شاهدت الفيلم في بداية الثمانينات عبر القناة الثانية من تلفزيون الكويت على جزأين ضمن السلسلة الشهيرة روائع القصص. لأشاهده ثانية عبر احدى منصات الأفلام بعد كل هذه السنوات.
باتون Patton فيلم تاريخي انتج في العام 1970، يعدّ أبرز الأفلام الحربية لكونه يسرد جانبا من شخصية الجنرال جورج س. باتون، أحد أشهر الجنرالات الأمريكيين في الحرب العالمية الثانية. من إخراج فرانكلين جيه شافنر وبأداء استثنائي من جورج سي سكوت. يدمج الفيلم بين الدقة التاريخية والدراما المشوقة. فالسيناريو، الذي كتبه فرانسيس فورد كوبولا وإدموند إتش نورث، ليعدّ تحفة فنية أدبية بحواره الحاد وأحداثه التاريخية المدروسة. كوبولا، الذي سيصبح لاحقًا مخرجًا أسطوريًا للثلاثية العراب، أضفى على السيناريو مزيجًا من الرسم والتعقيد والدقة، إذ اعتمد الفيلم على كتابي “باتون: المحنة والانتصار” للكاتب لاديسلاس فاراغو و”قصة جندي” للجنرال أومر برادلي، مما يمنحه قاعدة تاريخية متينة.
يلتقط الفيلم جوهر شخصية باتون المتناقضة في عبقريته كاستراتيجي عسكري، بلاغته الشعرية وحبه الرومانسي للحرب، وشخصيته القاسية. ولعل أشهر جملة في الفيلم تأتي من المونولوج الافتتاحي الذي لا يُنسى: “لم يفز أي ابن ساقطة في الحرب بموتٍ من أجل بلاده. بل فاز لجعله ابن الساقطة الآخر يموت من أجل بلاده”. هذا المونولوج، أمام علم أمريكي ضخم، يضع نغمة الفيلم بأكملها، حيث يمزج حقائق الحرب الوحشية بشخصية أبطالها.
كما يعرض الحوار رؤى باتون حول التظاهر والقدر معا، مما يضفي عليه طابعًا غامضًا، وذلك باعتقاد باتون بأنه كان محاربًا في حيوات سابقة يضيف عمقًا لشخصيته، لكونه يرى أنه محارب قديم من زمن الرومان ويكره القرن العشرين، مما يجعله إلى جانب كاريزما شخصيته، مجنونا أرعن غير متوقعة التصرفات أمام قادته ومنهم أيزنهاور القائد العام لقوات التحالف ضد دول المحور في الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، كان باتون خيارا أولا عند أيزنهاور لأي معركة مجنونة لا يهم حجم الكارثة والضحايا في سبيل النصر!
قدّم جورج سي سكوت أداءً مذهلاً في دور الجنرال باتون. تجسد شخصيته بشكل مسرحي طيفًا كاملاً من سمات الشخصية المتمثلة في قسوة باتون، غروره، جاذبيته، وهشاشته معا. يؤدي سكوت شخصية باتون بحدة هائلة تجعل من المستحيل إبعاد النظر عنه، عبر أدائه القوي، إذ جسّد حب باتون للحرب، ووطنيته الشديدة، وتناقضاته العميقة. وأبرزت قدرة سكوت على الانتقال من خطابات النصر الاستعراضية إلى لحظات التأمل الهادئ، براعته المذهلة في تقديم شخصية متناقضة.
إحدى أكثر المشاهد تأثيرًا في الفيلم هي عندما يصفع باتون جنديًا مصابًا بالصدمة النفسية في مستشفى ميداني، وهي واقعة تاريخية غيرت مسار باتون ذاته. وجاء أداء سكوت في هذا المشهد مبهرا ، حيث يعرض طبيعة باتون القاسية وإيمانه بعدم وجود مكان للجبن في الحرب. ومع ذلك، نراه بعد ذلك بوقت قصير يفكر في تصرفاته بشكل خاص، مما يكشف عن شخص يعاني من العيوب وإنسانيته في النهاية. فكانت حادثة صفع الجندي والاعتذار له أمام عموم قوات الجيش الثالث الذي يرأسه باتون، لعنة ملازمة له حتى بعد عزله عن كل قيادات الجيوش الأمريكية برغم ما ساهم به من انتصارات.
قدّم الممثل كارل مالدن في دور الجنرال أومر برادلي توازنًا مثاليًا مع أداء سكوت. إذ شكّل باتون العسكري الناري وغير المتوقع، كان برادلي هادئًا ومتزنًا ودبلوماسيًا. ليمثل الرجلان أساليب قيادة مختلفة، ويعزز ذلك أداء مالدن الهادئ مقابل أداء سكوت الأكثر اندفاعًا.
كان الإخراج لفرانكلين جيه شافنر، وهو الأضخم من حيث النطاق ودقة التنفيذ. يوازن بين مشاهد الحركة في الفيلم وبين لحظات التأمل، مما يضمن أن شخصية باتون تبقى محور القصة الرئيسي. إذ ركّز شافنر على عظمة باتون لكنه أيضًا استكشف عذابه الداخلي. لهذا لا يعدّ الفيلم تمجيدًا بسيطًا للحرب بل دراسة لشخص أحب الحرب واعتقد أنه مقدر له تحقيق مصير وقدر.
مع الإدارة البارعة لشافنر لمشاهد المعارك الميدانية، حيث جسّد الفوضى في المعركة، بينما يعطي الجمهور إحساسًا بالجغرافيا والاستراتيجية. وقد تم تنسيق المعارك بدقة، ليظهر المخرج تأثير قرارات باتون دون تمجيد العنف ذاته.
تم تصوير فيلم باتون في عدة دول، منها إسبانيا والمغرب وإيطاليا. لتضفي هذه المواقع أصالة على تصوير الفيلم لمسرح العمليات الأوروبي وشمال إفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية، ولعل الصحاري القاحلة في شمال إفريقيا كانت لافتة للنظر بشكل خاص، حيث تعزز الظروف القاسية التي واجهها باتون وقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية.
ولعلّ واحدة من أكثر المشاهد التي لا تُنسى هي معركة القطار في إيل قوتار، والتي تم تصويرها في التلال الوعرة في إسبانيا. فالمناظر الطبيعية تعزز النطاق الملحمي للفيلم وتخلق خلفية حية للمواجهات بين قوات باتون والجيش الألماني، مما عزّزت ضخامة هذه المواقع لشخصية باتون نفسه، الذي كأنه حربه تُدار على مسرح عالمي لا أرض حربية.
مع اقتراب الحرب من نهايتها، يظهر استياء باتون من السلام. ليعترف بأنه يشعر بأنه لا مكان له دون حرب يقاتل فيها، قائلاً: “بالمقارنة مع الحرب، تتضاءل جميع أشكال الجهد البشري الأخرى لتصبح غير ذات أهمية.” تلخص هذه العبارة إدمان باتون على ساحة المعركة وعدم ارتياحه لأي شيء خارج الحياة العسكرية، وذلك لحبه التاريخي للحرب.
حقّق فيلم باتون نجاحا من الناحية النقدية والتجارية، حيث فاز بسبع جوائز أوسكار في عام 1971، بما في ذلك:
أفضل فيلم
أفضل مخرج (فرانكلين ج. شافنر)
أفضل ممثل (جورج سي سكوت) — رغم أن سكوت رفض الجائزة بشكل شهير.
أفضل سيناريو أصلي (فرانسيس فورد كوبولا وإدموند إتش نورث)
أفضل تصميم إنتاج
أفضل مونتاج فيلم
أفضل صوت
كما تلقى الفيلم ترشيحات لجوائز أفضل تصوير سينمائي وأفضل مؤثرات بصرية، مما يؤكد إنجازاته الفنية والتقنية. وأصبحت موسيقى الفيلم واحدة من الأيقونات الموسيقية.
يظل فيلم باتون واحدًا من أعظم أفلام الحرب على الإطلاق، ليس بسبب مشاهد المعارك أو نطاقه التاريخي، بل بسبب تصويره الذي لا يُنسى لشخصية استثنائية للجنرال باتون، وما كانت تخفيه من غطرسة في قراءة التاريخ، وأنه لا يكتب إلا بمدافع المحاربين أمام عدسات الكاميرات وعناوين الصحف، وهي المعركة التي يخسر فيها باتون دائما. وما كان لهذا المقصد أن يتحقق من الفيلم لولا الأداء المذهل لجورج سي سكوت، مدعوما بإخراج ملحمي من شافنر وسيناريو ذكي من كوبولا، ليقدم الفيلم استكشافًا غنيًا ومتعدد الطبقات لقائد عسكري عظيم ولكنه عانى من العزلة بسبب هوسه بالحرب مهما كان الثمن.
فهد توفيق الهندال

