التصنيفات
مقالات

العبث في زمن كورونا

انطلقت فكرة العبث بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من تدمير الإنسان لإرثه الحضاري والعلمي بدعم من الفساد الأخلاقي للثورة الصناعية في أخطر منجزاتها المتمثلة بالترسانة المسلحة، وأصبحت ذراعا قويا بيد كل أحمق طامع بالتوسع الدموي، كما فعل هتلر مُشعل هذه الجولة الثانية من الحرب العالمية.اليوم نمر بحالة عالمية مشابهة، ليست أداتها الحرب العسكرية هذه المرة، وإنما الصراع الاقتصادي والتجاري بين دول العالم، فوصلنا حتى الدرك الأسفل منه بتفشي فيروس كورونا المسبب لمرض كوفيد-19 ، ليستمر سقوط معاني التطور الحضاري والتمدن البشري، فهي لم تبدأ بالسقوط اليوم وإنما منذ ارتضى الإنسان لأخيه الإنسان أن يعيش رازحا تحت ضغوط الفقر والمرض في بقية أرجاء المعمورة، وهو ما ينافي القيمة الأخلاقية للبشرية المفترضة.أمام هذه الحقيقة القاسية لانتشار كورونا، أين موقع الأدب اليوم؟هل ما يزال القائمون عليه ينتظرون انجلاء الجائحة حتى يبدأوا في خط مشاهداتهم وتأملاتهم للعالم قبل وبعد كورونا عبر أعمالهم الأدبية شعرا أو سردا؟إلى أي مدى يمكن أن يعبر الأدب عن المعاناة الإنسانية المواكبة لانتشارالوباء وتصاعد أعداد الوفيات بشكل خطير جدا، وتكالب الدول على مصالحها الخاصة، وتبدل مفهوم المجتمع المدني في دول متقدمة، حيث يتسابق أفراده على الغذاء والدواء وسط ما وصل إليه من طمع وجشع في جوانبه المظلمة،  في ظل عالم تراجع عن فكرة العولمة، وأصبحت دوله تعيش منعزلة في حجر ذاتي اضطراري، ليتحول البشر فيه لشاشات منعكسة لشاشات وسائل التواصل الاجتماعي بما تحمله من أخبار وإشاعات وعلو خطاب الكراهية، فبات في تقاتل إجتماعي أكثر وليس تباعدًا اجتماعيًا مطلوبًا كشكل وقائي من انتشار الفيروس، وهذا كله يشكّل قمة العبث!نعيش عبثية أكثر مما توقعها بيكيت و أونيسكو وآداموف وغيرهم، فنحن نرزح في فوضى عارمة، ننتظر الخروج منها، كانتظار استراجون وفلاديمير لجودو، ننتظر ومعنا أشباه بوزو ولاكي في وسط هذه الفوضى التي تسجل لحظة مهمة في حياتنا، يمكن أن نشبهها بما قاله أحدهم يوما:(البشرية هي نحن في هذا المكان، وفي هذه اللحظة من الزمان ) !أخيرا.. إذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون، فإن الأدب يكتبه الناجون من معارك الحياة، وليس بالضرورة أن يكونوا منتصرين!

أضف تعليق