في كتابه (6 نزهات في غابة السرد)،
يستعير أمبرتو آيكو، الروائيّ والسيميائيّ الإيطاليّ، صورة الغابة لوصف فعل القراءة، بوصفه رحلةً معقّدة تعبر طبقاتٍ متشابكة من العلامات والدلالات. فالغابة عند آيكو ليست فضاءً للمشي فقط، بل مجازٌ للتيه المنتج؛ ذلك التيه الذي لا يفقدنا الطريق بقدر ما يفتح أمامنا دروبًا جديدة، ويسائل يقيننا عمّا نعرفه، وكيف نعرفه، ولماذا نعرفه.
هكذا استرجعت غابة ايكو في قراءتي لرواية (صحوة الأقدمين) للكاتب حسين علي غلوم.
ربما ما شدّني للرواية ما صرّح به كاتبها قبل نشرها بالحرف:
“الآن الرواية جاهزة للطباعة، ولكن ربما بسبب ما تحتويه عملية كتابتها من انفتاح على اللغة وما ورائها، مع استمرار صناعة النشر في العالم العربي في جموده وعدم إنصافه للكاتب، لا يمكن لهذا النص بكل ما ضخ به من طاقة تأويلية أن يكون أسيرًا للجمود وخادمًا لعملية لا تنصف الكاتب، وهذا الأمر بالإضافة للموقف المبدئي ضد الظلم جعلني أرفض عرضًا لنشره مع دار نشر كويتية، كان ممثلها غاية في الاحترام إلا أنني لم أستطع أن أنتزع منه أي كلمة تدل على الرغبة في التغيير الحقيقي لواقع النشر غير المنصف.”
فقد أثار لدي الفضول أكثر من الرواية ذاتها، مما جعلني في هوس كبير لاقتنائها وقراءتها، فطلبتها من موقع سديم، الذي خصصه الكاتب لبيعها. وهنا ثمة سؤال يفرض ذاته:
هل يمكن أن يخوض الكاتب غمار مغامرة بجهود ذاتية مستقلة، معتمدا على ذائقة المتلقي لا بروباجاندا وتسويق دور النشر، لا سيما الكبيرة، حفاظا على منتجه وأصالة إبداعه دون وصاية؟
هل سيكون النشر المستقل ملاذ الكتّاب في عالم بات النشر فيه تجاريا بحتا ووفق احتياج السوق؟
كان علي أن أدخل عالم الرواية، لأبحث عن اجاباتي.
الرواية أو بالأحرى النوفيلا، لايمكن هضمها بسهولة برغم قصر عالمها الضمني، واقتصارها على مستويين سرديين، كان سليمان فيها متلفظا في مستواه السردي الأول في داخل الكراسة، ومسرود عنه في مستواه السردي الثاني فيما تناقلت الأخبار عن سر اختفاءه، والتعريف المتأخر قصدًا بشخصية سليمان، واعترافات أو بوح عبدالعزيز عن ابن خالته سليمان، وإن لم تكن مجزأة فصليا.
تسرد الرواية الغموض الذي لفّ حول كراسة وجدها السارد الأول غير المسمى لكوننا داخل النص، سواء كان المؤلف أو غيره، برغم المكان الذي شخّصه بأسمائها مواقعه. فهذه الكراسة مخطوط يوميات شخصية، تبحث عن تاريخ خاص بها بين تاريخ الطبري وغيره من المؤرخين. ليتتبع السرد فصوله بتلفظ صاحب الكرّاس مع تدوين السارد لمداخلاته في الهامش، ويمضي الكراس متلفّظا بأسماء شخصياته، الواقعية والغرائبية باحثا نحو حقيقة وحيدة ثابتة، نافية للريبة والشك:
” لا أعلم ما الذي يجعل البعض أو يدفعهم نحو العبث مع الثابت الوحيد في هذا العالم؟ الحقيقة الوحيدة في بحر الريبة. اليقين الأوحد. الموت.” !
ليتابع السارد توكيل المخطوط بتلفظ صاحبه (سليمان) بحثا حول حقيقة ذلك، وما ارتبط به من الغيبيات والغرائبيات، وخليط فلسفي روحاني ميثولوجي، مستعينا على معرفة عميقة في موروث أسطوري وأسماءه (آزاثوث)، (كثولو) وغيرهما، ما يدل على قراءات شتى عميقة في هذه العلوم ومجالاتها.
تحمل الرواية النوفيلا سؤالا حول ماهية الوجود، وما يمكن أن يستدل على أسبابه، مكوناته، أسراره، عجائبه ورعب اكتشافاته. فالحقيقة قد تكون صادمة، لكنها المبرر الضائع حول تفسير ما يحدث حولنا، لأصل نزاعات الإنسان بعدالخلق الأول.
من أراد قراءة (صحوة الأقدمين) للكاتب حسين علي غلوم، عليه أن يتابعه أولا، للتعرف على أفكاره المُتعبة في جريها المستمر نحو سر ميلاد الإنسان، فكريا، جسديا، أسطوريا، عقائديا، فربما ثمة خيوط تشترك، تتعاقد، تتشابك، تكوّن عقدتها المستحيلة على حلها دون التمهيد.
لقد أثبت حسين علي غلوم، عبر هذا العمل، أن النشر المستقل ليس مجرد خيار ضد مؤسسةٍ متكلّسة، بل موقف إبداعي يعيد للكاتب حريته، وللنص صوته، وللقارئ دوره في صناعة المعنى. وهنا تتجلى أهميته ليس بصفته نُوفيلا غامضة فحسب، بل بوصفه إعلانًا عن إمكانية أخرى للكتابة، أكثر توترًا وصدقًا، وأقرب إلى روح المغامرة التي فقدها كثير من الأدب الحديث.
لهذا لا تمنح الرواية إجابات مكتملة، لأنها ليست معنية بإغلاق الباب، بل بفتحه على مصراعَي الأسئلة الكبرى التي تُرعب الإنسان وتفتنه، حول الخلق، الوجود، الموت، والبحث الدائم عن ذلك الخيط الخفي الذي يشدّنا إلى أصلٍ لا نعرفه ولا نكفّ عن الحنين إليه.
لذلك.شخصيا، كنت اقرأ عشر صفحات وأعيد قراءتها ثانية، وربما ثالثة لكي استطيع الوقوف على أرضية مشتركة مع النص وكاتبه.
فليست صحوة الأقدمين روايةً تُقرأ بطمأنينة، ولا نصًا يسمح للمتلقي بالانزلاق فوق سطحه دون مقاومة. إنها عمل يتطلّب عبورًا حقيقيًا في «غابة السرد»، كما أراد آيكو—غابة لا تكشف دروبها إلا لمن يقبل المشي فيها بلا توقعات جاهزة، ويمنحها سعة الشك والصبر، ويستسلم لندائها الداخلي. فالنص، بقدر ما يقدّم حكاية، يزرع أسئلة، ويُربك الحدود بين المدوّن والنص، بين التاريخ والميثولوجيا، بين الكائن الباحث والمجهول الذي يبحث فينا.
د. فهد توفيق الهندال

