التصنيفات
مقالات

الكلمة الريح

untitled image

” النص مدى مفتوح. مرن كالحرف، هائل كالحرية. ” تأتي الجملة السابقة ضمن سياق بيان طويل أصدره قبل سنوات كلا من الشاعر قاسم حداد والكاتب الناقد أمين صالح تحت عنوان ( موت الكورس ) في ديسمبر 1984 ، كحالة من التعبير عن رؤيتهما حيال المشهد الإبداعي ككل ، والكتابة بشكل خاص .  عندما يخط مبدعان عملاقان هذا البيان قبل أكثر من 30 عاما ، فهما يرصدان متغيرات جديدة في نمط الكتابة ، لتبقى الحرية هاجسها الدائم في أن يعبر المرء عن رأيه دون قلق من سلطة الرقيب أو محاكم التفتيش بكل صورها ،ولكن شريطة أن تعيد الاعتبار لأهمية الكتابة ، والتنقيب في عمقها ، بعيدا عن هوام السطح العائمة ، التي لا تفرق اليوم بين قلم مبدع وآخر مدع ! فكيف تفرق بين الاثنين ؟الكلمة ، هي الميزان بينهما . فما هي الكلمة ؟يقول عنها بابلو نيرودا : ” جنح من أجنحة الصمت. قطعة أرض أعشقها، انا الذي لا أملك نجمة سواها بين كل مروج السماء. هي التي تكرر الكون وتكثّره. هي بيتي أيضا. شيّدتها فسيحة رحبة لكي العب فيها من الصباح الى الصباح ” .الكلمة نغمة تبحث عن موقعها في سياق نوتة موسيقى ما ،أو قطرة مطر تبحث عن أرض بكر ، وربما نسمة شاردة في لهيب الصيف تنعش أحدهم دون قصد ، قد تكون زفرة ألم في لحظة فقد دون وعي . الروائية التشيلية ايزابيل الليندي تهتم كثيرا بالكلمة : ” مهمٌجداً بالنسبة لي، أن أجد الكلمة المحددة التي سوف تخلقالشعور أو تصف الحالة. أنا انتقائية جداً في هذا الجانب،لأنها المادة الوحيدة التي نملكها ، الكلمات. ولكنها مجانية،لا يهم كم مقطعاً لفظياً تحوي: مجانية! يمكنك أن تستخدممنها بقدر ما تريد، إلى الأبد! ” . ضمن القراءات المختلفة ، لابد أن ثمة كلمة تطن في بالنا أكثر من غيرها ، تأخذنا في فضاءات أخرى ، نترسب معها في سياقات متنوعة ، لا يحدنا سقف  واحد ، غير التأويل لأكثر من معنى ، نهاجر في غربتها في جملة ناقصة ، أو نواسي وحدتها في فقرة محرومة من الفعل الجماعي ، نقتنص ضحايا الانتظار لزمن تأخر حضوره كثيرا . الكلمة ، شهقة ، تلفظ الهواء هربا ، كحالة اختناق من واقع مربك ، و تلتقطه نجدة في اختراق لكل محرم ممنوع محنط . تبحث عنها سياقات الكلام في قواميس الألم ، ومعاجم الفرح ، تشكّل القصة ، الرواية ، بيت الشعر ، نصوص الحياة . الكلمة كالريح ، التي تهب من الشمال الأقصى ، فتحرك الشعور الأدنى  وتفجر المعنى من العمق . وكما قال غوته :” وما الريحُ إلا عاشقٌ لطيفٌ / يعشق الأمواج / ويدفعها من القعر ” .وهكذا الكاتب ، عاشق كالريح ، والكلمة متاهة ، ولكنها في الأصل .. الكلمة حرية .

أضف تعليق