التصنيفات
مدونتي

سرديات نهاية العالم

يُشير مفهوم “نهاية العالم” أو ما يُعرف بـ Apocalypse / Post-Apocalyptic Catastrophe  إلى نوع من السيناريوهات أو التصورات التي تتخيّل انهيار الحضارة كما نعرفها، إما بفعل كارثة طبيعية أو حرب نووية أو وباء أو تدخل بشري أو خارق. وهو ما جاء ضمنا دون إشارة مباشرة، في أفكار فرويد، نيتشة، هايدجر، سارتر، كامو، كافكا وستيفن كينج.

ما المقصود بـ”كارثة نهاية العالم”؟
هي لحظة تحول جذري في مصير البشرية، تؤدي إلى:
• تدمير البنى التحتية.
• انقراض أغلب البشر أو تحوّلهم.
• اختفاء القانون والدولة.
• ظهور مجتمعات جديدة بدائية، فوضوية، أو ديكتاتورية.

لماذا أصبح هذا النوع من الأفلام مرغوبا؟
تُساهم في تخليص نفسي من الخوف الوجودي، إذ يعيد تخيّل نهاية العالم السيطرة على المجهول. كذلك اختبار للإنسانية، بما الذي يبقى من الأخلاق عندما تنهار الحضارة؟ وهذا تساؤل فلسفي، مرتبط بسؤال آخر: هل الإنسان يستحق النجاة؟ أم هو سبب الكارثة؟
ولعل خيال ومغامرة لدى المتلقي، يجعل هذا النوع من السينما، من أكثر الأنواع السينمائية تشويقًا وبصرية، والأكثر كتابة وإنتاجا.

سينما نهاية العالم

يمكن رصد نهاية العالم في ثلاث أفلام مختارة، أولها فيلم Furiosa حيث نهاية العالم غير مفسرة بشكل مباشر، لكنها خلفية دائمة، إما انهيار سياسي، بيئي، مجتمعي.
في حين، يلقي فيلم  Book of Eli اللائمة على الحرب النووية في نهاية العالم، لكن الكارثة تتحول إلى مسألة إيمان وبحث عن المعنى التاريخي لكل ما حدث.
أما فيلم Waterworld ، فالعقاب هنا  بيئي، بسبب الاحتباس الحراري المتزايد، وما سببه من ذوبان مستمر للجليد في القارتين القطبيتين.
وليست كارثة نهاية العالم دمارًا بيئيا أو سياسيا أو اقتصاديا، بل   تمثل نهاية اليقين بجدوى العالم الحي، وإعادة لضبط أخلاقية العالم، بتقاسم ثروات الأرض بين كل الأحياء نحو توازن طبيعي وبيئي مستمر، بعد عقود من تغيّر المناخ، وتصاعد حدة الحروب وانتشارها، وتفشي فيروس الطمع الرأسمالي والتكنولوجي.
وفيما يلي، تحليل مقارن للأفلام الثلاث:

يشترك فيلم “Furiosa: A Mad Max Saga”  من سلسلة Mad Max من حيث الثيمات والعالم السردي بفيلمي “The Book of Eli” و”Waterworld”، في نوع “ما بعد الكارثة” (post-apocalyptic)، لكنها تختلف في بعض النواحي الأسلوبية والرمزية. إليك نقاط المقارنة:

1. العالم السردي والمكان:
Furiosa و Mad Max Saga: تدور أحداث الفيلم في صحراء جافة خالية من الموارد، حيث البنزين والماء نادران. تهيمن عليه العصابات والأنظمة القمعية.
في حين يمثل فيلم  The Book of Eli عالم دمرته حرب نووية، قاحل، رملي، حيث يسود العنف وتحكم العصابات القرى، مع احتكار القوة بكل أشكالها، ومنها التاريخ بيد زعيم العصابة بيل كارنيج.
Waterworld على العكس منهما، تدور أحداثه في عالم مغمورو بالماء بسبب ذوبان الجليد، حيث تصبح الأرض الجافة  أسطورة، ويصبح الماء مصدر الحياة والصراع.
الربط بين الأفلام الثلاثة:

1.الطبيعة متطرفة (جفاف أو فيضان) و”الموارد الشحيحة” فتصبح رمزية للسلطة، سواء كانت الماء أو الوقود أو المعرفة (كما في كتاب إيلاي).
2. البطل/البطلة بوصفه(ـا) ناجيًا وحاملاً للمعنى:
• Furiosa: البطلة التي تبدأ كضحية وتتحول إلى محاربة، تقاتل لاستعادة أرضها الأصلية، وتمنح الأمل للآخرين.
• Eli: بطل صامت روحاني، يحمل كتابًا مقدسًا يمثل الأمل والبوصلة الأخلاقية لعالم محطم.
• Mariner في Waterworld: كائن متحوّل يتنقل في عالم غارق، يبحث عن معنى، ويحمي طفلة تحمل خريطة للأرض الجافة.
ليجسد الثلاثة نوعًا من “النجاة الوجودية”، فهم ليسوا مجرد مقاتلين بل رموز للرجاء والخلود الثقافي/الروحي.
3. الصراع:
• في Furiosa، الصراع بين الطغاة ومَن يسعون للحرية.
• في Eli، الصراع بين الحافظ الأخلاقي (Eli) والسلطة المتسلطة التي تريد استغلال الدين.
• في Waterworld، الصراع بين المعرفة (الخريطة للأرض) والطمع.
إذن، يصور كل فيلم رحلة الصراع ضد بنية استغلالية تستحوذ على مورد نادر، ويركز على الصراع الرمزي بين “الحياة/المعرفة” و”السلطة/الاستغلال”.
4. الرؤية الجمالية والأسلوب:
• Furiosa: سرعة، تصوير ديناميكي، مشاهد مطاردة متقنة.
• Eli: ألوان باهتة، إيقاع بطيء، تصوير تأملي فلسفي.
• Waterworld: مغامرة سينمائية ضخمة، مشاهد بحرية مبهرة.
وتستخدم قصص الأفلام الثلاث كلها تستخدم البيئة القاسية كعنصر جمالي وشعري يعكس الفراغ الوجودي والبحث عن المعنى.
في ختام هذا المقال، يتضح أن فكرة “نهاية العالم” ليست مجرد خيال سينمائي أو أدب فانتازي، بل مرآة تعكس أعمق مخاوف الإنسان وأسئلته الوجودية: من نكون حين يسقط النظام العالمي؟ ما الذي يبقى حين تغيب القيم؟ وهل يمكن أن تنبت الحياة من تحت أنقاض الفناء؟
لقد عبرت الروايات والأفلام والفلسفات عن هذه اللحظة الفارقة، كلٌ بلغته، لكن القاسم المشترك هو الإيمان بأن ما بعد الكارثة ليس دومًا موتًا، بل احتمال لبداية جديدة، بشرط أن يكون الإنسان على قدر من الوعي، والإرادة، والأخلاق في مواجهة العدم.
وهكذا، لا تنتهي العوالم في الأدب والسينما، بل تبدأ من جديد ـ بروح أكثر صفاء، وبصيرة أكثر نفاذًا.
فالنهاية، في جوهرها، ليست إلا استعارة مكثفة للبداية.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

أخوة ليلى.. المجتمع في مواجهة المرأة


يُعد فيلم “أخوة ليلى” لكاتبه ومخرجه سعيد روستايي أحد أبرز الأفلام الإيرانية الحديثة التي تعكس الصراعات العائلية في ظل التغيرات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالمجتمع الإيراني. 

يدور الفيلم حول ليلى، المرأة القوية التي تحاول إنقاذ عائلتها من الفقر المدقع، وسط إخوة يتصارعون فيما بينهم بسبب الطموحات الشخصية والميراث.
يتناول الفيلم بواقعية لاذعة المشكلات الاجتماعية مثل البطالة، الفساد، والصراع بين القيم العائلية والتغيرات الاقتصادية. ومن خلال سيناريو متقن، يبرز الفيلم العلاقة المتوترة بين أفراد الأسرة، حيث تحاول ليلى جاهدةً إقناع إخوتها بمشروع استثماري قد يكون طوق النجاة لهم، لكن الطمع والتقاليد يقفان عقبة أمام ذلك.
جاء الحوار في الفيلم عميقا وواقعيا، يعكس التوتر النفسي والاجتماعي الذي يعيشه الأفراد. لا توجد مبالغات أو خطب مفتعلة، بل تسلسل درامي ينساب بسلاسة، مما يجعل المشاهد ينغمس في تفاصيل الحياة اليومية
لشخصيات الفيلم.

الشخصيات
يتميز فيلم “أخوة ليلى” بشخصياته المعقدة التي تمثل جوانب مختلفة من المجتمع الإيراني. من خلال هذه الشخصيات، يقدم الفيلم دراسة نفسية واجتماعية للعائلة الإيرانية، حيث يتصارع كل فرد مع ظروفه وطموحاته في ظل القيود الاقتصادية والثقافية.
1. ليلى (ترانه عليدوستي) – المرأة القوية والمهمشة
• الدور: البطلة ومحور القصة، تمثل العقل المدبر للعائلة.
• التحليل: ليلى هي شخصية قوية، ذكية، وعملية، لكنها تعاني من التهميش بسبب كونها امرأة في مجتمع ذكوري. تحمل على عاتقها مسؤولية إنقاذ إخوتها من الفقر، لكنها تواجه عقبات بسبب تقاليد العائلة والطمع الداخلي.
• الرمزية: تمثل المرأة الإيرانية العصرية التي تسعى للاستقلال والنجاح، لكنها تُحاصر بين المسؤوليات الأسرية والتقاليد الاجتماعية التي تعيق تقدمها.
2. الأب (سعيد بورصميمي) – رمز السلطة والتقاليد القديمة
• الدور: الأب المتسلط الذي يتمسك بالماضي ويرفض التغيير.
• التحليل: يرى الأب أن الميراث العائلي مرتبط بالشرف والمكانة الاجتماعية أكثر من كونه وسيلة للنجاة الاقتصادية. يصر على استخدام المال بطريقة تعزز نفوذه التقليدي بدلاً من التفكير في مستقبل أولاده.
• الرمزية: يمثل الأبوية التقليدية التي تعرقل التقدم من خلال التمسك بالهيبة الفارغة بدلاً من التفكير الواقعي في التحديات الاقتصادية.
3. بيمان معادي (منوشهر) – الفشل القيادي
• الدور: الأخ الأكبر الذي يفترض أن يكون قائد العائلة، لكنه ضعيف وغير قادر على اتخاذ قرارات صحيحة.
• التحليل: يتمتع بصفات قيادية شكلية لكنه يفتقر إلى البصيرة الاقتصادية، مما يجعله مجرد واجهة للسلطة العائلية دون تأثير حقيقي.
• الرمزية: يجسد القيادات الفاشلة في المجتمع، حيث يحاول التمسك بالمكانة التقليدية دون امتلاك القدرة على مواجهة التحديات الحديثة.
4. نويد محمد زاده (علي رضا) – الغضب والاندفاع
• الدور: أحد الإخوة الذي يعاني من الغضب وعدم الاستقرار النفسي.
• التحليل: شخص متمرد، لا يؤمن بالسلطة العائلية، لكنه يفتقر إلى استراتيجية واضحة لتغيير وضعه. يعبر عن إحباطه بالتصرفات العدوانية بدلاً من البحث عن حلول عملية.
• الرمزية: يمثل الشباب الغاضب في إيران، الذين يشعرون بأنهم ضحايا للنظام الاجتماعي والاقتصادي، لكنهم غير قادرين على إيجاد طريق واضح للخروج من الأزمة.
5. الإخوة الآخرون – الطمع والانقسام الداخلي
• الدور: شخصيات ثانوية لكنها تعكس التشرذم داخل العائلة.
• التحليل: كل واحد منهم يسعى لتحقيق مكاسب شخصية على حساب العائلة، مما يعكس كيف تؤدي الأنانية والطمع إلى تدمير الروابط العائلية.
• الرمزية: يمثلون الانقسامات الداخلية في المجتمع، حيث يسعى كل فرد لتحقيق مصالحه الخاصة بدلاً من التفكير في الحل الجماعي.
6. الأم مثلت العاطفة والصبر والتضحية، لكنها في الوقت ذاته شخصية سلبية لا تملك قوة التأثير على قرارات العائلة. رغم حضورها الهادئ، إلا أنها تعكس مأساة المرأة الإيرانية التقليدية التي تجد نفسها وسط صراعات لا تملك القدرة على التحكم فيها.
هي الركيزة العاطفية للعائلة، تحاول تهدئة الأوضاع بين الأب والأبناء، لكنها لا تمتلك سلطة حقيقية. تعيش دور المراقِبة الصامتة، فهي ترى كيف تنهار العائلة لكنها تكتفي بالتحسر دون القدرة على التدخل الحاسم. وتحمل في طيات شخصيتها الاستسلام والخضوع للتقاليد، مما يجعلها نموذجًا للأمهات اللواتي كبرن في ظل نظام أبوي لا يمنحهن القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية. المفارقة أن الأم كانت في صراع مستمر مع المرأة / ابنتها ليلى، لكونها ترى فيها القوة الغائبة عنها
الرمزية:
• تمثل أفكار المجتمع القديمة التي تراقب التغيرات من دون أن تتدخل، تمامًا كما تفعل بعض الأجيال الأكبر سنًا التي تشهد انهيار القيم الاجتماعية دون محاولة التغيير. كما تعكس التهميش النسوي في المجتمع التقليدي، حيث يُنظر إلى النساء كداعمين للعائلة لكن دون منحهن السلطة الفعلية في صنع القرار.
ورغم أن شخصية الأم ليست المحرك الرئيسي في القصة، إلا أنها تعكس مصير الأمهات في العائلات المحافظة، حيث يتحملن عبء المشكلات العائلية لكن دون امتلاك القدرة على التصرف. هي مثال للمرأة التي فقدت صوتها وسط نظام أبوي صارم، مما يجعل شخصيتها حزينة وعميقة في الوقت ذاته.
أبرز الحوارات في فيلم “أخوة ليلى”
يتميز الفيلم بحوارات قوية ومؤثرة تعكس الصراعات العائلية والاجتماعية التي يمر بها الأبطال. الحوارات ليست مجرد كلمات، بل هي صراعات مصغرة تجسد الانقسامات بين الشخصيات، سواء بين ليلى وإخوتها، أو ليلى ووالدها، أو حتى بين الإخوة أنفسهم.
1. مواجهة ليلى مع إخوتها – الحلم الضائع
ليلى: “أنتم لا تفهمون! هذه ليست مجرد فكرة، إنها فرصتنا الأخيرة للخروج من هذا المستنقع!”
المعنى: هنا، تعكس ليلى إحباطها من إخوتها الذين يرفضون الاستماع إليها، وهي لحظة تكشف الفرق بين التفكير العملي (ليلى) والعاطفة والطمع (الإخوة).
2. صراع الأب مع ليلى – سطوة التقاليد
الأب: “الشرف لا يُشترى بالمال يا ليلى، لكنه يُحفظ به!”
ليلى (بغضب): “ما فائدته إذا كنا جوعى؟!”
المعنى: يوضح هذا الحوار التناقض بين الأب، الذي يقدس القيم التقليدية والمظهر الاجتماعي، وليلى التي ترى الواقع بعيون عملية. إنه صراع بين جيلين، بين ماضٍ متجمد ومستقبل يتطلب التغيير.
3. الإخوة وصراعهم حول الذهب – الأنانية والخذلان
أحد الإخوة (باحتقار): “لماذا علينا أن نسمع لامرأة؟ أنتِ تحلمين، ولن نصبح خدامًا لكِ!”
ليلى (بهدوء جارح): “أنا فقط أحاول إنقاذكم من أنفسكم، لكنكم تفضلون الغرق.”
المعنى: في هذه اللحظة، نرى مدى تجذر العقلية الذكورية، حيث لا يستطيع الإخوة تقبل فكرة أن تكون ليلى أذكى منهم، حتى لو كانت محاولاتها لصالحهم.
4. لحظة الانهيار – اعتراف ليلى بالهزيمة
ليلى (بصوت مكسور): “لقد حاولت، لكن لا أحد يريد أن يُنقَذ.”
المعنى: هذه الجملة تلخص مأساة ليلى كشخصية عالقة في بيئة ترفض التغيير، رغم حاجتها الماسة إليه. إنها لحظة الاستسلام، حيث تدرك أن عقلانيتها وذكائها لن يكونا كافيين ضد عائلة تحكمها الأنانية والعادات البالية.
لماذا الحوارات قوية؟
كان كل حوار يحمل انفعالات حقيقية، من الغضب إلى الاستسلام. وتعبر عن الشخصيات بوضوح. فلا يوجد حوار زائد أو عشوائي، بل كل جملة تخدم الحبكة.

التصوير والإخراج
يبرع سعيد روستايي في تقديم فيلمه بأسلوب واقعي وحاد، حيث يركز على التفاصيل الحياتية التي تجعل المشاهد يشعر وكأنه يعيش داخل الأحداث. يعتمد على السرد البطيء المتصاعد، مما يمنح الشخصيات مساحة للتطور ويجعل التوتر العائلي ملموسًا في كل مشهد. من خلال:
التصعيد الدرامي التدريجي: يبدأ الفيلم بمشكلات يومية، لكنه يتطور إلى صراع عائلي واقتصادي مكثف، مما يعكس عبثية الحياة في ظل الفقر والصراعات الاجتماعية.
التحكم في الإيقاع: رغم أن بعض المشاهد تبدو طويلة، إلا أنها تساهم في خلق إحساس بالضغط النفسي الذي يعيشه الأبطال.
إبراز الشخصيات: يستخدم روستايي زوايا تصوير خاصة تجسد الشخصيات وكأنها عالقة في مصيرها، مثل اللقطات القريبة التي تكشف تفاصيل الوجوه والانفعالات بدقة.
التصوير – المرآة البصرية للواقع الكئيب، ليعتمد التصوير في الفيلم على الألوان الباردة والداكنة، مما يعكس الواقع القاسي الذي تعيشه الشخصيات. المصور السينمائي هادي بهزاد نجح في جعل الكاميرا جزءًا من الصراع النفسي والاجتماعي، وذلك من خلال:
اللقطات القريبة (Close-ups): تُظهر وجوه الشخصيات بانفعالاتها الحقيقية، مما يعزز الشعور بالعجز والغضب.
التصوير اليدوي (Handheld Camera): يضفي إحساسًا بالعفوية والواقعية، كأن المشاهد يشاهد وثائقيًا عن معاناة عائلة إيرانية.
الإضاءة الطبيعية: غياب الأضواء الاصطناعية يجعل المشاهد تبدو أكثر واقعية، مما يزيد الإحساس بالقسوة الاجتماعية والاقتصادية.
زوايا الكاميرا الضيقة والمغلقة: تعكس شعور الشخصيات بالاختناق داخل أوضاعهم المأزومة، حيث تبدو البيوت والشوارع وكأنها سجون غير مرئية.

الموسيقى والمؤثرات
جاءت الموسيقى التصويرية للموسيقار رامن كوشا  هادئة لكنها مؤثرة، تدعم المشاهد العاطفية دون أن تفرض نفسها بقوة. لعبت المؤثرات الصوتية دورًا مهمًا في تعميق الإحساس بالمكان، خاصةً في المشاهد التي تعكس صخب المدينة والفوضى الاجتماعية.

“أخوة ليلى”  فيلم إنساني بامتياز، يعكس قضايا اجتماعية وسياسية دون خطاب مباشر، ويعتمد على الشخصيات القوية والدراما العائلية العميقة لإيصال رسالته. بإخراج محكم وأداء استثنائي، يستحق الفيلم أن يكون من بين أفضل الأعمال الإيرانية الحديثة.

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

ساعات ديكارت وسيف ديموقليس


يعد كتاب “ساعات ديكارت رديئة الصنع .. لماذا نمرض؟ ” للدكتور نادر كاظم والصادر عن دار ومكتبة صوفيا،  آخر اصداراته التي تضيف للمكتبة العربية بما احتواه من تحليل إنساني إجتماعي للمرض وفلسفته المكتسبة. تكمن أهمية الكتاب في الطريقة التي يعيد بها الدكتور نادر كاظم تعريف المرض، ليس فقط كحالة جسدية أو اضطراب صحي، بل كظاهرة وجودية وإنسانية تحمل في طياتها أبعادًا فلسفية واجتماعية ونفسية.

يعكس عنوان “ساعات ديكارت رديئة الصنع” جوهر الفكرة الفلسفية التي يستند إليها الكتاب، وهي رؤية الجسد البشري والعلاقة بين المرض والصحة من منظور ديكارت الفلسفي والميكانيكي الذي كان يؤمن أن الجسد البشري يشبه الآلة أو الساعة الميكانيكية الدقيقة التي تعمل بانسجام وتنظيم. وفق فلسفته، أي خلل أو عطل في هذه الآلة يؤدي إلى المرض.
واستعار الكاتب هذا المجاز ليبني عليه رؤيته للمرض كخلل في نظام الجسد، ولكنه يتجاوز ذلك لاستكشاف أبعاد المرض النفسية والوجودية. وهي على النحو التالي:

1. معالجة المرض من زاوية فلسفية وجودية:
يطرح الكتاب المرض كجزء أساسي من التجربة الإنسانية، لا كشيء يجب التخلص منه أو الهروب منه فحسب. كما يناقش كيف أن المرض يعيد تشكيل فهمنا للحياة والموت، إذ يقدم المرض فرصة للتأمل في هشاشة الإنسان وفي حدود قوته الجسدية والنفسية.
ومن خلال تأملات فلسفية عميقة، يضع المرض في إطار دورة الحياة الطبيعية، مما يثير تساؤلات عن الغاية من الألم والمعاناة، ويقدم منظورًا جديدًا حول القيمة الخفية للمرض كجزء من التجربة الإنسانية.
2. استعراض العلاقة بين المرض والمجتمع:
يبرز الكتاب كيفية تعامل المجتمع مع المرضى كأفراد ضعفاء أو عاجزين، وفي المقابل كيف أن المرض يغيّر ديناميكيات العلاقة بين الفرد والمجتمع. كما يعكس الكتاب طبيعة التفاعل البشري مع المرض، سواء على مستوى التضامن أو الوصم الاجتماعي.


3. إسقاطات على تجارب فلاسفة ومفكرين:
أحد الجوانب الأكثر إثارة هو استعراض الكتاب لتجارب عدد من المفكرين والفلاسفة مع المرض وتأثيره على أفكارهم ورؤاهم.
على سبيل المثال:
جان بول سارتر، وكيف أثر المرض على فلسفته الوجودية. ولوي ألتوسير: كيف استخدم المرض كأداة للبحث والتفكير. وإدوارد سعيد في انعكاس المرض على إبداعه الأدبي ورؤيته النقدية.
وفي هذا الجانب، يظهر أن المرض ليس عائقًا للإبداع، بل يمكن أن يكون محفزًا لإعادة التفكير والابتكار.


4. دمج الطب بالفلسفة:
يناقش الكتاب كيف أن الطب لا يمكن أن ينفصل عن الفلسفة عند محاولة فهم المرض. يقدم مقارنة بين نظرتين:
نظرة ديكارت الميكانيكية التي ترى الجسم كآلة معقدة.
ونظرة مونتاني التي ترى أن المرض جزء طبيعي من دورة الحياة. وهذا التناول يجذب القارئ لفهم الجسد والمرض من منظور شمولي يجمع بين العلوم الإنسانية والطبية.


5. تحدي المفاهيم السائدة عن الصحة والمرض:
يشكك الكتاب في رؤية الصحة كحالة “مثالية” والمرض كحالة “استثنائية”، بل يعيد تعريف المرض كجزء أصيل من وجودنا.
ويتساءل: هل يمكن أن يعيش البشر بدون المرض؟ وما الذي قد يحدث لو اختفى المرض تمامًا؟
ويبرز هذا الطرح الدور الإيجابي للمرض في جعلنا نقدر الصحة، ويدفعنا إلى استغلال تجاربنا المرضية كفرص لفهم الذات والحياة.


6. أهمية الكتاب في السياق الثقافي:
إذ يفتح الكتاب النقاش حول كيفية تعامل الثقافة الإنسانية، خاصة في المجتمعات العربية، مع المرض والمرضى. كما يعالج التصورات الاجتماعية والدينية عن الألم والمعاناة، ويدعو للتفكير النقدي في هذه القضايا. كما يكسر الكتاب بعض التابوهات المرتبطة بالموت والمرض، ويجعل النقاش حولهما أكثر انفتاحًا وعمقًا.


7. لغة وأسلوب الكتاب:
يتميز الكتاب بلغة سرديّة فلسفية عميقة، لكنها في الوقت نفسه موجهة للجمهور العام، مما يجعله مناسبًا للقراء المهتمين بالفلسفة والطب والإنسانية على حد سواء. وجاء الأسلوب جامعا بين السرد القصصي والتحليل الأكاديمي، مما يجعل القراءة ممتعة ومثرية.


8. قيمة الكتاب الأكاديمية والفكرية:
يضيف الكتاب إلى الأدب العربي المعاصر كتابًا نادرًا في نوعه، حيث يتناول قضايا الوجود والمرض والموت بجرأة وعمق.
ويمكن استخدامه كمرجع أكاديمي في مجالات متعددة مثل الفلسفة، العلوم الإنسانية، الطب النفسي، والدراسات الثقافية.


استعرض كتاب “ساعات ديكارت” شخصيات بارزة من الفلاسفة والمفكرين الذين كان للمرض دور كبير في تشكيل حياتهم وفلسفاتهم. هؤلاء الشخصيات ليسوا مجرد موضوعات للنقاش، بل يشكلون محورًا لفهم العلاقة بين الجسد، النفس، والمرض. فيما يلي أبرز الشخصيات التي تم ذكرها في الكتاب:

1. رينيه ديكارت (1596-1650):

يعد ديكارت شخصية مركزية في الكتاب، حيث يناقش الكاتب رؤيته للجسد كآلة أو ساعة ميكانيكية دقيقة الصنع.

يبرز الكتاب تناقض ديكارت الذي كان يرى أن المرض خلل في “الآلة البشرية” لكنه عاش حياة صحية إلى حد كبير ومات بنزلة برد تطورت إلى التهاب رئوي.

يناقش الكاتب علاقة ديكارت بالطب ورؤيته للمرض كجزء من الطبيعة البشرية.


2. ميشيل دي مونتاني (1533-1592):

يقدم الكاتب مونتاني كنموذج مضاد لديكارت، حيث يرى أن المرض جزء من دورة الحياة الطبيعية وليس خللًا يجب إصلاحه.

عانى مونتاني من مرض حصوات الكلى، وهو ما أثر بوضوح على فلسفته ونظرته للحياة.

يتناول الكاتب كيف تعامل مونتاني مع مرضه بروح فلسفية وتأملية، ورأى في الألم فرصة لفهم الحياة والموت بشكل أعمق.


3. جان بول سارتر (1905-1980):

يعرض الكتاب تجربة سارتر مع المرض، خاصة مشاكله الصحية المتعلقة بالجهاز العصبي.

يناقش كيف أثرت هذه التجارب على فلسفته الوجودية، وخاصة فكرة “الإنسان يصنع نفسه”.

المرض في حياة سارتر كان أداة فلسفية للتأمل حول الحرية والمسؤولية.


4. لوي ألتوسير (1918-1990):

شخصية مثيرة في الكتاب، إذ يناقش الكاتب كيف استخدم ألتوسير مرضه النفسي كأداة للتفكير والتعبير.

يظهر الكتاب كيف أن ألتوسير، رغم معاناته من الاكتئاب والمرض النفسي، ظل قادرًا على إنتاج أعمال فلسفية كبرى.


5. فرانز فانون (1925-1961):

يظهر فانون في الكتاب كشخصية فلسفية مهمة ربطت المرض بالاستعمار والعنصرية.

يناقش الكاتب كيف وصف فانون الاستعمار كـ”مرض مزمن” وتأثير العنصرية على الجسد والنفس.

المرض بالنسبة لفانون لم يكن شخصيًا فقط، بل كان مجازًا للحالة الاجتماعية والسياسية للمستعمرين.


6. إدوارد سعيد (1935-2003):

يعرض الكاتب تجربة إدوارد سعيد مع مرض اللوكيميا، وكيف أثر ذلك على أعماله الفكرية والنقدية.

يناقش الكتاب كيف تداخل المرض مع اهتمام سعيد بفكرة الاستعمار والثقافة، خاصة في كتابه “الاستشراق”.

7. شخصيات تاريخية وطبية أخرى:

ماركوس أوريليوس: يقتبس الكاتب أفكاره حول المرض كخذلان الجسد للروح.

بليني الأكبر (23-79 م): يظهر في مناقشة الألم الجسدي من منظور الطبيعة.

تيبيريوس قيصر: يُستشهد به في سياق العلاقة بين العمر والصحة، حيث قال إنه لا يجب على الشخص بعد الثلاثين أن يحتاج إلى طبيب.

8. شخصيات رمزية أو مجازية:

“سيف ديموقليس”: يستخدم كرمز للتوتر الدائم الذي يعيشه الإنسان تحت تهديد المرض.

الحصان الجامح: استعارة مجازية للجسد الذي يخرج عن السيطرة أثناء المرض.

ولعل استحضار هذه الشخصيات يساعد الكاتب على تقديم نظرة شمولية عن المرض، حيث يتنقل بين التجارب الشخصية لهؤلاء المفكرين والرؤى الفلسفية التي صاغوها. هذا التنوع يمنح الكتاب طابعًا فكريًا وإنسانيًا، حيث يظهر المرض كعنصر يربط بين التجارب الفردية والأسئلة الفلسفية الكبرى.


أخيرا وليس آخرا، كتاب “ساعات ديكارت رديئة الصنع” ليس مجرد تأملات فلسفية عن المرض، بل هو دعوة لفهم أنفسنا كبشر بشكل أعمق. ويعكس كيف يمكن للمرض أن يكون تجربة تحريرية وإبداعية، وكيف أنه جزء لا يتجزأ من دورة الحياة كسيف ديموقليس المسلط على رؤوسنا. وبفضل طرح الكتاب الفلسفي العميق والأسئلة التي يثيرها، يفتح بابًا جديدًا للتأمل في جوانب الحياة التي نميل إلى تجنبها، مما يجعله من الأعمال المهمة في المكتبة العربي الحديثة.

د. فهد توفيق الهندال

نشر المقال في جريدة أخبار الأدب المصرية 2 فبراير 2025

التصنيفات
مدونتي

هوبال.. المسير والمصير!

فيلم “هوبال” دراما سعودية أُنتجت عام 2024، من إخراج عبدالعزيز الشلاحي وتأليف مفرج المجفل. ويضم فريق العمل مجموعة من الممثلين البارزين والواعدين.

يتميّز فيلم “هوبال” بقصة عميقة تستعرض الصراع بين الإنسان والطبيعة، وكذلك الصراعات الداخلية للشخصيات. تدور أحداث الفيلم حول عائلة الجد “ليام”، الذي قرّر الانتقال إلى الصحراء ليعيش في عزلة مع أبنائه وأحفاده، سعيًا للهروب من ضوضاء المدينة وما يصفه بـ”ذنوب الحداثة”، والفكرة الشائعة باقتراب “أشراط الساعة” بعد الغزو العراقي للكويت في أغسطس ١٩٩٠.

يستخدم الفيلم هذا الإطار ليتناول مواضيع إنسانية واجتماعية تعكس تجربة البحث عن الطهارة والسكينة بعيدًا عن صخب العالم.
تبدأ قصة الفيلم حول القرار الغامض من الجد ليام بالابتعاد عن حياة المدينة، ويجبر عائلته على مرافقته إلى عمق الصحراء. وبينما يحاول الجميع التأقلم مع البيئة القاسية، تبدأ الخلافات بين أفراد الأسرة بالظهور. كل شخصية تحمل أعباءها وخلافاتها الداخلية، مما يضيف طبقات درامية معقدة. ومع مرور الوقت، يظهر أن الجد ليس مجرد رجل هارب من الواقع، بل هو شخص يبحث عن تكفير عن خطايا قديمة. ومن خلال بعض الحوارات والتلميحات، يكتشف المشاهد أن اختياره للعزلة له علاقة بحدث مأساوي من ماضيه، وهو ما يثير تساؤلات حول معنى الغفران والهروب من المسؤولية.

شخصيات الفيلم:
• الجد ليام: الشخصية المحورية، يمثل الحكمة الممزوجة بالعزلة. صراعه الداخلي بين ماضيه ورغبته في حياة نقية يجعل شخصيته عميقة وملهمة.
• سارة: زوجة الابن الأكبر، التي تمثل صوت العقل والواقعية في القصة. تعاني من صراع داخلي بين رغبتها في دعم العائلة وبين شكوكها حول قرار الجد.
• الأحفاد: يمثلون الجيل الجديد الذي يشعر بالضياع بين عالمين مختلفين: حياة المدينة المتحضرة وعزلة الصحراء القاسية. ويبرز هنا الحفيدان عسّاف وريفة، ولعل عسّاف يمثل الجيل الذي يتبع أثر الجيل السابق، بكل تناقضاته.
يمتاز الفيلم بالرمزية المكثفة التي تعكس صراعات إنسانية وجودية:
• الصحراء: تمثل العزلة والتنقية، لكنها أيضًا تعكس القسوة والخطر. الصحراء في الفيلم ليست مجرد مكان، بل هي شخصية بحد ذاتها، تختبر صبر العائلة وقوة روابطها.
• المدينة مقابل الصحراء: المدينة تمثل الحداثة والتكنولوجيا والذنب، بينما الصحراء ترمز إلى البساطة والطهارة، لكنها أيضًا مليئة بالمخاطر.
• الحيوانات البرية: تظهر في الفيلم كرموز للحرية والقوة، لكنها تعكس أيضًا التحديات التي تواجهها العائلة في التكيف مع الطبيعة، كما هي الجمال التي ينادونها ب (هوبال)، فهي تحمل قدرا من الطاعة والصبر على العطش، وربما الحقد على الواقع.
فيلم “هوبال” ليس مجرد دراما عائلية، بل هو عمل سينمائي يعكس قضايا إنسانية ووجودية، ويستحق أن يُشاهد بتأنٍ لفهم أبعاده الرمزية والفلسفية.

فريق العمل:
• إبراهيم الحساوي: قام بدور الجد “ليّام”، الشخصية المحورية التي تقود العائلة وتفرض عليها العزلة في الصحراء، وبقيت رمزية حتى في غيابها الغامض.
• مشعل المطيري: جسّد دور “شنار بن ليّام”، أحد أبناء الجد ليّام، يسير على خطى الأب ليّام في التشدد بالبقاء بالصحراء، مع جانب أناني انتهازي في قنص الفرص والمتع والذهاب للمدينة بحجة جلب الماء الذي يهرقه قبل أن ينفذ.
• ميلا الزهراني: لعبت دور “سرّا”، وهي شخصية الأم التي تهتم بأبنائها وتواجه تحديات الحياة في الصحراء.
• حمدي الفريدي: أدى دور “بتال بن ليّام”، أحد أفراد العائلة، شخصية تعيش واقعا مترددا بين الصحراء وطاعة الأب ليّام والمدينة حيث بنت مرزوق التي يهواها.
• دريعان الدريعان: قام بدور “سطّام بن ليّام”، أحد أبناء الجد ليّام، الذي ترك الصحراء،وذهب للمدينة ثم عاد طالبا الغفران قبل حلول نهاية العالم.
• عبدالرحمن عبدالله: جسّد شخصية “نهار بن ليّام”، أحد أفراد العائلة، الشخصية الغامضة والحمل الثقيل بما رمز إليه ارتدائه الفروة طوال الفيلم حتى لحظة ما.
• حمد فرحان: لعب دور “عسّاف”، الشاب الذي يسعى لإنقاذ ابنة عمه “ريفة” المصابة بالحصبة، ويمتلك قدرة على قص الأثر وأجوبة الأسئلة الصعبة.
• أمل سامي: أدت دور “ريفة”، ابنة العم المصابة بالحصبة، تمثل الحياة المثقلة والمحبوسة في الظل خوفا من الضوء بحجة المرض.
• فايز بن جريس: شارك في دور “ماجد” القصير.
• ريم فهد: لعبت دور “صيتة”.
• نورة الحميدي: جسّدت دور “الجدة نورة”، الشخصية الصلبة بعد الأب ليّام ومرشدة العائلة بعده.
• راوية أحمد: أدت دور “معتوقة”، الابنة التي احتضنتها وربتها نورة.
ويحسب للفيلم الكتابة العميقة لمفرح المجفل وتمكنه من لغة البيئة ومعتقداتها وأفكار شخصياتها. وما كان لهذه القصة أن تخرج لولا الرؤية البصرية المذهلة للمخرج عبدالعزيز الشلاحي في تقديم النص على مستويات اللقطات البانورامية، إلى جانب الموسيقى المؤثرة للفنانة سعاد بشناق التي تعتبر نصًا موازيا.

أخيرا .. يقدّم الفيلم تساؤلات فلسفية عميقة حول:
• هل يمكن للإنسان الهروب من ماضيه؟
• إلى أي مدى يمكن للعائلة أن تبقى متماسكة في وجه التحديات؟
• هل العزلة هي الحل لإيجاد السلام الداخلي، أم أنها هروب من الواقع؟

د. فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

مائة عام من العزلة.. تحدي الرواية والدراما

أصدرت منصة “نتفليكس” في ديسمبر 2024 مسلسل “مائة عام من العزلة”، المقتبس من رواية الكاتب العالمي والكولومبي الأصل غابرييل غارسيا ماركيز، بعد حصول “نتفليكس” على حقوق تحويل الرواية إلى مسلسل عام 2019، بمباركة من ورثة ماركيز، خاصة ابنيه رودريغو وغونزالو، اللذين شاركا كمنتجين منفذين.
تم تصوير المسلسل في كولومبيا، حيث بُنيت أربع نسخ من بلدة ماكوندو المُتخيّلة لتجسيد تطور الزمن عبر الأجيال.

تميّز العمل بميزانية ضخمة، تُعد من أكبر الميزانيات المخصصة لإنتاج غير أمريكي على المنصة. لهذا يُعد هذا العمل من أكثر المشاريع الطموحة للمنصة، حيث تم تصويره بالكامل في كولومبيا وباللغة الإسبانية، مع فريق عمل كولومبي، تماشيًا مع رؤية ماركيز الأصلية.
حصل المسلسل على تقييمات إيجابية من النقاد، حيث نال نسبة 94% على موقع “Rotten Tomatoes” ، إذ أشاد النقاد بالتمثيل، والإخراج، والقدرة على نقل روح الرواية إلى الشاشة، مع الحفاظ على عناصر الواقعية السحرية التي تميزت بها.
كما تميز المسلسل بأداء قوي من الممثلين الكولومبيين، خاصة مارليدا سوتو في دور أورسولا، وكلاوديو كاتانيو في دور أوريليانو بوينديا. ليتولى الإخراج كل من لورا مورا، الحائزة على جائزة “الصدفة الذهبية” في مهرجان سان سيباستيان السينمائي عام 2022، والأرجنتيني أليكس غارسيا لوبيز.
استطاع المسلسل تقديم عناصر الواقعية السحرية بمهارة، معتمدًا على المؤثرات البصرية الحية بدلاً من التكنولوجيا الرقمية، مما أضفى مصداقية وجمالية على المشاهد. على سبيل المثال، في مشهد سقوط الأزهار من السماء، تم استخدام أزهار حقيقية بدلاً من المؤثرات الرقمية.
وكما هو معروف، تعدّ رواية مائة عام من العزلة، التي صدرت عام 1967، من أعظم روائع الأدب العالمي، إذ تمزج بين الواقعية والسحر في سرد ملحمي لحياة عائلة بوينديا في قرية ماكوندو الخيالية. أما مسلسل “نتفليكس”، الذي تم إنتاجه في 2024، فهو محاولة طموحة لتقديم هذه الرواية المعقدة بصريًا إلى جمهور عالمي. فيما يلي مقارنة بين الرواية والمسلسل من عدة جوانب:
1. السرد:
اعتمدت الرواية على أسلوب السرد الشامل، حيث يروي غابرييل غارسيا ماركيز أحداث الرواية بلهجة شبه خرافية، ممزوجة بالواقعية السحرية. وجاء تسلسل أحداث الرواية بشكل دائري وغير خطي، مما يعكس فكرة الحتمية التاريخية والتكرار في حياة العائلة.
في حين اعتمد المسلسل على سرد خطي أكثر وضوحًا، ما يسهل على المشاهدين متابعة تطور الأحداث، خاصة مع تشابك الأجيال. كما حاول المسلسل الحفاظ على الواقعية السحرية، فإنه فقد أحيانًا العمق الفلسفي الذي تميز به السرد الأصلي، مما يبرهن على صعوبة تحويل السرد اللّفظي المكتنز بالمعنى إلى سرد بصري يعتمد الصورة في كثير من الجوانب.

2. الواقعية السحرية :
تعدّ الرواية المثال الأبرز للواقعية السحرية؛ حيث تم تقديم الأحداث الخارقة للطبيعة كجزء طبيعي من حياة الشخصيات. مثل صعود ريميديوس إلى السماء وسقوط الزهور من السماء تعكس السحرية بسلاسة دون تفسيرات.
ونقل المسلسل الواقعية السحرية باستخدام مؤثرات بصرية متقنة، مثل سقوط الأزهار أو المشاهد المرتبطة بشبح برودينثيو أغيلار.

3. الشخصيات:

تتيمز الرواية بكثرة الشخصيات التي تنتمي لعائلة بوينديا، مع تكرار الأسماء مثل أوريليانو وخوسيه أركاديو، مما يعكس موضوع التكرار والقدر. وتم تقديم الشخصيات بطريقة رمزية، بما تمثله من أفكار أو حالات إنسانية.
لذلك، قام المسلسل بتقليل عدد الشخصيات والتعمق في بعضها لتسهيل السرد البصري، مما جعل الشخصيات أكثر “إنسانية” وأقل رمزية. وتم تطوير بعض الشخصيات بشكل يختلف عن الرواية، مثل أورسولا، التي حصلت على دور أكثر تأثيرًا.

4. الحبكة:

جاءت الحبكة معقدة ومليئة بالتشابكات العائلية والأحداث العجائبية التي قد تربك القارئ أحيانًا. لتنتهي الرواية بنبوءة عن نهاية عائلة بوينديا، مما يعكس عبثية الجهد الإنساني.
في حين اختصر المسلسل بعض الأحداث وتجنب التكرار المبالغ فيه، لجعل القصة أكثر جاذبية للمشاهدين.
لتكون النهاية جاءت مشابهة للرواية، لكنها أقل حدة في التأكيد على الحتمية والزوال.

ولأن الرواية تعالج موضوعات كبرى مثل القدر، العزلة، الحتمية التاريخية، والاغتراب الإنساني وما طرحته من تساؤلات عميقة عن معنى الحياة ودورة الزمن، ركّز المسلسل على الشخصيات الرئيسية في الرواية متمثلة أولا بخوسيه أركاديو بوينديا مؤسس ماكوندو، القرية الخيالية التي تدور فيها أحداث الرواية. يمثل الطموح البشري والرغبة في الابتكار والاكتشاف. ولعل قراره بتأسيس القرية في منطقة مجهولة يعكس الروح الريادية التي تحاول تحدي المجهول. كذلك اهتمامه بالعلوم والخيمياء، بالتعاون مع الغجري ميليسيديس، يظهر بحثه المستمر عن الحقيقة والخلود، رغم أنه يقوده إلى الجنون في النهاية.
ولعل خوسيه أركاديو يمثل الحلم الإنساني الطموح الذي ينهار تحت وطأة العزلة والهوس. عزلته الجسدية والعقلية في نهاية حياته تجسد فشل الإنسان في مواجهة عبثية العالم.
أما شخصية الأم أورسولا إيغواران، فقد مثلت رمز الثبات والحكمة في دورها كعمود للعائلة، وهي الشخصية الأكثر ثباتًا واستمرارية في الرواية، حيث تعيش عبر أجيال متعددة. كرمز  للقيم التقليدية والأخلاقية التي تحاول توجيه العائلة وحمايتها من الانهيار. ولعل دورها في إدارة شؤون الأسرة والاقتصاد يجعلها القوة الحقيقية وراء استمرار عائلة بوينديا، رغم كونها أمية، إلا أنها تتميز ببصيرة عميقة وقدرة على استشراف مصير عائلتها. تحذر من تكرار الأخطاء، لكنها ترى تلك الأخطاء تتكرر جيلاً بعد جيل. لتمثل أورسولا الحكمة التقليدية والصمود الإنساني في مواجهة الحتمية التاريخية. حياتها الطويلة تعكس محاولتها عبثًا كسر دورة الزمن والقدر.
الشخصية الثالثة، الابن الثاني أوريليانو بوينديا، رمز الصراع والانعزال، ويُعد أحد أكثر الشخصيات تعقيدًا في الرواية.
ليتحول من شاب حالم إلى قائد عسكري يخوض 32 حربًا أهلية، لكنه يفشل في تحقيق أهدافه.ليمثل الوجه السياسي للرواية، حيث يعكس الصراعات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها أمريكا اللاتينية. وبالرغم
من شهرته كقائد، يعيش أوريليانو عزلة داخلية عميقة. فهو دائمًا بعيد عن عائلته ومجتمعه، ويبدو وكأنه يسعى للهرب من ذاته. وكأن أوريليانو رمز العبثية في السعي وراء السلطة والمعرفة. يصنع أسماكًا ذهبية خلال عزله، في إشارة إلى عدم جدوى جهوده وخيبات أمله.
تكمن العزلة في رواية مائة عام من العزلة في عدة مستويات، وهي ليست مجرد حالة فيزيائية أو اجتماعية، بل تمتد إلى عمق نفسي وفلسفي يشمل الشخصيات، العائلة، والمجتمع ككل. غابرييل غارسيا ماركيز يعالج مفهوم العزلة باعتباره جزءًا أساسيًا من الطبيعة الإنسانية والحياة. فماكوندو تمثلت رمزا للعزلة الاجتماعية والجغرافية والتاريخية. إذ بقيت معزولة عن العالم الخارجي في بدايتها، ولا تتواصل مع الحضارة إلا من خلال الغجر والتجار. ومع مرور الزمن، أصبحت القرية مرهونة للصراعات السياسية والأزمات، لكنها تفقد هويتها وتُنسى في النهاية، حيث تصل العزلة الاجتماعية ذروتها عندما تفقد القرية سكانها وتتلاشى تدريجيًا، معبرة عن انهيار المجتمع. وأن العزلة ليست فقط حالة شخصية أو اجتماعية، بل هي مصير محتوم لكل من يحاول كسر قيود الزمن والقدر، مما يجعل الرواية تأملًا عميقًا في عبثية السعي الإنساني كما صوّرها ماركيز. من أجل ذلك، جاءت رؤية المخرج البصرية للرواية معتمدة على المزج بين الواقعية والسحر، مع احترام العناصر الرمزية للرواية. فاستُخدمت تقنيات سينمائية متطورة لتقديم ماكوندو كعالم نابض بالحياة، لكن في نفس الوقت يكتنفه الغموض والقدرية. وربما نجح المسلسل في تقديم تجربة بصرية غنية تُبرز روح الرواية، مع الحفاظ على توازن دقيق بين العناصر الأدبية والمرئية. وهو ما يشكّل تحديا كبيرا للمشاريع الروائية المطروحة على طاولة التجريب الدرامي، إن كانت ستمثّل الرواية المُختارة ساحةً خصبة للتخييل الدرامي أم صدمة على سطحية العمل الروائي نفسه!

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

مراجعة نقدية مقارنة بين جزئي فيلم Gladiator خلود الأول وتحدي الثاني



صدر فيلم “المصارع (Gladiator) في العام 2000 وأخرجه ريدلي سكوت، وأعتبر وقتها من أعظم أفلام السيرة الملحمية. إذ تمحور حول قصة الجنرال الروماني ماكسيموس زمن الامبراطور الفيلسوف ماركوس أوريليوس، وقد تحوّل ماكسيموس إلى مصارع يسعى للانتقام من الإمبراطور كومودوس. استند الفيلم إلى حبكة قوية تتميز بالعمق العاطفي والصراع الدرامي بين الشرف والفساد.
وكان أداء راسل كرو بدور ماكسيموس محورياً، إذ قدم شخصية قوية ومؤثرة عاطفياً. فأكسبه جائزة الأوسكار كأفضل ممثل. كذلك، كان أداء واكين فينيكس بدور كومودوس مثالياً في تجسيد الطاغية المضطرب.
وبعد مرور 24 عاما على عرض فيلم “المصارع”، تفاجأ العالم باصدار مخرجه العالمي ريدلي سكوت جزءًا ثانيًا له، مع استمرار سيرة ماكسيموس عبر “ولده” لوسيوس الذي ظهر في الجزء الأول صبيا ابن الملكة لوسيلا، وهنا ثمة سؤال. في الجزء الأول لم يأت على ذكر هذا الأمر ولو كان خفيا، بل هناك حوار بين ماكسيموس ولوسيلا يعزيها بزوجها الراحل ووالد ابنها لوسيوس، فكيف أصبح لوسيوس ولده في الجزء الثاني فجأة!
عموما لعلها رغبة سكوت أن يكون الثاني تكملة لأحداث الأول ، ولكن مع تركيز جديد على شخصية لوسيوس، ابن لوسيلا وماكسيموس الآن، ليُظهر الفيلم استمرار الصراع بين القيم الإنسانية والطموحات السياسية في روما القديمة، مع استمرار قصة الانتقام التي كانت بسيطة لكنها مؤثرة في،الجزء الأول، مما جعلها تلامس الجمهور بسهولة. ليقع سكوت في تحد مع
الحبكة القديمة بتقديم حبكة جديدة دون الإخلال بأصالة القصة الأصلية. أي استنساخ لحبكة الانتقام قد يُضعف من التأثير.
فالحبكة القديمة كانت قوية في تطورها الدرامي المتصاعد تدريجياً وصولاً إلى نهاية مأساوية لكنها مرضية. إذ اعتمدت القصة على الانتقام كدافع أساسي، لكنها تجاوزت ذلك لتناقش قضايا أعمق مثل الشرف، الولاء، والعدالة.
لذلك كان يجب أن تكون الكتابة قادرة في الحبكة الجديدة  على تقديم قصة تضيف قيمة للقصة الأصلية. فاعتمدت الحبكة الجديدة  على استنساخ مفاهيم الانتقام فحسب، مما يجعلها مكررة أو أقل إبداعًا. وكان من المفترض حبكة جديدة تُركّز على التحولات الشخصية والموضوعات الأعمق، مثل استكشاف القيم الإنسانية والسياسية.
فإذا أرادت الكتابة النجاح، كان عليها أن تبني على إرث النصوص السابقة مع تقديم منظور جديد ومبتكر. وربما قد واجه ذلك تحدياً في خلق حوارات تمتاز بالعمق ذاته الذي اشتهر به الفيلم الأول، خاصة مع غياب شخصية ماكسيموس التي كانت محور الخط الدرامي.
ومع غياب راسل كرو، اعتمد الجزء الثاني بشكل كبير على أداء الممثلين الجدد. إذ كانت الشخصية الرئيسية هي لوسيوس، فإن الأداء سيتطلب تقديم توازن بين إرث الماضي وتحديات الحاضر. مع الأداء المذهل لدنزل واشنطن في دور النخاس ماكرينوس الذي كان يسعى للانتقام من روما كلها. ولعل وجود واشنطن في الجزء الجديد كان رهانا ناجحا لسكوت في أن يحمل واشنطن الفيلم ككل على كاهل خبرته.
وهنا ثمة مقابلة بين أداء بطلي الجزئين، فراسل كرو مثّل قوة وجدية الشخصيات التاريخية أو القيادية، مع حضور سينمائي يعتمد على الهيبة والصراع الداخلي.
في حين تميّز أداء دنزل واشنطن بالتنوع والذكاء التمثيلي، مع قدرة استثنائية على المزج بين الحوار والعاطفة.
بالنهاية كلاهما عظيم، لكن اختيار الأفضل يعتمد على الدور. فإذا كان الدور بطابع ملحمي، فإن راسل كرو تفوّق في الجزء الأول. أما إذا تطلب الدور تعقيداً نفسياً وحوارات غنية، فإن دنزل واشنطن هو الخيار الأمثل للجزء الثاني. وكلاهما رهان سكوت في الأفلام التي شاركوا بها مع سكوت، أهمها فيلم
American Gangster.
كذلك يحسب للمخرج ريدلي سكوت شغفه بالقصص الملحمية والتاريخية، فقد أنتج وأخرج فيلم نابليون العام الماضي، وقبله فيلمي روبن هود ومملكة السماء.
وكما أبدع سكوت في الجزء الأول بتقديم معارك مذهلة وتصوير بصري خلّد روما القديمة بطريقة سينمائية لا تُنسى، إذ كانت المشاهد ديناميكية ومشحونة بالعاطفة.
ليستفيد من تطور تقنيات التصوير المتقدمة في الثاني بتقديم معارك أكثر إثارة، إلا أنها تبقى تحدياً له في الارتقاء بمستوى الأصالة التي ميزت الفيلم الأول.
على مستوى الموسيقى، كان هانز زيمر أبرز عوامل نجاح الجزء الأول، إذ حملت موسيقاه مزيجاً من الحماسة والشجن.
ليستمر التعاون مع زيمر في الجزء الثاني مع موسيقيين من الطراز ذاته، حتى يحافظ الفيلم على إرثه الموسيقي المميز.
أخيرا.. يُعد فيلم المصارع بجزأيه عملاً فنيًا متكاملاً يمزج بين الأداء التمثيلي الرائع، الإخراج المبدع، والكتابة الملهمة. والنجاح في أي عمل سينمائي يعتمد على التوازن بين مقومات العمل، على مستوى الأداء، الإخراج، والكتابة، ليكون التحدي باستمرار ذلك إن كانت القصة مستمرة، غير منتهية. وهو ما يُنتظر أن يقدمه أي عمل جديد ليقف إلى جانب العمل الأصلي كعمل واحد خالد.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

البطريق.. بناء العالم من الأسفل!



قدمت سلسلة البطريق  التي تم عرضها لأول مرة على قناة max قبل أسابيع، فصلاً جديدًا ومثيرًا في عالم باتمان المتوسع باستمرار. المسلسل من بطولة كولين فاريل في دور أوزوالد كوبلبوت، المعروف باسم البطريق، إذ يتعمق هذا الجزء الفرعي في عالم جوثام سيتي السفلي القاسي، ويستكشف موضوعات القوة والطموح والجريمة.

تعدّ شخصية البطريق أحد أكثر الأشرار شهرة في عالم باتمان، وغالبًا ما يتم تصويره على أنه زعيم جريمة لديه ميل إلى المخططات المعقدة. على عكس الأشرار الآخرين في تراث باتمان، فإن كوبلبوت مبني على الواقع، ويعتمد على دهائه وطموحه وذكائه بدلاً من القوى العظمى. تلقى تصوير كولين فاريل للبطريق في فيلم باتمان (2022) استحسان النقاد، حيث أظهر نسخة أكثر دقة وطبقية للشخصية.  تهدف هذه السلسلة إلى البناء على هذا الأساس، مما يمنح المعجبين فهمًا أعمق لصعود كوبلبوت إلى السلطة.

يحمل اسم أوزوالد كوبلبوت، الأنا البديلة للبطريق في عالم باتمان، دلالات مميزة تتوافق مع شخصيته.

فيشير اسم أوزوالد والذي معناه “قوة الإله” أو ” الحاكم الإلهي” إلى شخص يتمتع بالسلطة أو القوة، مما يعكس طموح كوبلبوت في السيطرة على العالم السفلي في جوثام.

أما كوبلبوت، فهو اسم مركب من كوبل، أي الحجارة الصغيرة أو أحجار الرصف، والتي غالبًا ما ترتبط بالشوارع أو السطح الخشن غير المستوي. وبوت بمعنى الوعاء، ويمكن أن يشير إلى حاوية، ترمز إلى التراكم أو الجمع. ليستحضر  اسم “كوبلبوت” صورة شخص متجذر في عالم قاسٍ وصعب – مثل شوارع جوثام المظلمة – والذي يجمع القوة والنفوذ بمرور الوقت.
إذن  فالجمع بين أوزوالد و كوبلبوت يشير إلى شخصية تطمح إلى السلطة والسيطرة، ولكنها تعمل في بيئة قاسية وواقعية. وهذا يتماشى مع شخصية البطريق باعتباره زعيم جريمة ماكر وذكي ينهض من بدايات متواضعة أو صعبة ليصبح قوة في التسلسل الهرمي الإجرامي في جوثام.

دارت  أحداث المسلسل حول أوزوالد كوبلبوت وهو يتنقل بين فراغ السلطة الذي خلفه سقوط كارمين فالكون، زعيم الجريمة السابق في جوثام. ومع فوضى المدينة، ليرى كوبلبوت فرصة لتأكيد نفسه باعتباره الزعيم الجديد لعالم جوثام السفلي. يعد العرض باستكشاف تحوله من ملازم ماكر إلى زعيم لا يرحم، وتفصيل صراعاته وتحالفاته وخياناته على طول الطريق.

لعبت مدينة جوثام، كما هي الحال دائمًا، دورًا حاسمًا. تشتهر المدينة بجمالياتها المظلمة والجوية، وستكون بمثابة خلفية وشخصية في حد ذاتها، مما يؤكد على الطبيعة القاسية والفاسدة للعالم الذي يسكنه كوبلبوت.

توّلت الكاتبة لورين ليفرانك إدارة المسلسل، مع مات ريفز، مخرج فيلم The Batman، كمنتج تنفيذي، ليضمن هذا التعاون نغمة وأسلوبًا متسقين، يتماشى مع النهج الواقعي المستوحى من أفلام الجريمة الذي تم تأسيسه في الفيلم. يهدف الفريق الإبداعي إلى مزج الدراما الإجرامية مع سرد القصص التي تحركها الشخصية، مما يوفر منظورًا فريدًا للجانب الإجرامي في جوثام.

وقد أعرب كولين فاريل عن حماسه لإعادة تمثيل الدور، مشيرًا إلى أن المسلسل سمح له باستكشاف تعقيدات أوزوالد كوبلبوت بشكل أكبر. لتتعمق رحلة البطريق في نفسيته، وتكشف عن نقاط ضعفه ودوافعه، مما يجعله أكثر من مجرد شرير ولكنه بطل مضاد مقنع.

ويمكن لمن لم يشاهد الفيلم، أن يتوقع مزيجًا من الحركة المكثفة والمكائد السياسية والدراما التي تحركها شخصية البطريق في المسلسل. وقد ضمّ العرض وجوهًا جديدة ومألوفة من الدوائر الإجرامية ورجال إنفاذ القانون في جوثام، مما قد يمهد الطريق لقصص مستقبلية في عالم باتمان.  وقد يشهد صعود البطريق إلى السلطة تنافسات شديدة وغموضًا أخلاقيًا، مما يوفر نظرة خام وغير مفلترة لتكلفة الطموح.

كما يعد المسلسل بتوسيع بناء العالم الذي تم إنشاؤه في The Batman، مما يوفر تجربة أكثر ثراءً وغامرة للمشاهدين. مع التركيز على واحدة من أكثر شخصيات Gotham إثارة للاهتمام، فإن سلسلة Penguin على استعداد لأن تكون من الأشياء التي يجب مشاهدتها لمحبي القصص المظلمة والمتطورة. وسلسلة Penguin هي أكثر من مجرد منتج فرعي؛ إنها فرصة للخوض بشكل أعمق في تعقيدات النظام البيئي الإجرامي في Gotham ونفسية واحدة من أكثر شخصياتها غموضًا. مع وجود فريق عمل موهوب وفريق إبداعي، يعد العرض بتقديم سرد مشوق يكمل ويوسع عالم Batman. مع طمس الخط الفاصل بين البطل والشرير، سيتم جذب الجمهور إلى عالم حيث لا يعرف الطموح حدودًا، وتأتي البقاء على قيد الحياة بتكلفة عالية.

بقي أن نشير إلى الأداء المذهل للممثلة كريستن ميليوتي التي أبدعت في تجسيد شخصية صوفيا (الجلاد) في سلوكيات الإجرام من رحم البراءة، وأداء الممثل الواعد رينزي فيليز في دور فيكتور التابع المخلص لأوز، فكان مثلا للولاء مقابل النكران. وأيضا أداء الممثلة ديدري أوكونيل في دور فرانسيس والدة أوز، وتجسيد حب الأم والكراهية معا لابنها، لكونه المتبقي لها بعد غرق ولديها الآخربن بسبب غيرة أوز منها، وكانت شرارة الشر الأولى، ولكن دوما يغلب حس الأمومة على الكراهية، ولعل الكاتبة فسرت ذلك نفسيا بحالة الزهايمر التي تمر بها فرانسيس.

قدمت سلسلة Penguin نظرة عميقة على صعود أوزوالد كوبلبوت داخل عالم الجريمة في جوثام، وتتضمن العديد من الاقتباسات التي لا تُنسى والتي تسلط الضوء على شخصيته وموضوعات العرض. فيما يلي بعض السطور البارزة:

أوزوالد كوبلبوت (The Penguin): “العالم ليس مهيئًا لنجاح الرجل الصادق. يجب أن يكون هذا هو الحلم الأمريكي. هل تعلم؟ قصة جميلة بنهاية سعيدة. لكن هذه ليست الطريقة التي يعمل بها العالم. أمريكا هي الاحتيال. ليس لأنني أشتكي.”

أوزوالد كوبلبوت: “العالم لم يُبنى من أجل أشخاص مثلنا. لهذا السبب يتعين علينا أن نأخذ أي شيء نقرر أنه ملكنا. لأن لا أحد سيمنحنا إياه، أعني، ليس بدون قتال.”

صوفيا فالكون: “لقد كذب عليّ الرجال لمدة عشر سنوات. ثم عدت إلى المنزل، ولم أجد أي شيء. لقد اعتقدوا أنني مكسورة. أنا لست مكسورة. أنا لست المريضة. وأنت لست كذلك. العالم هو المريض.”

أوزوالد كوبلبوت: “هل تريد البقاء على قيد الحياة؟ عليك التكيف. عليك الاستجابة للبيئة والموقف، عليك التفكير بسرعة، عليك أن تكون سريعًا.”

تلخص هذه الاقتباسات استكشاف المسلسل للطموح والبقاء وتعقيدات المشهد الإجرامي في جوثام.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

حروب المثقفين


تُعد حروب المثقفين ظاهرة قديمة متجددة تبرز مع كل حقبة تاريخية، حيث تتجلى في صراع الأفكار والرؤى بين نخبة من المفكرين والمثقفين. ولم تكن هذه الحروب نزاعات شخصية أو صدامات كلامية، بل هي تجليات لصراع أعمق بين الأيديولوجيات والاتجاهات الفكرية المتباينة، والتي تسعى كل منها لفرض رؤيتها على المجتمع أو تفسير العالم من منظورها الخاص.
وترجع جذور هذه الحروب إلى العصور القديمة، حيث شهدت الحضارات الكبرى مثل اليونانية والرومانية صدامات فكرية بين الفلاسفة حول قضايا العدالة، الأخلاق، وطبيعة الكون. ومع تطور المجتمعات وزيادة تعقيداتها، تعمق هذا الصراع ليشمل مجالات متعددة مثل السياسة، الدين، الاقتصاد، والثقافة.
وفي العصر الحديث، اشتدت هذه الحروب بسبب تطور وسائل الإعلام والتواصل، التي جعلت من الأفكار معارك علنية تتجاوز حدود النخب المثقفة لتصل إلى العامة. أصبح المثقفون قادة للرأي العام، وساحات الصراع لم تعد مقتصرة على المناظرات الفكرية، بل امتدت إلى الصحافة، الكتب، وحتى وسائل التواصل الاجتماعي.

أسباب حروب المثقفين

1. اختلاف الأيديولوجيات: يتبنى المثقفون توجهات فكرية وأيديولوجيات مختلفة، من الليبرالية إلى الماركسية، ومن المحافظة إلى التقدمية. هذه التوجهات تتصارع فيما بينها حول قضايا الحرية، العدالة، ودور الدولة.

2. التنافس على النفوذ: يسعى المثقفون إلى التأثير على الرأي العام وصناع القرار، مما يجعلهم في حالة تنافس دائم لتحقيق أكبر قدر من النفوذ الثقافي والسياسي.

3. التغيرات الاجتماعية والسياسية: غالبًا ما تشتعل حروب المثقفين في أوقات التحولات الكبرى، مثل الثورات، الأزمات الاقتصادية، أو التحولات السياسية، حيث يسعى كل طرف إلى تفسير هذه التغيرات من زاويته الخاصة.

4. الاعتبارات الشخصية: لا يمكن إنكار أن الخلافات الشخصية تلعب دورًا في تأجيج هذه الحروب، حيث تتحول أحيانًا إلى صراعات ذات طابع شخصي تتجاوز القضايا الفكرية.

من أبرز الأمثلة على حروب المثقفين الأوروبيين، الصراع بين جان بول سارتر وألبير كامو، وهما اثنان من أعظم المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين. رغم صداقتهما القوية في البداية، إلا أن خلافهما الفكري والأيديولوجي أدى إلى قطيعة حادة بينهما.
كان كل من سارتر وكامو جزءًا من المشهد الفكري في باريس بعد الحرب العالمية الثانية، حيث واجهت أوروبا تحديات فلسفية وأخلاقية كبرى. انخرط كلاهما في الفكر الوجودي، لكنه تطور لاحقًا ليأخذ مسارات متباينة.
فجان بول سارتر، كان مؤمنًا بالالتزام السياسي والمشاركة الفعالة في النضال من أجل العدالة، وتبنى الماركسية كإطار لتحليل المجتمعات والتغيير السياسي.
أما ألبير كامو، فقد ركز على الفلسفة العبثية، وكان يدعو إلى مقاومة الظلم بدون الانخراط في أيديولوجيات متطرفة. رفض العنف الثوري والتبرير الأخلاقي للجرائم باسم الأيديولوجيا.
وفي عام 1952، نشر كامو كتابه “الإنسان المتمرد”، حيث انتقد بشدة الأيديولوجيات الشمولية، بما في ذلك الماركسية، التي اعتبرها تبرر العنف لتحقيق أهدافها. ردًا على ذلك، كتب سارتر عبر مجلته “الأزمنة الحديثة” (Les Temps Modernes) نقدًا لاذعًا لكامو، واتهمه بأنه ينتهج موقفًا فردانيًا وغير ملتزم سياسيًا في وجه القضايا الكبرى.
ومثل هذا الصراع انقسامًا أوسع داخل الأوساط الفكرية الفرنسية بين من يدعمون الماركسية كأداة للتغيير وبين من يرفضونها بسبب ارتباطها بالعنف والشمولية.
كما أدى الخلاف إلى قطيعة نهائية بين سارتر وكامو، ولم يتمكنا من استعادة صداقتهما حتى وفاة كامو المفاجئة في حادث سيارة عام 1960.
أصبح هذا الخلاف أحد أشهر حروب المثقفين في التاريخ الأوروبي الحديث، حيث ساهم في إثراء النقاشات حول قضايا الحرية، العدالة، والعنف الثوري. كما ألقى الضوء على التحديات الأخلاقية المرتبطة بالالتزام الأيديولوجي ودور المثقف في السياسة.
ومن أبرز الأمثلة على حروب المثقفين الحداثيين العرب هو الخلاف الفكري بين أدونيس ونصر حامد أبو زيد حول قضايا التراث، الدين، والحداثة.
ففي الربع الأخير من القرن العشرين، ظهرت حركة حداثية في العالم العربي تسعى إلى تجديد الفكر العربي والإسلامي من خلال إعادة قراءة التراث بعقلية نقدية. كان أدونيس ونصر حامد أبو زيد من أبرز رموز هذه الحركة، لكنهما اختلفا في منهجية التعامل مع التراث والدين. إذ ركز أدونيس على نقد التراث من زاوية ثقافية وشعرية، واعتبر أن الحداثة لا يمكن أن تتحقق إلا بقطيعة جذرية مع التراث الديني الذي اعتبره هو سببًا في الجمود. فدعا إلى ثورة شاملة في العقل العربي تقوم على الإبداع والتحرر من القيود الدينية. في حين ركّز نصر حامد أبو زيد على نقد النصوص الدينية من منظور علمي وتأويلي، وسعى إلى إعادة تفسير النصوص الإسلامية بما يتماشى مع متطلبات العصر، دون الدعوة إلى قطيعة مع الدين، بل إلى تجديد فهمه.
وأدّى هذا الخلاف إلى انقسام داخل التيار الحداثي العربي بين من يتبنون موقفًا جذريًا (على غرار أدونيس) ومن يسعون إلى التجديد من الداخل (على غرار أبو زيد). إلا أن هذا الخلاف، ساهم هذا الصراع في تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الحداثة في العالم العربي، خاصة فيما يتعلق بكيفية التعامل مع التراث الديني والثقافي. كما عمق النقاش حول مفهوم الحرية الفكرية ودور المثقف في مواجهة السلطة الدينية والسياسية.


أخيرا وليس آخرا، يعدّ الصراع بين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي من أبرز حروب المثقفين العرب في العصر الحديث، حيث دار بين اثنين من أعلام الفكر العربي، وتركز على قضايا التراث، النهضة، والعقل العربي.
فقد سعى الجابري في مشروعه الضخم “نقد العقل العربي” إلى تقديم قراءة جديدة للتراث العربي والإسلامي. وركز على تحليل بنية العقل العربي وتحديد ما يراه “عوائق” تحول دون تحقيق النهضة. فقسّم الجابري التراث إلى ثلاث نظم معرفية: البيان (اللغة والنحو)، البرهان (الفلسفة والمنطق)، والعرفان (التصوف). اعتبر أن النهضة تحتاج إلى تجاوز الفكر العرفاني والبياني لصالح العقل البرهاني.
أما جورج طرابيشي الذي بدأ كأحد المترجمين للفكر الغربي، انشغل لاحقا بنقد مشروع الجابري، حيث رأى أن مشروعه يتضمن تجزئة للتراث وقراءة انتقائية. اعتبر طرابيشي أن الجابري أساء فهم التراث العربي الإسلامي، وقدم قراءة أيديولوجية تهدف إلى إقصاء جزء كبير من هذا التراث.
ورغم الصراع الكبير بين المفكرين، إلا أن تداعياته كانت ايجابية في مجملها، منها:

1. إثراء الفكر العربي: رغم حدة النقد المتبادل، ساهم الصراع بين الجابري وطرابيشي في فتح نقاشات معمقة حول قضايا التراث والعقل والنهضة.

2. توسيع دائرة الاهتمام بالتراث: جذب هذا الصراع اهتمام الأجيال الجديدة من المثقفين والباحثين نحو دراسة التراث وإعادة النظر فيه بطرق نقدية متعددة.

3. النقد الأيديولوجي: أظهر الخلاف مدى تأثر قراءات المثقفين العرب بالأيديولوجيا، حيث انطلق الجابري من خلفية قريبة من الفكر القومي العربي، بينما تأثر طرابيشي بالفكر الماركسي والليبرالي.

وقد أثمرت جميعها في مشاريع فكرية متسلسلة، تزخر بها المكتبة العربية.

إذن، ورغم الطابع السلبي الذي قد يبدو على حروب المثقفين، إلا أنها تساهم في تطور الفكر والمجتمع. فهي تدفع نحو إعادة النظر في الأفكار السائدة، وتساهم في بلورة رؤى جديدة. على الجانب الآخر، قد تؤدي هذه الحروب إلى انقسامات حادة داخل المجتمعات، خاصة إذا تجاوزت حدود الفكر إلى الخلاف الشخصي والتهكمي في التحريض أو التشهير في المجتمعات التي لم تتحرر من عقدة تشخيص الخلاف ومحاسبة النوايا. ولكن في المجتمعات المتحضرة المبنية على الحوار وعدم نسف إرث الآخر المعرفي، يمكن أن تكون جزء لا يتجزأ من تطور الفكر الإنساني، وتعكس حيوية المجتمعات وثراءها الفكري. ويبقى التحدي الأكبر هو كيفية إدارة هذه الحروب بطريقة تعزز الحوار البناء وتسهم في تقدم المجتمعات بدلًا من تأجيج الانقسامات.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الإعلام في عين الانتخابات الأمريكية

يلعب الإعلام العالمي دورًا رئيسيًا في تغطية سباق الانتخابات الأمريكية، إذ يمثل هذا الحدث أحد أهم الفعاليات السياسية التي يتابعها الجمهور الدولي. تُعتبر الانتخابات الأمريكية، نظرًا لتأثيرها العالمي، من أبرز المواضيع التي تستقطب اهتمام الإعلام حول العالم، حيث تتنوع التغطيات والأساليب التحليلية المستخدمة من قبل وسائل الإعلام العالمية في عرض وتفسير مجريات السباق الانتخابي وتبعاته.

1. التغطية المباشرة للفعاليات والأحداث الرئيسية:

تقوم وسائل الإعلام العالمية بتغطية الأحداث الكبرى في سباق الانتخابات الأمريكية، مثل المناظرات الرئاسية والخطابات والفعاليات الانتخابية، وتقدمها مباشرة للجمهور عبر مختلف المنصات، سواء التلفاز، أو المواقع الإلكترونية، أو وسائل التواصل الاجتماعي. تغطي هذه الوسائل أيضًا الأحداث المرتبطة بالانتخابات في مختلف الولايات، والتصريحات والتجمعات التي يعقدها المرشحون، مما يتيح للجمهور الدولي الاطلاع على المستجدات أولًا بأول.

2. التحليل السياسي واستضافة الخبراء:

تلجأ وسائل الإعلام إلى التحليل السياسي المعمق لفهم ديناميكيات السباق الانتخابي وتأثيراته المحتملة. تستعين الصحف والقنوات الإخبارية بخبراء ومحللين سياسيين ومختصين في الشؤون الأمريكية، ممن يقدمون رؤى متعمقة حول السياسات المطروحة من المرشحين. يُسهم هذا النوع من التحليل في تفسير تداعيات نتائج الانتخابات على القضايا العالمية، مثل الاقتصاد والتجارة والسياسة الخارجية.

3. الاستطلاعات والرصد الإحصائي:

تلعب الاستطلاعات الانتخابية دورًا كبيرًا في تغطية الانتخابات الأمريكية، حيث تقدم وسائل الإعلام نتائج استطلاعات الرأي حول تفضيلات الناخبين، وترصد التغيرات المستمرة في نسب الدعم للمرشحين. تُستخدم الرسوم البيانية والتقارير الإحصائية بشكل مكثف، وذلك لتوضيح التوقعات ومؤشرات الأداء الانتخابي. هذا النوع من التحليل يُعد وسيلة فعّالة لفهم التوجهات العامة وتحليل احتمالات الفوز في الولايات المتأرجحة.

4. التغطية الميدانية والتقارير الخاصة:

يولي الإعلام العالمي  اهتمامًا كبيرًا بالتغطية الميدانية للانتخابات الأمريكية. تُرسل العديد من وسائل الإعلام مراسلين إلى الولايات المتحدة لتغطية مجريات الانتخابات من الداخل، مما يوفر تقارير حية من الميدان تعكس الأجواء الانتخابية، ومواقف الناخبين، والتحديات التي تواجه الحملات الانتخابية في الولايات المختلفة. يتميز هذا النوع من التغطية بمصداقيته ويتيح للجمهور متابعة الوضع عن كثب.

5. التغطية عبر وسائل التواصل الاجتماعي:

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي أداة أساسية في التغطية الإعلامية للانتخابات الأمريكية، حيث تستخدمها وسائل الإعلام العالمية لنقل المستجدات السريعة وتقديم محتوى تفاعلي. توفر المنصات مثل تويتر وفيسبوك وإنستغرام، محتوى بصري ومقاطع فيديو حول أحداث الانتخابات، كما تسمح هذه المنصات للجمهور بالتفاعل مع التغطية من خلال التعليقات ومشاركة المنشورات، مما يخلق نوعًا من المشاركة الدولية في النقاش الانتخابي.

6. التركيز على القضايا ذات البعد العالمي

تركز وسائل الإعلام العالمية على القضايا التي تمتلك أبعادًا دولية ضمن السباق الانتخابي الأمريكي، مثل السياسة الخارجية، والموقف من القضايا البيئية، والتعاون الدولي. يتم تحليل السياسات التي يتبناها المرشحون في هذه المجالات من منطلق تأثيرها المحتمل على العلاقات الدولية، ما يعطي الجمهور الدولي تصورًا حول كيف ستؤثر نتائج الانتخابات على بلدانهم أو قضاياهم القومية.

7. مواجهة المعلومات المضللة وتصحيحها

في ظل انتشار الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة، تقوم وسائل الإعلام العالمية بدورٍ هام في التحقق من صحة المعلومات وتصحيح الشائعات حول الانتخابات. تعتمد وسائل الإعلام على فرق متخصصة في تدقيق المعلومات للتحقق من صحة الأخبار التي تنتشر عبر الإنترنت، وتصحيح المغالطات التي قد تؤثر على فهم الجمهور لطبيعة السباق الانتخابي.

8. الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

تعتمد العديد من وسائل الإعلام العالمية على التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الانتخابات وتقديم تنبؤات بناءً على المعلومات المتوفرة. تساعد هذه التقنيات في متابعة كمّ هائل من البيانات، واستخراج رؤى تساعد المحللين على تقديم تفسيرات دقيقة للمشهد الانتخابي، بالإضافة إلى تسهيل عملية عرض المعلومات بطريقة ميسّرة ومباشرة للجمهور.

و تُعدّ قنوات  “فوكس نيوز” و”سكاي نيوز” و”سي إن إن” من أبرز وسائل الإعلام العالمية التي تتابع السباق الانتخابي الأمريكي عن كثب، حيث تقدّم تغطية شاملة تستفيد من إمكانياتها الكبيرة في الوصول إلى المعلومات، وتحليل البيانات، والتفاعل مع الجمهور. رغم أن كل قناة تتبع أسلوبًا خاصًا وتوجهات سياسية مختلفة، فإنها تتفق في توفير تغطية احترافية ومتنوعة من حيث المحتوى والأساليب التحليلية.

1. فوكس نيوز (Fox News): التوجه المحافظ والتركيز على قضايا الهوية والقيم.
وتُعرف فوكس نيوز  بتوجهها المحافظ، وهي تمثل وجهة نظر قطاع كبير من الناخبين المحافظين في الولايات المتحدة، كما أنها تركز على السياسات التي تمثل قيم الحزب الجمهوري. في تغطيتها للانتخابات الأمريكية، تعتمد فوكس نيوز على برامج تحليلية تستضيف محللين ومعلقين سياسيين يعبرون عن وجهات نظر محافظة. تقدم القناة تقارير ميدانية تُركز على ما يصفه الجمهوريون بالقضايا المهمة، مثل الهجرة والضرائب وحقوق السلاح، وتستعرض تأثيرات هذه القضايا على الولايات المتأرجحة التي تكون حاسمة في تحديد نتيجة الانتخابات.

2. سكاي نيوز (Sky News): التغطية الدولية والمحايدة نسبيًا. وسكاي نيوز، بوجودها كشبكة إعلامية بريطانية ودولية، تُركز على تقديم تغطية محايدة نسبيًا تتيح للجمهور الأوروبي والدولي فهم السياسة الأمريكية دون الانحياز لأي طرف. تُسلط سكاي نيوز الضوء على المواضيع التي تهم الجمهور العالمي، مثل السياسة الخارجية الأمريكية، والعلاقات عبر الأطلسي، وتغير المناخ. تستخدم القناة في تغطيتها للاستطلاعات، والرسوم البيانية، والخرائط التفاعلية التي توضح نتائج الولايات الأمريكية المتأرجحة وتأثيرها على المشهد الانتخابي، مما يتيح للجمهور الدولي تصورًا متكاملًا لآثار الانتخابات الأمريكية على القضايا الدولية.

3. سي إن إن (CNN): التحليل العميق والتغطية الشاملة مع توجيه نقدي. وتعدّ  سي إن إن واحدة من أكثر القنوات تأثيرًا في الإعلام العالمي وتشتهر بتوجهاتها الليبرالية والنقدية، خاصة فيما يتعلق بالحزب الجمهوري وبعض القضايا المحافظة. تُركز القناة على التحليل العميق للأحداث السياسية وتعمل على توجيه تغطية نقدية، خاصة في ما يتعلق بالمرشحين المحافظين. تقدم سي إن إن تغطية إخبارية متكاملة تشمل بث مباشر للمناسبات الانتخابية، وتحليلات مفصلة، واستطلاعات الرأي المتجددة. كما تُقدم تقارير ميدانية من ولايات متعددة توضح ما إذا كانت السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يعتمدها المرشحون ستؤثر على الناخبين.
وتعتمد سي إن إن كذلك على فرقها الميدانية في الولايات المتحدة وخارجها، لتقديم تغطية مفصلة حول القضايا الدولية التي قد تتأثر بنتائج الانتخابات، مثل السياسة الخارجية، الأمن القومي، والتغير المناخي. تُستخدم الخرائط التفاعلية، والتحليلات الإحصائية، والتوقعات الانتخابية، مما يُتيح للجمهور فهماً معمقًا لتغيرات الرأي العام بين الناخبين الأمريكيين.

4. المقارنة بين أساليب التغطية والتحليل. فيما تعتمد فوكس نيوز على تقديم محتوى يبرز القضايا التي تهم الناخبين المحافظين، مثل الاقتصاد والأمن الداخلي والهجرة، تركز سكاي نيوز على تقديم تغطية شاملة تُظهر تأثيرات الانتخابات الأمريكية على العالم، لا سيما أوروبا، وعلى القضايا ذات الأبعاد الدولية. أما سي إن إن، فتوفر تحليلات نقدية عميقة ترتكز على القضايا الداخلية والخارجية على حد سواء، مع التركيز على السياسات الليبرالية ومواقف المرشحين الديمقراطيين.

5. دور وسائل التواصل الاجتماعي في تغطية الانتخابات، إذ تعتمد هذه القنوات أيضًا بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى جمهور أوسع. تُستخدم حساباتها على تويتر وفيسبوك وإنستغرام لنشر تحديثات سريعة عن آخر التطورات في السباق الانتخابي، ونشر مقتطفات من الحوارات والبرامج التحليلية، مما يسمح للجمهور بالتفاعل والمشاركة في النقاش.
رغم أن لكل وسيلة إعلامية توجهاتها وأسلوبها الخاص في تغطية الانتخابات الأمريكية، فإن التغطيات المختلفة من فوكس نيوز، وسكاي نيوز، وسي إن إن تُشكل تنوعًا ثريًا في زوايا التناول، ما يُتيح للجمهور في الولايات المتحدة وحول العالم رؤية شاملة للسباق الانتخابي الأمريكي وتداعياته المحتملة على السياسة العالمية.

تظل الانتخابات الأمريكية حدثًا عالميًا يحظى باهتمام كبير من وسائل الإعلام العالمية، التي تتنوع تغطيتها بين التحليل العميق، والنقل الميداني، والتفاعلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يسهم هذا التنوع في تقديم صورة شاملة ومتكاملة لسباق الانتخابات للجمهور الدولي، مما يُعزز من فهم هذا الإعلام  لأبعاد هذا الحدث وتأثيراته المحتملة على السياسة والاقتصاد العالميين. لهذا أمر طبيعي، أن تكون هذه القنوات قبلة الخبر العالمي والتحليل السياسي، على مستوى الحدث المحلي والعالمي.

فهد توفيق الهندال

التصنيفات
مدونتي

الصورة الايقاعية في ديوان (مشاؤون بأنفاس الغزلان)

في ديوان “مشاؤون بأنفاس الغزلان” لمحمد الحرز، يتميز إيقاع القصيدة باستخدام مجموعة من الأساليب الفنية التي تعطي النصوص طابعًا موسيقيًا داخليًا دون الاعتماد على الأوزان التقليدية. إليكم بعض الأمثلة من الديوان توضح هذه العناصر:

  1. الإيقاع الداخلي:

نجد استخدامًا مكثفًا للإيقاع الداخلي الناتج عن تكرار العبارات، مثل قوله:

“يمضون وكأن شيئًا لم يكن. يكتبون وكأن شيئًا لم يكن. ثم يغادرون الحياة وكأن شيئًا لم يكن”.

تكرار كلمة “لم يكن” يمنح الجملة نغمة إيقاعية تُعزِّز الشعور باللاجدوى والعبثية، وهذا التكرار يشكِّل موسيقى داخلية تساعد على تأكيد المعنى.

  1. التنقل بين الجمل القصيرة والطويلة:

في نص آخر يقول:

“كلما طرق عليك الباب لاح سنارته وسحب كلمة أو كلمتين من قصيدتك ثم ودعك إلى لقاء قريب”.

هنا نجد جملًا قصيرة تتبعها جمل أطول، مما يخلق إيقاعًا متذبذبًا يشبه التنفس المتسارع والبطيء، مما يعطي القارئ إحساسًا بالاستمرار والتوقف، كأن النص يترك مساحات للتأمل.

  1. التكرار الدلالي:

يستخدم الشاعر التكرار الدلالي لتعميق المعنى، مثل في النص التالي:

“الكتابة تدمير للعالم… لا أريد سوى تهشيم جمجمته بفأس الكلمات”.

التكرار هنا لكلمة “تدمير” و”تهشيم” يساهم في إيقاع عنيف يعكس شعور الكاتب برغبة قوية في التمرد والهدم، مما يعزز من قوة النص واندفاعه.

  1. اللغة التصويرية الحسية:

يلجأ الحرز إلى الصور الحسية التي تشدّ القارئ وتشركه في التجربة، كما يظهر في قوله:

“يمضي الوقت مثل مرض معدّ… والمياه انسحبت من الأنابيب كي تتيح لأيامك المتوارية أن تتنفس”.

تخلق هذه الصور إحساسًا بأن الكلمات تتحرك وتتنفس، مما يعزز إيقاع القصيدة عبر المشاهد المتحركة في ذهن القارئ، ويمنح النص نوعًا من الحياة والحركة.

  1. التأمل والفراغات:

يترك الشاعر فجوات للتأمل، كما يظهر في أسلوبه عند الحديث عن معنى الحياة والوقت:

“كلمة إثر كلمة تنزل السماء عاريةً بين يديّ، والمصاب بخنجر الزمن وجههُ مغطى بدم اللغة”.

هنا، المساحات بين العبارات تعطي فرصة للتوقف والتفكير، مما يجعل القارئ يتأمل الصور ويستشعر ثقل الزمن، مضيفًا بُعدًا إيقاعيًا نابعًا من صمت النص.

إيقاع القصائد في هذا الديوان يعتمد على خلق تدفق سلس بين الصور والتراكيب اللغوية، مترافقًا مع عناصر التكرار والتأمل، مما يمنح النصوص بعدًا موسيقيًا مميزًا ومختلفًا، ويعكس تجربة الشاعر مع الوجود والزمن بشكل يعمق التواصل مع القارئ.

تتميّز الصورة الشعرية في ديوان “مشاؤون بأنفاس الغزلان” لمحمد الحرز، بأنها تتسم بالعمق والتنوع، إذ يلجأ الشاعر إلى الصور المركبة والمعبرة التي تعكس أفكارًا فلسفية ومعانٍ وجودية. الصور هنا ليست مجرد تعابير جمالية، بل هي أدوات لاستكشاف الذات والعالم، وتستخدم لتقديم رؤى تتجاوز الوصف السطحي لتصل إلى تعابير حسية ورمزية عميقة.

أمثلة على الصور الشعرية في الديوان:

1. الصورة الكونية:

في قوله: “كما لو أني أربي أشجارًا في نومي؛ كي أصحو على سقوط ثمارها”، يستخدم الشاعر صورة الأشجار التي تنمو في النوم وتسقط ثمارها كناية عن الأفكار أو المشاعر التي تتشكل في اللاوعي وتظهر إلى السطح عند اليقظة. هذه الصورة تحمل دلالات على الانغماس في التجربة الشعرية والانتظار الدائم لحصادها.

2. التعبير عن الفقد:

الشاعر يرسم صورة مؤثرة عن الفقد في قوله: “الذكرى… قادرة أن تحدث شرخا كبيرا في، كل لحظة، في جدار روح محبيه وأهله”، حيث تصبح الذكرى مثل مرآة صقيلة تعكس الحنين والألم، وتستطيع أن تترك آثارًا عميقة في نفوس الأحياء. التصوير هنا يوظف العلاقة بين الذاكرة والجروح، فيجعل الذكرى قوة تؤثر وتغير على نحوٍ دائم. وهو ما نجده في قصيدة (شاعر لا يموت إلا من دهشته إلى الشاعر علي الدميني).

3. الصور المركبة للأشياء البسيطة:

في مشهد آخر يقول الشاعر: “الانقطاع عن الشعر أمام هذه الصعوبات… يعني احترامه، واحترامه لا يعني سوى شيء واحد هو أن يعلن أنك مصاب بالزهايمر”. هنا يدمج الشاعر بين الشعر وفقدان الذاكرة في صورة مركبة، ما يعكس استيعاب الشعر كجوهر للوجود والاستمرار، وأن البعد عنه يعني فقدان جزء أساسي من الهوية.

4. الصور الحسية في وصف الذكريات العائلية:

يقول: “أصرخ في كتبك أندس بين كلماتها أحذف سطرا هنا وأضيف سطرين هناك”، هذه الصورة تحمل إحساسًا حيًا للشاعر وهو يحاول إعادة تشكيل ذكرياته وماضيه من خلال التلاعب بالكلمات، وكأنه يعيد صياغة علاقته مع الزمن والأشخاص من خلال النصوص.

5. الصور السريالية:

في نص آخر يكتب: “الحياة قرب سلالم مكسورة لن تحجب عن الأعمى فضيلة الصعود”، حيث يمزج بين المشاهد السريالية والتعبيرات الرمزية ليبرز الجانب الوجودي من الحياة، هذه الصورة تعبّر عن الصراع بين اليأس والأمل، وتُظهر الصعود كقيمة تتجاوز الإعاقة المادية.

تتجاوز الصور الشعرية في هذا الديوان  كونها وسيلة لإيصال المعنى، فهي تعمل كأدوات لتحفيز القارئ على التفكير والتأمل، وتضعه في مواجهة مباشرة مع مشاعر الحزن، الفقد، الحب، والبحث عن الذات. من خلال الجمع بين الصور الحسية والتجريدية، يخلق الشاعر أجواء متشابكة تعكس فلسفته الخاصة عن الوجود والذاكرة والعبثية.

على مستوى الايقاع، حظيت القصائد في ديوان “مشاؤون بأنفاس الغزلان” لمحمد الحرز باستخدام مجموعة من الأساليب الفنية التي تعطي النصوص طابعًا موسيقيًا داخليًا دون الاعتماد على الأوزان التقليدية. إليك بعض الأمثلة من الديوان توضح هذه العناصر:

1. الإيقاع الداخلي:

نجد استخدامًا مكثفًا للإيقاع الداخلي الناتج عن تكرار العبارات، مثل قوله:

“يمضون وكأن شيئًا لم يكن. يكتبون وكأن شيئًا لم يكن. ثم يغادرون الحياة وكأن شيئًا لم يكن”.

تكرار كلمة “لم يكن” يمنح الجملة نغمة إيقاعية تُعزِّز الشعور باللاجدوى والعبثية، وهذا التكرار يشكِّل موسيقى داخلية تساعد على تأكيد المعنى.

2. التنقل بين الجمل القصيرة والطويلة:

في نص آخر يقول:

“كلما طرق عليك الباب لاح سنارته وسحب كلمة أو كلمتين من قصيدتك ثم ودعك إلى لقاء قريب”.


هنا نجد جملًا قصيرة تتبعها جمل أطول، مما يخلق إيقاعًا متذبذبًا يشبه التنفس المتسارع والبطيء، مما يعطي القارئ إحساسًا بالاستمرار والتوقف، كأن النص يترك مساحات للتأمل.

3. التكرار الدلالي:

يستخدم الشاعر التكرار الدلالي لتعميق المعنى، مثل في النص التالي:

“الكتابة تدمير للعالم… لا أريد سوى تهشيم جمجمته بفأس الكلمات”.

التكرار هنا لكلمة “تدمير” و”تهشيم” يساهم في إيقاع عنيف يعكس شعور الكاتب برغبة قوية في التمرد والهدم، مما يعزز من قوة النص واندفاعه.

4. اللغة التصويرية الحسية:

يلجأ الحرز إلى الصور الحسية التي تشدّ القارئ وتشركه في التجربة، كما يظهر في قوله

“يمضي الوقت مثل مرض معدّ… والمياه انسحبت من الأنابيب كي تتيح لأيامك المتوارية أن تتنفس”.

تخلق هذه الصور إحساسًا بأن الكلمات تتحرك وتتنفس، مما يعزز إيقاع القصيدة عبر المشاهد المتحركة في ذهن القارئ، ويمنح النص نوعًا من الحياة والحركة.

5. التأمل والفراغات:

يترك الشاعر فجوات للتأمل، كما يظهر في أسلوبه عند الحديث عن معنى الحياة والوقت:

“كلمة إثر كلمة تنزل السماء عاريةً بين يديّ، والمصاب بخنجر الزمن وجههُ مغطى بدم اللغة”.

هنا، المساحات بين العبارات تعطي فرصة للتوقف والتفكير، مما يجعل القارئ يتأمل الصور ويستشعر ثقل الزمن، مضيفًا بُعدًا إيقاعيًا نابعًا من صمت النص.

يعتمد إيقاع القصائد في هذا الديوان  على خلق تدفق سلس بين الصور والتراكيب اللغوية، مترافقًا مع عناصر التكرار والتأمل، مما يمنح النصوص بعدًا موسيقيًا مميزًا ومختلفًا، ويعكس تجربة الشاعر مع الوجود والزمن بشكل يعمق التواصل مع القارئ.

هناك أنواع من المزج التصوري في الديوان، والتي تعزز من عمق الصور الشعرية وتضفي على النصوص طابعًا فلسفيًا ورمزيًا. إليك بعض الأمثلة من الديوان التي توضّح أنواع المزج التصوري:

1. المزج بين الإنساني والطبيعي:

يستخدم الشاعر صورًا تجمع بين الإنسان وعناصر الطبيعة لتوضيح حالاته الشعورية والوجودية، مثل قوله: “كما لو أني أربي أشجارًا في نومي؛ كي أصحو على سقوط ثمارها”. في هذه الصورة، يعبر الحرز عن تجربته النفسية عبر صورة الشجرة التي تثمر في الخفاء ثم تظهر نتائجها في العلن، مما يعكس عملية النضج والتأمل الداخلي.

2. المزج بين الواقعي والخيالي:

يمزج الشاعر في احىد الصور بين الفعل الواقعي والخيالي لتقديم فكرة فلسفية، كما في تعبيره: “الكتابة تدمير للعالم”. هنا، يجعل من الكتابة فعلاً تخيليًا يعادل التدمير، وهو ما يضيف بُعدًا سرياليًا ويرمز إلى رغبة الشاعر في إعادة تشكيل العالم من خلال الكلمات، مما يمنح النصوص بعدًا أسطوريًا.

3. المزج بين الحسي والمجرد:

تتجلى قدرة الشاعر على المزج بين الصور الحسية والمعاني المجردة في قوله: “الذكرى… قادرة أن تحدث شرخا كبيرا في جدار روح محبيه وأهله”. يستخدم الحرز هنا صورة حسية تتعلق بالجدار للتعبير عن الألم العميق الذي يمكن أن تتركه الذكرى، مما يخلق إحساسًا ملموسًا للمشاعر المجردة.

4. المزج بين الثقافي والكوني:

يعتمد الحرز على عناصر ثقافية تشير إلى التاريخ والوجود، كما يظهر في وصفه “يباغتك صوتك صادراً عن أغوارك السحيقة”. هنا، يجمع بين المعرفة الثقافية عن النفس البشرية والتأمل الوجودي، ليقدم صورة تنقل إحساسًا بالاتصال بالذات والوعي العميق بالعالم.

أخيرا.. يعتمد محمد الحرز على هذه الأنواع من المزج التصوري لتوسيع نطاق معاني القصائد، حيث تتفاعل الصور مع أفكار فلسفية وإنسانية عميقة تجعل القارئ يتأمل في أبعاد جديدة عن النفس والعالم من حوله.

فهد توفيق الهندال

* محمد الحرز، مشاؤون بأنفاس الغزلان، دار كلمات 2024