التصنيفات
مدونتي

الخطاب السياسي بوصفه فعلًا تداوليًا للشرعنة وإعادة التموضع.قراءة نقدية في خطاب مارك كارني – دافوس 2026


لا يمكن قراءة خطاب مارك كارني رئيس وزراء كندا  في دافوس بوصفه بيانًا سياسيًا ظرفيًا أو توصيفًا لأزمة النظام الدولي، بل ينبغي التعامل معه بوصفه فعلًا تداوليًا تأسيسيًا يسعى إلى إعادة تعريف الواقع السياسي، وحدود الممكن، ومعايير الشرعية. فالخطاب لا يجيب عن سؤال: ما الذي يحدث في العالم؟، بل يفرض سؤالًا أعمق: كيف ينبغي أن نفهم ما يحدث، ومن يملك حق هذا الفهم؟

من هذا المنظور، يعمل الخطاب بوصفه ممارسة سلطة لغوية، حيث لا تُعرَّف السياسة عبر القرارات فقط، بل عبر اللغة التي تسبقها وتُهيّئ لها، وهي التي يتجاهلها أغلب محلّلي السياسة وخطاباتها.  إذ يمثّل تحليل الخطاب عند ميشيل فوكو أحد أكثر التحولات الجذرية في الفكر الإنساني المعاصر، لأنه لا يتعامل مع الخطاب بوصفه أداة تعبير عن الواقع، بل بوصفه ممارسة تُنتج الواقع وتعيد تنظيم المعرفة والسلطة والذات في آنٍ واحد.

وتنبع أهمية هذا التحليل من كونه ينقلنا من سؤال ماذا يُقال؟ إلى سؤال أخطر: كيف يصبح ما يُقال ممكنًا، ومن يسمح به، وما الذي يُستبعد بسببه؟

افتتح كارني خطابه بإعلان صريح:

«اليوم، سأتحدث عن قطيعة في النظام العالمي، عن نهاية وهمٍ مريح وبداية واقعٍ قاسٍ».

لا تؤدي هذه الجملة وظيفة لغوية وصفية، بل وظيفة إنجازية؛ فهي لا تُثبت القطيعة بقدر ما تُعلنها وتفرضها كحقيقة لغوية صادمة  وسابقة على النقاش. إذن، نحن أمام انتقال من خطاب يشرح العالم إلى خطاب يعيد تسميته. وبمجرد إعادة التسمية، يصبح الاعتراض على السياسات اللاحقة اعتراضًا على الواقع ذاته، لا على تفسيره. فيعيد الخطاب تأطير النظام الدولي القائم على القواعد بوصفه وهمًا نافعًا لا حقيقة أخلاقية:
«كنا نعلم أن قصة هذا النظام لم تكن صادقة بالكامل. كان هذا الوهم مفيدًا».
هنا لا يُدان النظام لأنه فشل، بل لأنه كان قائمًا على تواطؤ صامت.  إذ يُنتجُ هذا الاعتراف أثرين متلازمين:

1.  نزع أي شرعية أخلاقية عن الدفاع عن الماضي.

2.  تحويل القطيعة إلى فعل صدق وشجاعة لا إلى خيار سياسي قابل للنقاش.

بهذا، لا يصبح الماضي موردًا للنقد فحسب، بل عبئًا لغويًا يجب التخلص منه.

ويبلغ خطاب كارني ذروة كثافته الحِجاجية عند استدعاء قصة البقال عند المسرحي والمنشق السياسي التشيكي فاتسلاف هافل، ورئيسها الأسبق:
«إن قوة النظام لا تأتي من صدقه، بل من استعداد الجميع للتصرّف كما لو كان صادقًا».
وهذا الاستدعاء ليس زخرفة ثقافية، بل آلية إدانة تنقل الامتثال السياسي من كونه حساب مصلحة إلى كونه فعل تواطؤ أخلاقي. وحين يقول كارني:
«لقد حان الوقت للشركات والدول أن تُنزل لافتاتها»
«نحن نُخرج اللافتة من النافذة»
فإنه لا يقدّم توصية، بل يُنجز انفصالًا رمزيًا عن خطاب سابق. فيحلّ الفعل اللغوي هنا محل القرار السياسي، ويمنحه شرعية أخلاقية مسبقة. ليعيد كارني صياغة مفهوم القوة حين يقول:
«القوة لم تعد قائمة على القواعد، بل على القدرة على تحمّل الضغوط»
«نحن لا نعتمد فقط على قوة قيمنا، بل على قيمة قوتنا».

بهذا، يُعادُ تعريف الواقعية السياسية بلغة ناعمة، تقنية–أخلاقية. فالقوة تُعرّف بوصفها:
قدرة على الصمود.
وإدارة للمخاطر.
وتقليلًا للهشاشة.
غير أن هذا التعريف يُخفي سؤال السلطة المركزي مفاده: من يحدد ماهية الخطر؟ ومن يملك حق إعلان أن مرحلة القيم قد انتهت أو يجب إعادة تكييفها؟
بمعنى أن يكون مفهوم الخطاب «الواقعية القائمة على القيم»، لأنه ينتج تركيبًا حِجاجيًا مزدوجًا يسمح له بأن يكون أخلاقيًا دون التزام مطلق. وعمليًا دون اعتراف صريح بالانتهازية.
بالمقارنة مع الخطابات العربية والشرقية المعاصرة، يظهر اختلاف جوهري في إدارة القلق السياسي. فالخطاب العربي غالبًا ما يؤجل الاعتراف، ويستثمر في الرمزية والتعبئة والتاريخ، بينما يقوم هذا الخطاب على الاعتراف بالانكسار وتحويله إلى مصدر شرعية، مع ترديد الماضي تاريخًا ومصيرًا مشاركًا.


يُغلق خطاب كارني أفق العودة بعبارة مكثفة جدَا:
«الحنين ليس استراتيجية».
بهذه الجملة، لا يُدان الماضي فقط، بل يُجرَّم التفكير فيه كبديل. وهكذا، لا يسأل الخطاب المتلقي إن كان يوافق أو يعارض، بل يضعه أمام اختبار لغوي–أخلاقي. فإما القبول بالإطار الجديد، أو البقاء في موقع “العيش داخل الكذبة”. وهنا تتجلى قوة الخطاب وحدوده معًا، فهو خطاب صريح، جريء، وفعّال تداوليًا، لكنه في الوقت ذاته يمارس أخطر أشكال السلطة السياسية: سلطة تعريف الواقع، وتحديد ما هو قابل للنقاش، وما يجب تجاوزه باسم الضرورة.
فالخطاب لا يُقدَّم بوصفه وصفًا للواقع بل بوصفه فعلًا لغويًا إنجازيًا  Speech  Act  ، يهدف إلى إعادة تعريف موقع العالم. نحن أمام خطاب تحويلي لا تقريري؛ أي أنه لا يشرح العالم كما هو، يسعى إلى إعادة تشكيل إدراك المتلقي لطبيعة النظام الدولي ولشرعية الأفعال القادمة. لكن لا يعني هذا  ليس بالضرورة فضيلة أخلاقية، بل أداة تداولية فعّالة لإعادة احتكار تعريف الواقع وحدود التفكير فيه.

د. فهد توفيق الهندال

أضف تعليق