تُعدّ الخاتمة في القصة القصيرة من أكثر مناطق النص كثافة دلالية، إذ تمثل اللحظة التي يُعاد فيها توزيع المعنى بين الكاتب والنص والقارئ. فإذا كان المنهج التداولي ينظر إلى اللغة بوصفها فعلًا وسلوكًا تواصليًا لا مجرد بنية شكلية مغلقة، فإن خاتمة القصة القصيرة تغدو فعلًا إنجازيًا مكتملًا، تُنجز من خلاله القصة مقصدها الدلالي الأخير وتُفَعِّل استجابة القارئ الانفعالية والتأويلية معًا (سيرل، 1969).
فليست النهاية، من هذا المنظور، نقطة توقف زمنية في السرد، بل لحظة تفاوض تداولي بين أطراف العملية التواصلية (المؤلف الضمني، النص، والمتلقي). وهذا ما يجعل القصة القصيرة الحديثة تميل إلى النهايات المفتوحة أو الإشكالية، لأنها أكثر قدرة على تفعيل دور القارئ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ له (ياوس، 1982).
ووفق هذا التصور، يمكن فهم الخاتمة باعتبارها خرقًا أو تأكيدًا لتوقعات القارئ، وهو ما يسميه التداوليون باللعب على “مبدأ التعاون” وقواعد التخاطب (غرايس، 1975). فحين تُفاجئ الخاتمة القارئ أو تصدمه، فهي تخرق أفق توقعه التداولي، وتجبره على إعادة بناء السياق الدلالي للنص كله.
في مجموعة (صوت الحشائش) للقاص فهد القعود والصادرة عن دار دريم بوك، تتجاوز الخاتمة وظيفتها التقليدية بوصفها نهاية للحبكة، لتتحول إلى جهاز جمالي وفلسفي يُنتج المعنى ويؤجّله في آن واحد. فالنهايات هنا لا تُغلق السرد، بل تفتحه على إمكانات تأويلية متعددة، مما يضع المجموعة ضمن أفق السرد الحداثي وما بعد الحداثي في القصة العربية المعاصرة.
وفق قراءتنا للمنهج التداولي لدى سيرل وأوستن وفان دايك وغيرهم، تتنوع أنماط الخاتمة في المجموعة، فمنها النهاية الميتاسردية Metafictional Ending ، الصادمة Shock Ending ، المفتوحة والدائرية Cyclical Ending ، الإيحائية الرمزية Symbolic Ending، وهي أنماط لا تعمل على مستوى الحبكة فقط، بل تؤدي وظيفة معرفية في تفكيك يقين الواقع السردي، مع احتفاظها بوظيفة المتعة، أي الدهشة.
في قصة (أنا ملاك) تظهر خاتمة ميتاسردية حين يقول السارد: «ظهرت نافذة على شاشة الجهاز: هل تريد حفظ التغييرات في هذا الملف؟». وهي لحظة يكسر فيها النص وهم الواقعية ويعلن وعيه بذاته بوصفه نصًا مكتوبًا. تندرج هذه التقنية ضمن سرديات ما بعد الحداثة التي تسائل المرجعية الواقعية وتعيد طرح سؤال العلاقة بين الكاتب والنص والقارئ، ليصبح القارئ جزءًا من اللعبة السردية.
أما الخاتمة الصادمة فتتجلى بوضوح في قصة (الأدوار)، إذ تنتهي الأحداث بانفجار مدوٍّ «تتطاير الحجارة في كل اتجاه، تطبق الأدوار على بعضها، تتهاوى، تتساوى بالأرض. يتلاشى في الهواء ببطء، تاركاً خلفه ركاماً وصمتاً مطلقاً. لا شيء يُسمع… سوى الطنين، يذوب رويداً رويداً في هاتف أم محمود». لتتحول النهاية إلى لحظة كارثية تعيد تأويل النص بأكمله. وقد تلعب الصدمة جانبا تفكيكيّا أخلاقيّا للموقف، كما في قصة (الصيد)، إذ ينتهي السرد: «يداه ترتعشان ارتجافاً، فتشق دمعة طريقها في كفّه. حين سقطت، تخيل له أنها أصدرت صوتاً، ففضحته، حينها همس في نفسه كما لو كان يستنجد:
• لكن… هناك عِش».
هنا تعمل الصدمة بوصفها خرقًا لأفق التوقع القرائي، وتجبر القارئ على إعادة قراءة ما سبق من منظور جديد، وهو ما يتقاطع مع نظريات التلقي التي ترى في المفاجأة أداة لإعادة بناء المعنى.
وفي مقابل ذلك، تعتمد بعض القصص نهايات مفتوحة ذات طابع وجودي، كما في (تركواز)، حيث تظل الحدود بين الواقع والهلوسة والهوية غير محسومة، ما يجعل القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة. إذ ينتهي السرد:
« لم أتعرف عليك في البداية!
هزّ كتفيه ثم ابتسم:
• شكراً.
استدار يهمّ بالمغادرة. لمح ناصر جوربه يبرز للحظة من تحت الدشداشة، لكنه لم يعلّق. يتابعه بصمت، وزخرفة التركواز تختفي شيئاً فشيئاً مع خطواته».
لا تقدّم هذه النهايات أجوبة جاهزة، بل تترك النص في حالة تعليق دلالي، وتؤكد أن القصة القصيرة الحديثة لم تعد تسعى إلى إغلاق المعنى بل إلى تعقيده، وإعادة النظر لكونه موقفًا رمزيا يثير تغيّر الهُوية.
وتبرز الخاتمة الدائرية في قصص مثل (شال)، (الأرجوحة)، (راجو خان)، (هدية الله)، (يد يعرفها جيّدا)، و(ماين هيمات)، إذ يعود السرد إلى نقطة البداية، سواء الطفولة أو الأمومة أو الأبوة بوصفها مراكز للذاكرة والجرح الأولي. الزمن هنا ليس خطيًا بل نفسيًا دائريًا، يتكرر فيه الألم، الفقد والحنين، وهو ما يقارب مفهوم التكرار القهري في التحليل النفسي، حيث يعيد النص إنتاج صدمته الأولى بدل تجاوزها. فهي مراكز عاطفية وسردية معًا. وتبدو الهوية في حالة سيولة وتشظٍّ، تتأرجح بين الذات والظل، وبين الوجود والفناء، في انسجام مع تصورات ما بعد الإنسانية حول تفكك الذات الحديثة.
في حين تأتي النهاية الإيحائية الرمزية في قصة (أستاذ مروان)، إذ يتحول الموت فقدا مفزعا، وهزيمة الحياة أمامه. ليختم سرد القصة: «كان ما يكره مبارك أكثر من الفشل هو الموت». ويتكرر في قصة (إلى روح المامير)، أثناء تأبين مربية سابقة بعد سنوات طويلة، حيث الحوارات الداخلية المحمّلة بالشجن.
تتقاطع جماليات الخاتمة في (صوت الحشائش) مع ثيمات كبرى مثل الفقد والطفولة والهوية المتشظية. فالفقد يحضر بوصفه أفقًا وجوديًا يحكم الشخصيات، ليغدو الفقد لغة سردية تهيمن على الوعي النصي.
على المستوى الأسلوبي، تعتمد المجموعة على لغة إيحائية مكثفة واستبطان نفسي عميق، مع ميل واضح إلى تقليل الحوار الخارجي لصالح الصوت الداخلي. ويُحسب للنص جرأته في توظيف تقنيات تجريبية، خاصة الميتاسرد والصدمة السردية، غير أن بعض الرموز مثل الصمت والمرآة والظل تبدو قريبة من الاستهلاك النقدي، كما أن هيمنة السرد الذهني تقلل أحيانًا من المشهدية الدرامية.
في المحصلة، تكشف «صوت الحشائش» عن وعي سردي واعد يجعل الخاتمة فضاءً متاحا لتفكيك المعنى لا لإغلاقه. فالنهاية هنا ليست نقطة توقف، بل فعل تواصلي يعيد تشكيل العلاقة بين النص والقارئ والعالم. وبذلك تمثل المجموعة إسهامًا جماليًا ونقديًا معًا في تطور القصة القصيرة العربية، إذ تتحول الخاتمة من مجرد أداة سردية إلى أفق تأويلي مفتوح.
د. فهد توفيق الهندال


