التصنيفات
مدونتي

أنا البحر، لن تشتري صمتي طلقة طائِشة

من أجمل ما قرأت وسمعت من الشاعرة العمانية المتألقة عائشة السيف، التي لم يمنعها تخصصها الهندسي من خوض غمار بحر الشعر الذي يبدل قمصانه كل يوم، فقد انطلقت من أرض الشعر في عُمان في فلك الشعر العربي قبل أن تتوّج مؤخرا كأميرة للشعر كأول شاعرة -ربما- في مثل عمرها تتغلب على قامات الشعر في هذا الزمن.

قد نختلف أو نتفق على برنامج جاءت فكرته منطلقة من لقب أمير الشعراء الذي حمله لأول مرة أحمد شوقي، باجماع الشعراء والأدباء في عصره، لكن هذا لم يمنع من وجود شعراء لا يقلون أهمية معه كحافظ ابراهيم وخليل مطران و غيرهما.

ولكن من وجهة نظر. كان اسم البرنامج حافزا اعلاميا كما هو ثقافيا لكي يتبارى الشعراء ويصقلوا موهبتهم وقريحتهم في زمن بات يطلق عليه زمن الرواية، ولكن هذه الغواية لم تطفئ جذوة الشعر ودفئه، بل ساهمت في فك لثام الخجل عن كثيرين فشدوا الرحال نحو البرنامج وغيره من البرامج والمسابقات المعنية بالشعر.

فعلى غرار أمير الشعراء في أبوظبي، هناك مسابقة شاعر الرسول في كتارا بقطر، وهي شاهدة على تدفق الشعر في أسمى صوره في مدح سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم. فمثل هذه البرامج والمسابقات هي فرصة لحضور الشعر إعلاميا، وفرصة للشعراء لكي يستمتعوا وينصتوا ويتأملوا في تجاربهم الشعرية ويراجعوها.

نحن بحاجة لكي نتابع المشهد الشعري اليوم، فهو الحاجة الأدبية التي تهذّب الكثير من المشاعر والأنفس بعدما اختنقت بضجيج الرواية وزخمها الإعلامي. نحن نبحث عن شعراء يعيدون الوجه الأنيق للشعر، ويوسعون مدارك الوعي لدى المتلقي، بعيدا عن التنظير وصنمية الشكل ورتابة المعنى.

في احدى زياراتي لأحد منتديات الشباب، استمعت لعدد منهم، اللافت أن العمودي والتفعيلة كانا طاغيين على كل القصائد المقروءة، فتساءلت عن غياب قصيدة النثر، فما كان الرد من أحد الحاضرين: هذا شعر التغريب من المستعمر! ذهلت عندما سمعت مثل هذه الرأي الذي يمثّل جهلا لتاريخ كثير من شعراء قصيدة النثر، انطلقوا من التفعيلة وعبروا بوابتها نحو تجارب شعرية حديثة، في زمن باتت الشعرية فيه تحاكي الحياة وتمثّل كل أشكالها، ولا تتقوقع في شكل واحد. بل إن في الشعر العمودي أوالتفعيلة ما يضاهي في حداثته أفضل القصائد النثرية بما يضمه من شعرية مفترضة تفوقت على الشكل.

أخيرا.. وبعد اعلان فوز الشاعرة العمانية عائشة السيفي بلقب أمير الشعراء، كان متوقعا الهجوم الكبير والتشكيك وبث المقاطع المبتورة من سياقها لبعض قصائدها، وهذا ليس مستغربا، فقد نال ذلك مواطنها الشاعر جمال الملا الذي فاز بالدورة الأولى لشاعر الرسول في الدوحة، كما هو الحال مع الروائية العمانية جوخة الحارثي بعد فوزها بجائزة “المان” بوكر العالمية، وكأن الأدب مفصّل فقط على هوية معينة.

واختم بما بدأته، بما اخترته مما قالته عائشة :
إنهم يطلقون الرصاصَ الكثيفَ على شفتيّ
ويحترفُونَ امتصاصَ الهواءِ المقيمِ عَلَى رئتيّ

يرِيدُونني جثةً ليصلُّوا عليَّ ..
ويوجعهم أن بنتاً تحبُّ علانيةً دون رهبَةْ

إنهمْ يطلقُونَ الرصاصَ الكثيفَ على شَفتيّ ..
ولكنّهم كلمَا صوبوا أتلاشى ، وتحمِلُ أجنِحةٌ كتِفَيّ

وإنْ صوبُوا أتناسلُ
سلوَى، شميسَة، مريمَ، بشرَى
حنَانَ، وزهرَة ، أحلامَ

أصبحُ كلَّ النساء اللواتي ولدنَ
أو القادمَاتُ اللواتيْ سيولَدنَ
أنجُو -إذا صوّبُوا- فأنَا عائشَةْ

وأنا البَحرُ .. لنْ تشتريْ صمْتَهُ طلقَةٌ طَّائشةْ ..

***

فهد توفيق الهندال

أضف تعليق