصوات تساهم في تكوين جو من الاستسلام أو التأمل، خاصة في المقاطع التي تتناول مفاهيم الغربة أو الفناء.
الإيقاع الداخلي والطباق:
تعتمد القصيدة على إيقاع داخلي قوي يتشكل من خلال التناقضات الصوتية والمعنوية، مثل “ما أوسع الثورة، ما أضيق الرحلة”، حيث يعزز الطباق بين “أوسع” و”أضيق” من الإيقاع الموسيقي ويضفي على الجملة نغمة تأملية عميقة.
الطول والتقطيع:
يساهم الطول المتفاوت للجمل الشعرية في خلق إيقاع مرن. فالجمل القصيرة مثل “والبحر أبيض” و”فاذهب” تأتي كفواصل قوية تضفي على النص شعورًا بالقطع أو الانفصال، بينما تعكس الجمل الطويلة حالة الامتداد التي تتناسب مع موضوع البحر والفضاء اللامتناهي.
إذن، استخدم درويش على المستوى الصوتي مجموعة متنوعة من الأدوات الموسيقية مثل التكرار، التنغيم الداخلي، التنوع في الأصوات الحادة والممتدة، والإيقاع الداخلي لتعزيز تأثير القصيدة. لتعكس هذه الأدوات مشاعر الشاعر من الحيرة، الغربة، والتأمل، وتساعد في إبراز الدلالات الفلسفية العميقة للنص، بما تمّ توظيفه في أصوات النص، ليجسد مشهدًا من الألم والصمود، ويبدو وكأنه صوت الفلسطينيين وهم يقاومون بصوتهم ضد الطغيان، كما يحدث الآن في غزة ولبنان ، إذ أصبحت الأصوات رمزًا للثبات أمام الظروف القاهرة.
تأتي تجربة الشاعرة مريم العبدلي في ديوانها “أشياء لا حوافّ لها” تجربة شعرية خارجة عن المألوف، تحمل في طياتها دلالات فلسفية ونفسية عميقة. إذ يعبّر الديوان عن حالات من الفوضى الداخلية، الاضطرابات النفسية، والبحث المستمر عن معنى للوجود. من خلال هذه الرؤية، يمكن تحليل الظواهر الدلالية والتداولية في الديوان، مع التوقف عند المفردات الشعرية المستخدمة.
الظواهر الدلالية في الديوان
1- دلالات الألم والعدم
يركز الديوان على دلالات مرتبطة بالألم والعدم، إذ يعبر عن الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان في مواجهة قسوة الحياة وتفاهة الكينونة. مفردات مثل “العدم”، “الوجود”، “الخلاص” و”الجسد” تظهر بشكل متكرر لتعكس التشظي النفسي والاضطراب الوجودي. في قصيدة “ما هو أكثر جحيمية من الجسد”، يظهر الجسد كرمز للمعاناة والعذاب، كأن الشاعرة تحاول أن تعبر عن أن الجسد ذاته ليحمل داخله مأساة الإنسان الأساسية. ويتشكّل العدم في ديوان العبدلي عبر صور شعرية تجسّد الفراغ والغياب التام للمعنى. من الأمثلة البارزة:
• “سننجو… من العدم نفسه” . هذه العبارة بسيطة، لكنها مؤثرة تعبّر عن محاولة البحث عن الخلاص، لكن ليس من الحياة أو الموت، بل من العدم ذاته، لكونها توحي بأن العدم ليس فقط غيابًا للوجود، بل هو أيضًا تهديد يلاحق الإنسان.
• “أنت الذرّةُ ـ العدمُ اللا- شيئيّةُ”. هنا تتجسّد صورة العدم بشكل ملموس، حيث يتم تصوير الذات كذرة خالية من المعنى والوجود، وهي تتلاشى في الفراغ المطلق، بما يُفيد التلاشي والتفكك التي يشعر بها الفرد في لحظات الضياع.
• “الانطفاء ليس نقيض الاحتراق، لا نقيض من الأصل” . هنا تلخيص لفكرة العدم في الديوان، حيث لا توجد ثنائية واضحة بين الحياة والموت أو بين الوجود والعدم. إنها صورة متشابكة تعبر عن حالة الفوضى التي يعيشها المرء في مواجهة العالم، حيث يختفي النقيض وتصبح الأشياء مجرد تجليّات للعدم.
2- التعبير عن الذات الممزقة
يُظهر الديوان حالةً من التفكك الداخلي في العديد من النصوص، مثل “أن أكون شاعرة” و”الهالكون”، فيعرض هذا التفكك وضع الذات الأنثوية التي تعيش تحت وطأة العزلة والخوف، فتأتي الذات وكأنها مفككة إلى أجزاء لا يمكن إصلاحها، تُعاني من عدم القدرة على تحقيق خلاص من هذه الحالة.. “أنا التي اختارت بكل فداحة مرارة أن تعيش خائفة من أن يترصدها أصدقاء الموت”، مما يعكس قوة حضور الخوف، فتظهر الذات الممزقة في الديوان، من خلال صور شعرية تعبر عن تفكك النفس وتحللها، ويكن الوقوف عند هذه الصور:
• “أنا الآنَ أنفرطُ عضواً عضواً” . هنا تعبير عن تجربة التفكك الداخلي، فالذات لم تعد كيانًا متماسكًا، بل مجموعة من الأجزاء التي تتساقط وتتلاشى، كما لو كانت مهددة بالانفصال عن ذاتها وعن العالم من حولها.
• “الظلُّ بأربعةِ رؤوس!” . تصوّر الذات الممزقة، التي تتواجد في أماكن متعددة في نفس الوقت. فالظل الذي عادة ما يكون صورة موحدة، يتحول إلى كيان منفصل يحمل رؤوسًا متعددة، مما يعبر عن الانشطار الداخلي للذات والشعور بالتشتت.
• “الموت بديهيٌّ كالمطلق، مريعٌ كالأبد”. ربطٌ بين الموت والخلود في الأبدية، فتعلق الذات بين الموت والحياة، وهي تتأرجح بين حالة الاحتضار المستمرة والبقاء في حالة من الجمود المميت، وهو ما يعكس التمزق الداخلي للروح.
3- تمثيل المرأة بوصفها كائن هش ومتحدي
ليست المرأة في هذا الديوان ضحية للظروف فحسب، بل هي كيان يواجه تحديات وجودية صعبة، ويعكس أحيانًا تمردًا على الواقع المادي المحيط. ففي قصيدة “أنا الشجرة التي أنكرت الماء وتحالفت مع الفؤوس”، نجد أن الشاعرة تمثل المرأة ككيان يتمرد على الضرورات الطبيعية والمجتمعية، حيث تعيد تعريف أدوارها الأنثوية بشكل مغاير. وتنعكس هذه الهشاشة في صور شعرية تتحدث عن الجسد والعقل بوصفهما كيانين مهددين بالتفكك والانهيار:
• “أجسادٌ تأثّثتْ رؤوسُها بلغْمٍ أسموهُ العقل” . ففي هذه الصورة يأتي العقل كقنبلة موقوتة، والجسد كرأس مليء بالألغام. و لا يمثّل العقل هنا الحكمة أو الوعي، بل هو مصدر للتهديد والتدمير الذاتي، مما يعكس هشاشة الإنسان أمام نفسه.
• “أُتقنُ قراءةَ هذا العبثِ اللعيِن… الذي يبني في العقلِ أعشاشاً للغبار!”. وتصوّر السريالية العقل كمساحة عبثية يمتلئ بالغبار والفوضى، لتعكس حالة الانهيار الداخلي التي يعيشها الإنسان. ولعل الفكرة هنا، أن العقل نفسه قد يصبح مكانًا للفوضى والهشاشة، بدلاً من أن يكون مصدرًا للاستقرار والتوجيه.
• “جسدي مِسبحةٌ آيلةٌ للانفراط” . وتعبّر هذه الصورة المتداولة ذهنيا عن هشاشة الجسد البشري، الذي يوصف بأنه مِسبحة، أي شيء مقدس، لكنه مهدد بالانفراط والتلاشي. وهي رمزية عن الشعور بالضعف أمام قوى الحياة والموت.
تستند مريم العبدلي على لغة مفتوحة للتأويل، فتترك قارئها الأنموذج أمام أسئلة وتحديات حول معنى الحياة والوجود. لتدعو هذه الأسئلة هذا القارئ للدخول في عملية تبادل المعنى مع النص، إذ يعتمد فهم النصوص على التجربة الذاتية لهذا القارئ. ولا تقدّم النصوص في الديوان إجابات مباشرة، بل تسعى للتواصل مع متلقيها عبر تركيبة تجريدية غامضة تتطلب منه فك شفراتها. ليتقاطع الخطاب الشعري في هذا الديوان مع تجربة المرأة، ويستحضر الألم النفسي بوصفه جزءاً من الهوية الأنثوية. وتعكس النصوص تجربة الشاعرة كشخص يعيش في حالة من التوتر والاضطراب النفسي الدائم. ولعل الإهداء الذي يتصدر الديوان:
“إلى المصابين بنوبات الهلع
وإلى الأسماء المكتوبة في سجلات الطب النفسي
إلى كل الذين ليسوا على ما يرام
سننجو”.
يعكس التأثير النفسي الواضح على النصوص، وقد يمثل تواصلاً مع فئة معينة من المجتمع تعيش تجارب مشابهة، لكن النجاة هي النهاية المفترضة، مهما طالت، باي شكل كانت!
من هنا، تسهم السياقات النفسية والاجتماعية في تشكيل المعاني المختلفة للنصوص. فتُشير اللغة في النصوص إلى علاقة حوارية بين الشاعرة وقارئها، إذ تتجسد الأفكار المتعلقة بالقلق والخوف والوجود ضمن سياقات اجتماعية تعبر عن المرأة المعاصرة.
المعجم الشعري للديوان
1. المفردات الفلسفية والوجودية: تأتي المفردات المستخدمة في الديوان مثل “العدم”، “الجحيم”، “الخلاص” و”الجسد”، لتمثّل تداخلاً فلسفياً عميقاً مع الأسئلة الوجودية. تحمل هذه المفردات دلالات مرتبطة بالألم والمعاناة، وتشير إلى أزمة وجودية مستمرة. لتنقل هذه اللغة تأملات الشاعرة حول الوجود في عالم يبدو عبثياً ولا يقدم حلولاً.
2. المفردات النفسية: جاءت النصوص مليئة بمفردات تعكس الحالة النفسية مثل “الاكتئاب”، “الهلع”، و”اليأس”. فتعبر هذه المفردات عن حالة دائمة من الصراع النفسي، وكأن النصوص تعبر عن مواجهة لا نهائية مع قوى نفسية غامضة وصعبة السيطرة.
3. المفردات الطبيعية والكونية: يأخذ استخدام الشاعرة لمفردات الطبيعة مثل “الظلال”، “النجوم”، “الأرض” طابعاً سريالياً. لتخرج هذه المفردات عن معانيها التقليدية، فتصبح تجسيداً لحالات نفسية أو فلسفية، كما في تصوير النجوم على أنها “سمكة محنطة”.
4. المفردات الجسدية: تعبّر مفردات مثل “الأحشاء”، “الدم”، “العظام” عن هشاشة الإنسان وأزمته النفسية. فليس الجسد هنا جسم مادي فحسب، بل هو ساحة للصراع الداخلي، وهو ما يعكسه الديوان بشكل متكرر.
يقدّم ديوان “أشياءٌ لا حوافّ لها” لمريم العبدلي تجربة شعرية غنية عميقة، تجمع بين الطابع الفلسفي والوجودي والتعبير النفسي، ويعكس استخدام الشاعرة للمفردات النفسية والفلسفية والطبيعية روحاً متمردة تحاول إيجاد معاني جديدة للحياة ووجودها، في عالم تتفشى فيه الفوضى والاضطراب. وذلك بتوظيف لغة مفتوحة للتأويل، تفتح الشاعرة باباً جديداً للتفاعل مع قارئها الأنموذج، مما يجعل النصوص المكوّنة له، مساحة حوارية غنية معه، منغلقة مع غيره من القراء. ولكن بالنهاية، هي تجربة ورسالة موجه من الذات نحو من يشبهها. يمثل الديوان (أشياءٌ لا حوافّ لها) قفزة شعرية طويلة بعد ديوانها الأول السابق “رواه عقل”، ليمنحها طابعاً مميزاً ضمن الشعر المعاصر.
فهد توفيق الهندال
مريم العبدلي، أشياء لا حوافّ لها، دار عرب، لندن 2023
شاهدت الفيلم في بداية الثمانينات عبر القناة الثانية من تلفزيون الكويت على جزأين ضمن السلسلة الشهيرة روائع القصص. لأشاهده ثانية عبر احدى منصات الأفلام بعد كل هذه السنوات.
باتون Patton فيلم تاريخي انتج في العام 1970، يعدّ أبرز الأفلام الحربية لكونه يسرد جانبا من شخصية الجنرال جورج س. باتون، أحد أشهر الجنرالات الأمريكيين في الحرب العالمية الثانية. من إخراج فرانكلين جيه شافنر وبأداء استثنائي من جورج سي سكوت. يدمج الفيلم بين الدقة التاريخية والدراما المشوقة. فالسيناريو، الذي كتبه فرانسيس فورد كوبولا وإدموند إتش نورث، ليعدّ تحفة فنية أدبية بحواره الحاد وأحداثه التاريخية المدروسة. كوبولا، الذي سيصبح لاحقًا مخرجًا أسطوريًا للثلاثية العراب، أضفى على السيناريو مزيجًا من الرسم والتعقيد والدقة، إذ اعتمد الفيلم على كتابي “باتون: المحنة والانتصار” للكاتب لاديسلاس فاراغو و”قصة جندي” للجنرال أومر برادلي، مما يمنحه قاعدة تاريخية متينة.
يلتقط الفيلم جوهر شخصية باتون المتناقضة في عبقريته كاستراتيجي عسكري، بلاغته الشعرية وحبه الرومانسي للحرب، وشخصيته القاسية. ولعل أشهر جملة في الفيلم تأتي من المونولوج الافتتاحي الذي لا يُنسى: “لم يفز أي ابن ساقطة في الحرب بموتٍ من أجل بلاده. بل فاز لجعله ابن الساقطة الآخر يموت من أجل بلاده”. هذا المونولوج، أمام علم أمريكي ضخم، يضع نغمة الفيلم بأكملها، حيث يمزج حقائق الحرب الوحشية بشخصية أبطالها.
كما يعرض الحوار رؤى باتون حول التظاهر والقدر معا، مما يضفي عليه طابعًا غامضًا، وذلك باعتقاد باتون بأنه كان محاربًا في حيوات سابقة يضيف عمقًا لشخصيته، لكونه يرى أنه محارب قديم من زمن الرومان ويكره القرن العشرين، مما يجعله إلى جانب كاريزما شخصيته، مجنونا أرعن غير متوقعة التصرفات أمام قادته ومنهم أيزنهاور القائد العام لقوات التحالف ضد دول المحور في الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، كان باتون خيارا أولا عند أيزنهاور لأي معركة مجنونة لا يهم حجم الكارثة والضحايا في سبيل النصر!
قدّم جورج سي سكوت أداءً مذهلاً في دور الجنرال باتون. تجسد شخصيته بشكل مسرحي طيفًا كاملاً من سمات الشخصية المتمثلة في قسوة باتون، غروره، جاذبيته، وهشاشته معا. يؤدي سكوت شخصية باتون بحدة هائلة تجعل من المستحيل إبعاد النظر عنه، عبر أدائه القوي، إذ جسّد حب باتون للحرب، ووطنيته الشديدة، وتناقضاته العميقة. وأبرزت قدرة سكوت على الانتقال من خطابات النصر الاستعراضية إلى لحظات التأمل الهادئ، براعته المذهلة في تقديم شخصية متناقضة.
إحدى أكثر المشاهد تأثيرًا في الفيلم هي عندما يصفع باتون جنديًا مصابًا بالصدمة النفسية في مستشفى ميداني، وهي واقعة تاريخية غيرت مسار باتون ذاته. وجاء أداء سكوت في هذا المشهد مبهرا ، حيث يعرض طبيعة باتون القاسية وإيمانه بعدم وجود مكان للجبن في الحرب. ومع ذلك، نراه بعد ذلك بوقت قصير يفكر في تصرفاته بشكل خاص، مما يكشف عن شخص يعاني من العيوب وإنسانيته في النهاية. فكانت حادثة صفع الجندي والاعتذار له أمام عموم قوات الجيش الثالث الذي يرأسه باتون، لعنة ملازمة له حتى بعد عزله عن كل قيادات الجيوش الأمريكية برغم ما ساهم به من انتصارات.
قدّم الممثل كارل مالدن في دور الجنرال أومر برادلي توازنًا مثاليًا مع أداء سكوت. إذ شكّل باتون العسكري الناري وغير المتوقع، كان برادلي هادئًا ومتزنًا ودبلوماسيًا. ليمثل الرجلان أساليب قيادة مختلفة، ويعزز ذلك أداء مالدن الهادئ مقابل أداء سكوت الأكثر اندفاعًا.
كان الإخراج لفرانكلين جيه شافنر، وهو الأضخم من حيث النطاق ودقة التنفيذ. يوازن بين مشاهد الحركة في الفيلم وبين لحظات التأمل، مما يضمن أن شخصية باتون تبقى محور القصة الرئيسي. إذ ركّز شافنر على عظمة باتون لكنه أيضًا استكشف عذابه الداخلي. لهذا لا يعدّ الفيلم تمجيدًا بسيطًا للحرب بل دراسة لشخص أحب الحرب واعتقد أنه مقدر له تحقيق مصير وقدر.
مع الإدارة البارعة لشافنر لمشاهد المعارك الميدانية، حيث جسّد الفوضى في المعركة، بينما يعطي الجمهور إحساسًا بالجغرافيا والاستراتيجية. وقد تم تنسيق المعارك بدقة، ليظهر المخرج تأثير قرارات باتون دون تمجيد العنف ذاته.
تم تصوير فيلم باتون في عدة دول، منها إسبانيا والمغرب وإيطاليا. لتضفي هذه المواقع أصالة على تصوير الفيلم لمسرح العمليات الأوروبي وشمال إفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية، ولعل الصحاري القاحلة في شمال إفريقيا كانت لافتة للنظر بشكل خاص، حيث تعزز الظروف القاسية التي واجهها باتون وقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية.
ولعلّ واحدة من أكثر المشاهد التي لا تُنسى هي معركة القطار في إيل قوتار، والتي تم تصويرها في التلال الوعرة في إسبانيا. فالمناظر الطبيعية تعزز النطاق الملحمي للفيلم وتخلق خلفية حية للمواجهات بين قوات باتون والجيش الألماني، مما عزّزت ضخامة هذه المواقع لشخصية باتون نفسه، الذي كأنه حربه تُدار على مسرح عالمي لا أرض حربية.
مع اقتراب الحرب من نهايتها، يظهر استياء باتون من السلام. ليعترف بأنه يشعر بأنه لا مكان له دون حرب يقاتل فيها، قائلاً: “بالمقارنة مع الحرب، تتضاءل جميع أشكال الجهد البشري الأخرى لتصبح غير ذات أهمية.” تلخص هذه العبارة إدمان باتون على ساحة المعركة وعدم ارتياحه لأي شيء خارج الحياة العسكرية، وذلك لحبه التاريخي للحرب.
حقّق فيلم باتون نجاحا من الناحية النقدية والتجارية، حيث فاز بسبع جوائز أوسكار في عام 1971، بما في ذلك:
أفضل فيلم
أفضل مخرج (فرانكلين ج. شافنر)
أفضل ممثل (جورج سي سكوت) — رغم أن سكوت رفض الجائزة بشكل شهير.
أفضل سيناريو أصلي (فرانسيس فورد كوبولا وإدموند إتش نورث)
أفضل تصميم إنتاج
أفضل مونتاج فيلم
أفضل صوت
كما تلقى الفيلم ترشيحات لجوائز أفضل تصوير سينمائي وأفضل مؤثرات بصرية، مما يؤكد إنجازاته الفنية والتقنية. وأصبحت موسيقى الفيلم واحدة من الأيقونات الموسيقية.
يظل فيلم باتون واحدًا من أعظم أفلام الحرب على الإطلاق، ليس بسبب مشاهد المعارك أو نطاقه التاريخي، بل بسبب تصويره الذي لا يُنسى لشخصية استثنائية للجنرال باتون، وما كانت تخفيه من غطرسة في قراءة التاريخ، وأنه لا يكتب إلا بمدافع المحاربين أمام عدسات الكاميرات وعناوين الصحف، وهي المعركة التي يخسر فيها باتون دائما. وما كان لهذا المقصد أن يتحقق من الفيلم لولا الأداء المذهل لجورج سي سكوت، مدعوما بإخراج ملحمي من شافنر وسيناريو ذكي من كوبولا، ليقدم الفيلم استكشافًا غنيًا ومتعدد الطبقات لقائد عسكري عظيم ولكنه عانى من العزلة بسبب هوسه بالحرب مهما كان الثمن.
تعد قصيدة “سيرةٌ إنسانيَّةٌ للرِّمال” للشاعر السعودي جاسم الصحيّح واحدة من أبرز الأعمال الأدبية، ليس في منجز الصحيّح فحسب، بل وفي الشعر العربي الحديث. تعكس القصيدة بعمقها وثرائها التعبيري قوة الشاعر في نقل المشاعر والأفكار المتعددة بأسلوب شعري راقٍ ومؤثر. يلامس الصحيّح قلوب القراء من خلال استخدامه للصور الذهنية المتنوعة والمبدعة، ويثير فيهم مشاعر الانتماء والفخر والحب للوطن، لتحتل هذه القصيدة مكانة مرموقة في الأدب العربي بفضل عمقها الفني، وقدرتها على التعبير عن التحديات والصمود والتفاني في خدمة الوطن.
وتكمن أهمية القصيدة في جوانبها الأدبية، منها:
1.التعبير عن الوطن
فتعدّ القصيدة لوحة فنية تعبر عن حب الوطن والتفاني من أجله. إذ قدّم الشاعر صورة مدهشة للوطن ككيان حي ينبض بالحياة، يواجه التحديات ويصنع المجد. في هذا السياق، يعبر الشاعر عن الوطن بكلمات ملهمة:
“فتَجَلَّى في مداها وَطَنٌ
يُلْهِمُ الحاضِرَ أنْ يغدو حَضَارَةْ”
كما يشبّه الشاعر الوطن بالبحر، الذي يحتوي على حيتان كثيرة دون أن تُفسد محاره، مما يعكس غنى الوطن وتنوعه مع الحفاظ على نقائه وجوهره:
“وَطَنٌ كالبحرِ في سِيرتِهِ..
كثرةُ الحيتانِ لم تُفسِدْ مَحَارَهْ!”
2. الصور الذهنية المبتكرة
يعكس تشبيه النهارات بخيول مستثارة والليالي كغارات متتابعة، حركة الزمن والتحديات المستمرة، مما يُضفي على القصيدة ديناميكية وقوة تعبيرية:
“النهاراتُ خيولٌ مُسْتَثارَةْ
والليالي غارةٌ تتبعُ غارَةْ”
كما يُضيف استخدام الشاعر لصورة الرّمال بعدًا فلسفيًا للقصيدة، وذلك بوصف الرّمال عرّافة تقرأ الوقت وتستجلي مداره، إذ تصبح الطبيعة جزءًا من حكاية الإنسان وتاريخه:
“والرمالُ ابْتَدَأَتْ عَرَّافَةً
تقرأُ الوقتَ وتستجلي مَدارَهْ:
3. الجمال الأسلوبي
تتميز القصيدة بلغة شعرية رصينة وموسيقى داخلية متناغمة، مما يعكس براعة الشاعر في استخدام اللغة العربية وتطويعها لتناسب موضوع القصيدة:
“وطني.. إنَّ رصيدًا من هَوًى
عاشَهُ الأجدادُ، ضَاعَفْنَا ادِّخارَهْ”
ويستخدم الشاعر التكرار بشكل فني يعزز من تأثير القصيدة على المستمع والقارئ، مما يجعلها أكثر تذكرًا وتأثيرًا:
قليلة هي الأعمال السينمائية التي تثير فينا أسئلة عديدة، حول القضية الرئيسة التي تطرحها، والنتيجة المتوقعة من خطها الدرامي، بما تمرّ به أحداثها ونمو شخصياتها في حواراتها المتصارعة. لتسأل ذاتك بعدها، كيف يمكن أن يكون موقفك في الحياة، إن مررت بموقف مشابه؟
شاهدت مؤخرا فيلم (رحلة 404) تأليف محمد رجاء واخراج هاني خليفة، وبطولة مجموعة من الفنانين.
يحكي الفيلم قصة (غادة) التي تستعد لأداء فريضة الحج في رحلة تجدها غادة مستحقة لها في بحثها عن نور الخلاص بعد توبتها من ماضيها المُظلم، إلا أن ضغوط الواقع المعيش وذاكرته تقف أحجار عثرة في طريق هذه الرحلة، بسبب حادث تتعرض له والدتها المُطلقة من والدها، لتبدأ الحبكة في نثر خيوطها ببراعة من قبل الكاتب والتقاط المخرج لتفاصيل الحالة التي تمرّ بها غادة ومن حولها، لتدخل في صراع حول معنى التوبة، هل هي فكرة مجرّدة أم خاطرة عابرة؟
الملاحظ في شخصية (غادة) ومعنى الاسم الفتاة المتمايلة بنعومة ودلال، أنها تعيش هذا التمايل بين نوعين من الحياة، من الناحية الشكلية ميلها منذ بداية الفيلم إلى ارتداء الملابس والأحذية ذات الكعب العالي والاكسسوارات ذات طابع الموضة والماركات العالمية، وملّيها للظهور بشكل الشخص المواظب على العبادات، في صراع بين هوس الحياة واستهلاكها مقابل بطء وعي التوبة وتواضعها، و لا يتزن ذلك مع مقاصد الرحلة وغايتها. إلى جانب الشخصية الفظة التي اتسمت به لفطًا وفعلًا لاسيما مع من حولها، والدتها ووالدها، في كمية الفعل التلفّظي البذيء. وهو ما يخالف الحالة المتوقعة بعد التوبة والاستعداد لرحلة الخلاص!
إذن، تتوقف اجابة السؤال السابق ( هل التوبة فكرة مجردة أم خاطرة عابرة ) على مدى القناعة بأن الاعتراف بالخطيئة هو نصف التوبة وطريقها الواضح. فالاعتراف أولا هو ضمان عدم العودة للخطيئة مهما كانت مغريات الحاجة. وهو ما وقعت في اختباره غادة طوال الفيلم، فالحاجة كانت طريقا موازيا للخلاص، فأيهما يغلب في النهاية؟
تميّز الفيلم بالحوارات الواقعية والمناسبة لحالات الشخصيات بعيدًا عن المثالية، بل كانت طبيعية كما هي في الحياة، حيث قسوة التفكير ولغته. ولأن الخلاص صعب في ثبات التوبة، هو ما تلفظت به غادة في ملفوظها ( أنا رايحة أحج بس مش ثابتة!). فالثبات طريق صعب في رحلة التوبة والخلاص.
هل يمكن أن نقتنع بما جاء على غلاف ديوانه الصادر بعد وفاته ” لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي ” بأنه الأخير كما قرر الناشر وقتها ؟
فهل جاءت نصوصه المختارة بين غلافيه سلفا موافقة لغربة درويش المكانية ، أم جاءت خلفا يوازي رغبة الناشر التسويقية؟
بكل تحفظ ، لانعتقد أنها محاولة موّفقة لاقفال هذه الرحلة الشعرية ، بختم أصفر ، مطبوع عليه ” الديوان الأخير ” ، فما تزال للشعر جولات و صولات عند محمود درويش ، لن تعيق حضوره في حضرة الغياب . فالديوان المذكور ، لم يكن سوى عبور جديد لدرويش في جداريته الشعرية. خاصة وأن الديوان حمل وصية شعرية ” لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي ” .
لقراءة الديوان كان لابد من اقتفاء أثر الفراشة منذ جداريته الأولى ، وما حملته من حشد كبير من رؤى محمود درويش الشعرية للعالم بكل تناقضاته وأطيافه من حوله ، وقد توسد فيها الشاعر ذلك المرتقى البعيد على سفح قمة المطلق الأبيض على باب القيامة خارج المكان :
أرى السماء هناك في متناول الأيدي .
ويحملني جناح حمامة بيضاء صوب
طفولة أخرى . ولم أحلم بأني
كنت أحلم . كل شيء واقعي . كنت
أعلم أنني ألقى بنفسي جانبا ..
وأطير . سوف أكون ما سأصير في
الفلك الأخير . وكل شيء أبيض ،
البحر المعلق فوق سقف غمامة
بيضاء . واللاشي أبيض في
سماء المطلق البيضاء . كنت ، ولم
أكن . فأنا وحيد في نواحي هذه
الأبدية البيضاء . جئت قبيل ميعادي
فلم يظهر ملاك واحد ليقول لي :
” ماذا فعلت ، هناك ، في الدنيا ؟ “
ولم اسمع هتاف الطيبين ، ولا
أنين الخاطئين ، أنا وحيد في البياض ،
أنا وحيد .. ” (جدارية محمود درويش )
فأيّ بياض يمكن أن يشعر به درويش في وحدته في ذلك المطلق؟
هل هو بياض الصمت؟ الخطيئة؟ الخروج من هذه الدنيا كما دخلها فردا أعزل؟
كانت الجدارية خريطة النص لدرويش في أعماله اللاحقة ، العودة للذات، للأنا. ومن هذه الأعمال ديوانه ” لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي “، حيث عاد المكان الأول ، متجردا من كل شيء إلا بما ارتبطت به ذاكرة درويش .. ليستحيل المكان إلى ظرف مكاني رمزي ” ههنا ” ، ويتوقف الزمان عند لحظته التي تمرد فيها على قوانين الوقت و فيزياء الطبيعة ، واختصرها بـ ” الآن ” طوال ديوانه المذكور .
فالمكان .. تنوعت ضفافه الروحية في عيني درويش ” الشعر / الذات ” ، وهما المسافرتان التائهتان في الألوان ، الهاربتان من المرايا ، الصافيتان ، الغائمتان ، فيصبح المكان :
كما نلاحظ الثنائية الممزوجة بين ضميري المتكلّم (أنا/نحن) وأفعال الكلام المرتبطة بهما على امتداد اللوحتين الشعريتين، بما يفيد حالة الشتات المتأرجحة بين الذاتية والجماعة بينهما، مع تلاقي البياض باللاشيء، وكأنها نتيجة المعادلة الشعرية بين اللوحتين.
ليعود به المكان في الديوان الأخير إلى بروة في طللية خاصة بها ، ليقف على عتبة الحنين إلى وقد تجرد من محدثات الزمن ، واكتفى برؤية صوره الأولى :
” أقول لصاحبّي : قفا .. لكي أزن المكان
وقفره بمعلقات الجاهليين الغنية بالخيول
وبالرحيل . لكل قافية سننصب خيمة .
ولكل بيت في مهب الريح قافية ..
ولكني أنا ابن حكايتي الأولى،
والسرير تهزه عصفورتان صغيرتان .
ووالدي يبني غدي
بيديه .. لم أكبر فلم أذهب إلى المنفى . ” ( طللية بروة )
إذن، تجلّت الصورة الشعرية هنا، بالعودة لينابيع الصبا الصافية، دون شوائب الزمن اللاحق، الحكاية الأولى بأبجدية براءة الطفولة، وهو حنين متشبّع في شعر درويش الأخير.
ليملأ الهواء المكان بالزنبق ، ليضرب له موعدين ، الأول مع أميل حبيبي ، حيث السؤال عن الفرق بين ” هنا ” و ” هناك ” ، وما قد تعنيه الواو من مسافة مجازية . لقاء لم يكن من أجلالرثاء ، وإنما ليمشي على الطرقات القديمة مع رفيق الطفولة والصبا .. ومع ذاته هو(درويش):
” لا لأرثيه جئت ، بل لزيارة نفسي .
ولدنا معا و كبرنا معا . أما زلت يا
نفس أمارة بالتباريح ؟ أم صقلتك
كما تصقل الصخرة الريح ؟ تنقصنا
هدنة للتأمل : لا الواقعي هنا
واقعي ، ولا أنت فوق سفوح الأولمب
هناك ، خيالية . سوف أكسر أسطورتي
بيدي ، كما يكسر الطفل كوب الحليب ” ( موعد مع اميل حبيبي )
أما الموعد الثاني ، فالمكان بيت نزار ، وقد تجول درويش بين زوايا ذاكرته ، وقد تحوّل إلى بيت من الشعر :
” بيت الدمشقي بيت من الشعر .
أرض العبارة زرقاء ، شفافة . ليله
أزرق مثل عينيه . آنية الزهر زرقاء
والستائر زرقاء .
سجاد غرفته أزرق . دمعه حين يبكي
رحيل ابنه في الممرات أزرق . آثار
زوجته في الخزانة زرقاء . لم تعد
الأرض في حاجة لسماء ، فإن قليلا
من البحر في الشعر يكفي لينتشر الأزرق
الأبدي على الأبجدية . ” ( في بيت نزار قباني )
والزرقة قد تكون رمز الخلاص / الصفاء / الراحة ، وهو ما قد يلوذ به درويش وقتها، مستجيرا بها من عبث ألوان الأرض.
ليعود درويش إلى رام الله ، التي استقر بها بعد المنفى :
” لا أمس لي فيها سواك ،
وما خرجت و ما دخلت ، وإنما
تتشابه الأوصاف كالصفصاف
ماعزها سطور قصيدة رعوية
ومحطة الارسال ترسل صورة صوتية
لمدينة ، تبنى على عجل ،
ويسقفها السحاب
– ها نحن عدنا اثنين من سفر
أنا وحكايتني الأولى ،
يقول رفيق ذاكرتي
– إلى سفر مجازي ، أقول
وأول الأرض اغتراب . ” ( في رام الله )
وبعد العودة لرام الله، المدينة التي بُنيت على عجل لتكون عاصمة الحكم الذاتي، وهي أشبه بالفتاة الصغيرة التي زوّجوها مبكرا من كهل مثقل بالحكايا والخيبة، ليأتي الغياب ثانية ، ليخلُفَ المكانَ حاضرا ، كغيمة غدها المطر ، تفصله عن القادمين مسافة طويلة ، يستطيع الآن أن يلتفت للوراء بكل سلام ، ويخلف الشعر وصية من لا أحد إلى كل شاب يكمل دورة الشعراء الدمـوية ، يوصيه بأن القصيدة ناقصة ، والفراشات وحدها تكملها ، فتقيم مع الواقع علاقة ودية ، لا تنظر للماضي ومواقفه الرمادية، و لا لقول النظم الخطابية، وإنما الشعر فقط، متجردا من كل شيء إلا زرقة الذات والمكان الأول وكل كائناته البيضاء. ليبقى لحنها فلسطيني الهوى و الهوية .
” الناس لا يهمهم ما أكتبه عن ما يمثلني، الناس يهمهم أن تكتب عن ما يحبونه .” سينتارا جولدن
كانت هذه إحدى اقتباسات الفيلم التي شجعتني على مشاهدته لأكثر من مرة، لما تبيّنه من أهمية الكتابة في حياة الكاتب قبل أن تكون للمجتمع، والعكس كذلك.
يقدّم فيلم “American Fiction” أو “الخيال الأمريكي” تجربة ساخرة عن مجتمع الأفرو أمريكان، متناولا الصورة النمطية المنعكسة عنه عبر قضاياه المستمرة، كالعنصرية، المخدرات، العصابات، عدم الاستقرار الأسري و القتل دوما على يد عناصر الشرطة!
تدور قصة الفيلم حول ثيلونيوس “مونك” إليسون، وهي شخصية متخيّلة، يعمل كاتبا روائيا وفي نفس الوقت أستاذا جامعيا. يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي مثير يعرض “مونك” في جدال مع إحدى طالباته “من البيض” حول عنوان عنصري للنقاش، حيث تصر الطالبة البيضاء على أن الموضوع الذي يثيره مونك فيه من العنصرية ضد مجتمع الأفروأمريكان، وهو عكس المتوقع من شخصية مونك الذي يعتقد أنها تجاوز كل أشكال العنصرية في مدينته هوليوود، ويتحدث بواقعية!
هذه الحادثة وما سبقها من حوادث سابقة لمونة، فرضت على إدارة الجامعة الطلب منه بأخذ إجازة مفتوحة، وهو ما جعله يعود لمدينته بوسطن، وهناك يواجه منعطفا غير متوقع في حياته، بوفاة شقيقته المفاجئ، ليكون مسؤولا عن والدته التي تعاني الزهايمر، ليبقى معها في الواقع الذي هرب منه سابقا.
خلال وجوده يتعرض مونك للكثير من الضغوط التي تتطلب منه البحث عن مصدر دخل جديد يفي بالتزاماته مع والدته، ووفاة شقيقته دكتورة القلب، ولامبالاة شقيقه دكتور العمليات التجميلية المِثلي، وأيضا لشعوره بعدم التقدير لأعماله الروائية التي تصنّف رغما عن رغبته بأنها من (أدب الأفرو أمريكان) فقط لأنه محسوب على هذا المجتمع، ليكتبوفي ليلة واحدة، رواية ساخرة أشبه بالدعابة تحت اسم مستعار، حملت الكليشيهات المعروفة عن مجتمع الأفرو أمريكان ولغة غير معتادة من مونك الشخصية المثقفة المتعالية والرافضة لهذا المجتمع، لتكون المفاجأة من قبل وكيله الأدبي أن روايته الجديدة مطلوبة من قبل كبار الناشرين “البيض” الذين رفضوا اعماله السابقة، ليجد نفسه في مواجهة معنجاح كبير غير متوقع للرواية، وهو ما أوقعه في صراع بين واقع يهرب منه، وخيال يُعيده إليه. فواقعه لا يمكن أن يكون مختلفا عن الكليشيهات التي كتبها ساخرا، هي تمثل واقعا لحياته الشخصية والأسرية، فوالده المُتوفى دكتور عاش حياته وراء ملذاته حتى أقدم على الانتحار، وشقيقته الدكتورة تعيش واقعا اجتماعيا صعبا بعد انفصالها عن زوجها. وشقيقه كليف، تطلق من زوجته بسبب اكتشافها لحياته المثلية لا لكونه متعاطي للمخدرات. كذلك شخصية الجارة كورالين، وهي أيضا منفصلة، وتبادلت الود مع مونك إلا أنها تركته بسبب أسلوبه المتعجرف من حياة مجتمعه. إذن الواقع الذي رفضه مونك سابقا وتعالى عليه، سرعان ما اكتشف أنه حقيقي ولا يمكن نكرانه.
يطرح الفيلم ثنائية الأدب الرائج والرفيع، ويسلط الضوء على الفرقبينهما وكيف يستطيع كاتب واحد تقديمهما معًا، وكيفية الموازنة بين أدب نخبوي وآخر جماهيري. كذلك يناقش الفيلم أيضًا ثنائية أخرى بينكتابات تحاول الخروج عن الأنماط الشائعة عن كتابات فئة معينة،وكتابات تصنف على أنها أدب هذه الفئة لكونه يقدم مضامينها ضمنإطارهذه الأنماط. وهو ما أدخل مونك في جدال فكري مع منافسته وابنة مجتمعه الكاتبة الشهيرة سينتارا جولدن التي عادة تدمج هذه المضامين في كتاباتها عن حياة مجتمعها لكونه الأكثر طلبا ومبيعا عند مجتمع البيض، ولعل المفارقة التي أدت لهذا الجدال وصول روايته الساخرة والتي غيّر اسمها بكلمة “مبتذلة” للقائمة القصيرة لجائزة أدب رفيعة، جمعت الصدفة مونك وسينتارا معا في لجنة تحكيمها. وهنا يكتشف مونك تناقض سينتارا التي تكتب روايات هي أشبه بروايته المبتذلة، إلا أنها صوتت ضدها لأنها تجدها مقيته ولا تستحق الترشح لابتذالها وسطحيتها!
يسخر الفيلم من المنظومة الثقافية الأمريكية – كمثال – من خلال نجاحرواية تهكمية/ مبتذلة/ سطحية بشكل غير متوقع، لتتحول إلى فيلممرشح للأوسكار، مما يزيد من حيرة مونك وتناقضاته الداخلية بشكل رمزي يشير بالنقد اللاذع للنظام الثقافي الأدبي كجزء من منظومة أكبرتساهم في تسليع الأدب والتنميط العنصري، والعلاقة الخفية بين الأدب والرأسمالية، مهما حاول أصحاب الأدب الرفيع نكران هذه الحقيقة ورفض هذا الواقع بخيال متوهم عن ما يكتبون. ولعل أكثر عبارة عميقة أظهرت حقيقة هذا الخيال المثالي عن الأدب، ما قاله آرثر الوكيل الأدبي لمونك: ” بأنه عليك في بعض الأحيان أن تكسر أولى قوانين البيع بعدم الاستخفاف بمدى غباء الناس” !
يعدّ مسرح الطفل أهم وسائل التعبير الفني والتعليم في المجتمع، حيث يجمع بين المتعة والتعلم في بيئة تفاعلية وآمنة للأطفال. يلعب هذا النوع من المسرح دورًا كبيرًا في تنمية الخيال، وتعزيز القيم، وتحفيز الفضول لدى الأطفال نحو المعارف.
يمتد تاريخ مسرح الطفل لعصور طويلة، فهو متجذر في ثقافات مختلفة حول العالم. بدأ مسرح الطفل كمفهوم غير رسمي في المجتمعات القديمة، حيث كانت الروايات الشفوية والقصص الشعبية تلعب دورًا كبيرًا في تعليم الأطفال وتثقيفهم. في العصور الوسطى، كانت المسرحيات الدينية تُعرض في أوروبا كجزء من احتفالات الكنسية، وكانت تتضمن عناصر تجذب الأطفال. مع مرور الوقت، بدأت هذه المسرحيات تتطور وتصبح أكثر تخصصًا لتلبية احتياجات الجمهور الصغير. وفي القرن التاسع عشر، شهد مسرح الطفل تحولًا كبيرًا بفضل جهود الأفراد والمنظمات الذين أدركوا أهمية تطوير مسرحيات مخصصة للأطفال. فبدأت الفرق المسرحية في تقديم عروض تستهدف الأطفال بشكل مباشر، مع التركيز على القيم التعليمية والترفيهية.
كانت بدايات مسرح الطفل في القرن العشرين، مع المسرحيّات الأولى التي كتبها الاسكتلندي جيمس باري الذي كتب مسرحية (بيتر بان)عام 1902، ليأتي بعده الكاتب البلجيكي موريس ماتيرلنك من خلال عمله المسرحي (العصفور الأزرق) عام 1907م، ثم الاسباني اليخاندرو كاسونا الذي كتب مسرحيتي (العصفورة الملونة) عام 1928(الحورية الخارجة من الماء) عام 1934، ليصبح مسرح الطفل جزءًا أساسيًا من الثقافة الشعبية. ففي الولايات المتحدة وأوروبا، بدأت المدارس والمراكز الثقافية بتنظيم عروض مسرحية للأطفال بانتظام. كما شهدت هذه الفترة ظهور مؤلفين مسرحيين متخصصين في كتابة النصوص للأطفال، مثل لويس كارول الذي كتب (أليس في بلاد العجائب)، تيد هيوز الذي قدّم أعمال (عظام النمر)، (شون والغبي والشيطان والقطط) و (مجيء الملوك) . لتدخل أعمال ديزني مضمار العمل المسرحي باقتباس الكثير من شخصياتها في أعمال مسرحية كثيرة.
في حين، انطلق مسرح الطفل العربي من عروض الدّمى المتجولة ومسرح الظل والأراجوز بين الحواري والمدن والريف، ليُعتبرذلك الشكل الأول لمسرح الطفل.وفي مطلع الستّينات من القرن العشرين، أصبح مسرح الطفل ضمن السياسة الثقافية والتربويّة للحكومات العربية، لما فيه توجيه نحو الانتماء للموروث العربي والحس القومي. وقد تأسس أول مسرح للأطفال في مصر سنة 1964،ولعل العرض المسرحي الخاص بالدمى (الليلة الكبيرة) لصلاح جاهين وسيد مكاوي أهم عروض تلك البدايات. وفي سورية تأسس مسرح العرائس عام 1960 وكان يُقدّم عروضه ضمن نطاق المسرح المدرسي، حتى تحوّل لعروض خارج النطاق المدرسي يقدمها ممثلون محترفون بعدما كانت منحصرا على ممثلين من الطلبة والطالبات، ومن أشهر العروض المسرحية وقتها التي كتبها الكاتب اللبناني فائق الحميصي والشاعر السوري سليمان العيسى.
وفي الكويت، وهي الرائدة خليجيا في مسرح الطفل، حيث بدأ بالظهور بشكل ملحوظ في السبعينيات من القرن العشرين، تزامنًا مع النهضة الثقافية والفنية التي شهدتها البلاد. كانت البدايات متواضعة، ولكنها سرعان ما تطورت بفضل جهود عدد من الفنانين والمثقفين الذين أدركوا أهمية هذا النوع من المسرح في تنشئة الأطفال، فقد انطلق مسرح الطفل في بداياته من مسرح العرائس تحت عنوان (أبوزيد بطل الرويد) (1974) لفرقة المسرح الكويتي، من تأليف الشاعر الأسير الشهيد فايق عبدالجليل، وإخراج أحمد خلوصي. بعدها كانت جهود المسرح التربوي على يد الكاتبة عواطف البدر وهي المتمرسة في النشاط المسرحي التربوي بما قدمته عبر مؤسستها الفنية من أعمال خالدة في مرحلة التأسيس من منتصف السبعينيات إلى الثمانينات، مستقطبة أسماء عربية للاستلهام من الموروث الشعبي العربي وقد أثمر ذلك نحو 30 عملا خلال 10 سنوات امتدت منذ العام 1978 وحتى العام 1986 ، ومن بين تلك الأعمال السندباد البحري والبساط السحري وغيرها، شارك في تأليف تلك الأعمال مجموعة من الكتّاب العرب، ومنهم خلف أحمد خلف من البحرين ومحفوظ عبد الرحمن والسيد حافظ من مصر، ولعل أهم المخرج الفنان الراحل منصور المنصور هو من أهم المخرجين من تبنّوا وقتها مسرح الطفل وإخراج عدد كبير من أعماله الخالدة. ثم ينتقل مسرح الطفل بعدها لمرحلة من رحم الأكاديميةعلى يد خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت، فيشكّل طريقا جديدا على يد نخبة من الكتاب والمخرجين، فقدمت أعمال مسرحية للطفل خلال نهاية الثمانينات والتسعينات، مستعيرة من القصص الإنساني ما يكون مناسبا للاسقاط على واقع تلك الحقبة.
وعند مناقشة واقع وحال مسرح الطفل اليوم، لابد من الوقوف على المدارس التي تأسس عليها تبعا لرسالة العمل المسرحي المخصص للعرض، والمدارس هي:
1. المدرسة الكلاسيكية:
تتميزهذه المدرسة بالتركيز على القصص الكلاسيكية والمعروفة، كالقصص المخصصة للأطفال، كسارة البندق، بينوكيو، صاحب الظل الطويل، وغيرها. تهدف إلى تعليم الأطفال القيم التقليدية والأخلاق من خلال سرد قصص تروي أحداثًا معروفة ومحبوبة.
2. مدرسة التفاعلية:
تركز هذه المدرسة على تفاعل الأطفال مع العرض المسرحي، حيث يتم إشراكهم في القصة من خلال الحوار والتفاعل المباشر مع الممثلين. يساعد هذا النهج على تعزيز المشاركة النشطة والفهم العميق للمحتوى.
3. مدرسة التعليم من خلال الترفيه (Edutainment):
تسعى هذه المدرسة إلى دمج التعليم بالترفيه، حيث يتم تقديم مواضيع تعليمية مثل العلوم والتاريخ والجغرافيا في قالب مسرحي مشوق. يهدف هذا النهج إلى جعل التعلم ممتعًا ومثيرًا للاهتمام.
4. المدرسة النفسية:
تركز على الجوانب النفسية والاجتماعية لتنمية الطفل، من خلال تقديم مسرحيات تعالج قضايا مثل الصداقة، والهوية، والشجاعة. تهدف هذه المسرحيات إلى تطوير مهارات التفكير النقدي والعاطفي لدى الأطفال.
ومن هنا، تنوّع مسرح الطفل بحسب أهدافه وأدواته، لنجد هذه الأنواع:
1. المسرح التعليمي:
يهدف إلى تقديم مواد تعليمية بطريقة مشوقة، حيث يتم دمج المناهج الدراسية في العروض المسرحية لتعزيز الفهم والاهتمام بالمواد الأكاديمية. يمكن أن تشمل هذه العروض مواضيع مثل الرياضيات، العلوم، والتاريخ.
2. المسرح الاجتماعي:
يركز على قضايا اجتماعية مثل التنمر، الصداقة، وقيم التعاون. يستخدم المسرح الاجتماعي لتوعية الأطفال بالقضايا التي قد تواجههم في حياتهم اليومية وكيفية التعامل معها بطريقة إيجابية.
3. المسرح الخيالي:
يعتمد على القصص الخيالية والأساطير لإثارة خيال الأطفال وتحفيزهم على التفكير الإبداعي. يعتبر هذا النوع من المسرح وسيلة رائعة لنقل الأطفال إلى عوالم جديدة ومغامرات ممتعة.
4. المسرح الموسيقي:
يدمج الموسيقى والغناء والرقص في العروض المسرحية لجعل التجربة أكثر حيوية وجاذبية. يساعد هذا النوع من المسرح في تطوير مهارات الاستماع والإيقاع لدى الأطفال، ويشجعهم على المشاركة النشطة.
5. مسرح الدمى:
يستخدم الدمى كوسيلة رئيسية لتقديم العروض. يعتبر هذا النوع من المسرح جذابًا للأطفال الصغار، حيث يمكن للدمى أن تجسد شخصيات وأحداث بطريقة مشوقة وبسيطة.
6. المسرح التفاعلي:
يتيح للأطفال فرصة المشاركة الفعلية في العرض، سواء من خلال اتخاذ قرارات تؤثر على مجرى القصة أو من خلال الانخراط في الأنشطة التفاعلية على المسرح. يعزز هذا النوع من المسرح الثقة بالنفس والمهارات الاجتماعية لدى الأطفال.
والملاحظ للأنواع السابقة، يجد أنها تكاد تجتمع حاليا في عمل مسرحي واحد للطفل، وهو ما يعني تعدد وظائف مسرح الطفل ووسائله في مراحل مختلفة من مسيرته الكويت. لكن السؤال المهم، هل يحقق هذا الخلط الأهداف المؤسسة والمستقبلية لرؤية مسرح الطفل؟
المتأمل لحال مسرح الطفل في الكويت، لا يجد سوى عروض معدودة وسط هذه الكثرة الغالبة على المسرح وفيما يقدّم على أنه موجه للطفل!
فاليوم بات العرض المسرحي عبارة عن عروض استعراضية مستمرة على مدار العمل بالاستفادة من الانبهار الصوتي والبصري بفضل التطور التكنولوجي، مع استعارة شخصيات خيالية غير منتمية للموروث العربي والمحلي، وتعزيز العروض بممثلين قدموا أعمال تصنّف على أنها للكبار، ومشاهير من السوشيال ميديا، مما قد يضعف الأداء المطلوب والدقيق لمسرح الطفل، وفوق هذا كله، ضعف النصوص وخلوها من رؤى تربوية ذات رسالة توعوية بقيم المجتمع وهويته ويجعل فكرة الاقتداء والانتماء في إشكالية كبيرة!
هذه بعض المقترحات لتطوير رؤية مسرح الطفل في الكويت:
1- تحسين النصوص المسرحية، عبر كتابة نصوص تتناسب مع عقلية الأطفال واهتماماتهم، مع التركيز على القيم التعليمية والترفيهية.
2- التدريب والتأهيل، بتوفير دورات تدريبية للممثلين والمخرجين حول كيفية التعامل مع الأطفال وفهم نفسياتهم.
3- دعم وتفعيل النشاط المدرسي، بتنظيم عروض مسرحية داخل المدارس لتعريف الأطفال بالمسرح وتوسيع دائرة الجمهور.
4- دعم الإنتاج الأهلي، بتوفير بنية تحية ولوجستية للمشاريع المسرحية الخاصة بالأطفال، وفق معايير فنية ومقاييس الجودة.
5- توسيع المشاركة في المهرجانات المحلية والدولية الخاصة بمسرح الطفل، لتبادل الخبرات وعرض الأعمال المسرحية على نطاق أوسع.
6- إشراك الأطفال: تشجيع الأطفال على المشاركة في الأعمال المسرحية، من خلال ورش خاصة للكتابة والتمثيل والإخراج.
7- إجراء دراسات وأبحاث حول تأثير المسرح على الأطفال وكيفية تحسين العروض بما يتناسب مع تطورهم النفسي والعقلي، مع تقييم مستمر للتجارب المسرحية المقدمة للطفل.
آملين أن تُسهم هذه المقترحات في تطوير مسرح الطفل وجعله وسيلة فعالة للتعليم والترفيه.
أخيرا.. يمثل مسرح الطفل جزءًا مهمًا من الحركة الثقافية والفنية في المجتمع،بفضل الجهود التي يقدمها الفنانون والمؤسسات الثقافية ذو الرسالة المنسجمة مع الفكر التربوي والإبداعي، ليظل مسرح الطفل وسيلة فعالة لتعليم الأطفال وتنمية خيالهم وإبداعهم. فاستمرار دعم هذا النوع من المسرح من شأنه أن يساهم في تنشئة أجيال واعية ومثقفة، وهو ما يُثقل المهمة عليهم في مواجهة تحديات المستقبل وما يشهده من مادية مفرطة، منتجة للترفيه دون الوعي والتثقيف.